|
.jpg)
يحكم العقيد معمر القذافي بلاده منذ أربعة عقود، مما يجعله واحدا من أقدم الحكام في العالم. اما في العالم العربي، فهو الأقدم على الإطلاق.
ويشكل هذا الكتاب أول كشف حساب من نوعه لسجل تلك العقود الأربعة. يصدر قريبا بطبعتين ورقية وألكترونية.
شيء من فوضى الذهن، وشيء من المواقف المسبقة، وشيء من تضارب الانفعالات سوف تجعل من المستحيل تقريبا أن تعرف الطرق التي سلكها، والإنقلابات التي إنقلبها، والعواصف التي أثارها، والحروب التي خاضها، والوحدات التي أقامها وحطمها، والمشاريع الوهمية التي بناها، والأموال التي بددها، والمنظمات التي دعمها، وأعمال الإرهاب التي رعاها، والإغتيالات التي نفذها، والعهود التي نقضها، والسياسات التي بدّلها، والشعارات التي ركبها، والخصومات التي اختصمها،...
إنه شيءٌ خرافي.
فإذا كان قِدرُ مصائبنا يجلس على أثفية الهزيمة تجاه إسرائيل، وأثفية فشل المشروع التنموي، فهو، في السياسة، ثالثةُ الأثافي.
لن يمكن لأحد، إذن، أن يكسبه مؤرخا. إنظر الى مقابلاته التلفزيونية وستلاحظ على الفور انه لا "يُجمّع" حكايته على سياق عاقل واحد. وسترى انه لا يستطيع أن يتصرف كإنسان من دون أن يُحلق في فراغه الشارد.
ومع ذلك، فانه ما يزال يحكم كواحد من ضباط جمهوريات اميركا اللاتينية التي كان يطلق عليها إسم "جمهوريات الموز". إنما من دون أن يزيحه ضابط آخر.
ولكن هناك خسارة أهم بكثير.
في العديد من دول العالم المتحضرة، فان الحكّام الذين يحكمون لما يفترض انه أكثر من "فترة" واحدة يظلون واقعين تحت هاجس السجل. فهم يريدون أن يتركوا وراءهم سجلا يمنحهم التاريخ، بفضله، علامة فارقة.
والسجل هو ما يُخزي معمر أبو منيار القذافي.
أثبت العقيد على إمتداد أكثر من 40 عاما شيئا واحدا، هو انه رجل قسوة وعنف وغطرسة، ولكن ليس لأنه حقق معجزات إقتصادية أو إجتماعية أو سياسية، بل لأنه حقق فشلا.
وهل يمكن للفشل أن يجعل المرء متغطرسا؟
نعم. فعندما يصدر الفشل عن تطرف في العمى بحيث لا يعود المرء قادرا على محاكمة أفعاله، أو على نقد تجربته الخاصة، أو على مساءلة نفسه (طالما انه ليس لدى الجنرال من يسائله)، فان الغطرسة تكون هي آخر الثمار المُرّة عادة.
عندما يلقي المرء باللوم على غيره، في النتائج التي تحصدها بلادٌ تحت قيادته، فان النتيجة الطبيعية هي انه يعود ليجسد ما يعرفه الجميع:
ملأى السنابل تنحي بتواضع
والفارغات رؤوسهن شوامخ.
ولم يجسد القذافي شيئا جديدا على أي حال، فهو كرر ما كان يفعله كل الطغاة العالمثالثيين. سوى أنه أمضى مدة أطول من الجميع في ترسيخ هذا الفشل وفي تحويله الى منهج، بل وفي التنظير له على انه معجزة.
هل يمكن للمرء ان يعيش مفارقا للواقع الى هذا الحد؟
نعم. يضع العقيد القذافي نفسه في منزلة فوق البشر. وبالتالي فانه يعيش في عالمه الخاص. وهذا العالم كيانٌ من التصورات الوهمية التي تضع حاجزا بينه وبين رؤية ما يحيط به. وأكثر من ذلك، فانه يحتقر شعبه. ولا يتردد في توجيه الإهانة لأي أحد، بمن فيهم أقرب المقربين إليه. ولئن كانت ليبيا بلدا غنيا بالخبرات والكفاءات المرموقة، فقد تعمد هذا الرجل على سحقها وتهجيرها، لانه ما كان ليسمح لأي أحد آخر غيره أن يفكر، أو أن يقول رأيا. والشرط الرئيسي للعيش تحت جناحه هو القبول بإفتراضاته. وهذا الشرط أدى، كما يفعل الطغيان عادة، الى تدمير قدرة المجتمع على إنقاذ نفسه. فعندما تتحول النخبة الى أبواق للعنف والصخب، فان النتيجة عادة ما تكون كارثة بالنسبة للمجتمع، لانه لا يعود هناك من يمكنه أن يقدم له حلولا أو مخارج.
لقد سئلتُ مرارا عن الأسباب التي تدفعني الى القيام بهذا العمل.
وكنت أقول إن هناك ثلاثة أسباب على الأقل:
الأول، هو إن العقيد القذافي أمضى في السلطة أربعة عقود، وقد آن الأوان لكي يقدم، ونقدم له، كشفا بالحساب.
وبهذا المعنى، يحاول هذا العمل أن يقدم مساهمة، ربما تكون الأولى، لكي نقرر المكانة التي سوف يحتلها هذا الرجل في تاريخ ليبيا وفي التاريخ العربي. إذ ليس من المعقول أن تكون أبواق الدعاية المُشتراة والمبتذلة هي الكلمة الأخيرة في صناعة تلك المكانة.
هناك من يقول اليوم إن التاريخ سينظر اليه كجلاد ومجرم يستحق المحاكمة، ولكن الأمر، بالنسبة لهذا الكتاب، لا يقصد إصدار الحكم، وإنما تحليل الوقائع التي يمكن أن تقود اليه.
فقط الوقائع هي التي سوف تكون لها اليد العليا، لا التحليل.
والثاني، هو إن العقيد بدأ مشروعه على أساس أيديولوجي. وكان من المهم تماما للمرء أن يحلل المسار ليرى كيف يمكن للأيديولوجيا أن تتحول، بسهولة، الى عمل من أعمال الدجل. وهذا أمر في غاية الأهمية لكل الذين لديهم مشاريع أيديولوجية. على الأقل، من أجل ألا يجدوا أنفسهم غاطسين في المستنقع نفسه. وعلى الأقل، لكي يتحاشوا إعادة صنع الهزيمة.
نحن بحاجة ماسّة الى أن نجعل من العقيد القذافي الهزيمة الأخيرة في تاريخنا. الخزي الأخير، والقاع الذي لا قاع دونه.
فبكشف حسابه ننجو. وبالتبرؤ منه نتطهر. وبالإبتعاد عن حماقاته ننضج ونعقل.
والثالث، هو إن المشروع القومي الذي انطلق منه العقيد تحول على يديه الى مشروع خراب وفوضى. وهذا المشروع يستحق أن يُسترد، وأن يُنقذ من براثن السطحية والشعارات، وأن يعود الى أصله كمشروع تحرري للإستقلال والتنمية والوحدة.
المسافة بين المشروع التحرري وبين الدجل، يجب أن تظل واسعة، من ناحية، وخاضعة لمحاكمة متواصلة، من ناحية أخرى.
وهذا الرجل يبيع شعارات ضد المستعمرين. ولكنه في المقابل يبيع بلاده للمستعمرين بأرخص الوسائل وأقلها حرصا على التحرر من الهيمنة.
وإذا لم يكن هذا دجلا، فمن سيكون بحاجة الى معرفة ما هو الدجل؟
مع ذلك فان أعمال الدجل التي يمارسها تُلحق بنا الضرر، وتحطم قدراتنا على النجاة، لصالح الخصم أو العدو نفسه الذي يزعم العقيد أنه يحاربه.
الكتاب يصدر، كما يستطيع الجميع أن يلاحظ، في اجواء لا يوجد فيها من يهاجم العقيد على مستوى الدول.
علاقاته بالسعودية، على سبيل المثال، تمضي في اتجاه المصالحة وطي صفحة الخلاف. وعلاقاته بدول المنطقة الأخرى جيدة، إن لم تكن ممتازة. فهناك من دول المنطقة من هي بحاجة الى أمواله، وهناك منها من يتحاشى أعماله الصبيانية قائلا "إبعد عن الشر وغني له"، وهناك منها مَنْ لا يجد متعة في إثارة توترات معه لانه سرعان ما يحولها الى هرج ومرج.
وهل هناك اليوم، بعد المليارات الطائلة التي دفعها كتعويضات عن "لوكربي" وغيرها، مَنْ يمكن أن يحرك ضده جهدا؟ ومن أجل ماذا؟
الرجل، لم يُقصّر لا مع الامبريالية، ولا مع عملائها. وعندما وقعت الأزمة المالية العالمية، فبدلا من أن يقف (محايدا على الأقل) لكي يراها تنهار، فقد هب بكل أموال بلاده لكي "يستثمر" في إنقاذ الشركات التي كانت تقف على حافة الإفلاس. و"السي. آي. أية" يجب أن تكون قليلة الأدب لكي تنكر عليه دوره "القومي" الحقيقي في الذود عن مصالح الإستعمار والإمبريالية وحمايتها من الإنهيار.
وإسرائيل نفسها تشعر بانه رجل "مسؤول" و"عقلاني" حسب وصف افيغدور ليبرمان وزير الخارجية الاسرائيلي الذي تفاوض مع رجال العقيد من أجل إطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي رافائيل حداد.
وزيادة على الطين بلة، فبما أن ذلك الجاسوس ذهب ليصوّر أملاك اليهود في ليبيا، فان المفاوضات توصلت في ما يبدو الى اتفاقٍ تقدم ليبيا بموجبه تعويضات مرضية. وظلت الصفقة سرية بين الطرفين. الله وحده يعلم كم دفع، وكيف.
وعندما أرسلت ليبيا، على سبيل النفاق، سفينة مساعدات إغاثة للفلسطينيين المحاصرين في غزة، عقب حادثة الصدام مع السفينة التركية "مرمرة"، فانها إمتثلت للأوامر الإسرائيلية، لتأكيد الطبيعة "المسؤولة" و"العقلانية" لنظام العقيد. وهو ما يعني ان "الموساد" واليمين الإسرائيلي المتطرف يستطيع أن يقدر "المسؤولية" و"العقلانية" التي يتميز بها رجال العقيد.
وكل هذه وقائع، وهي لا تحتاج الى تأويل لكي تكشف عن طبيعتها.
إنظر، أيضا، الى الطريقة التي يتعامل بها العقيد، ليس مع الكُتّاب والمثقفين وحدهم، بل وحتى مع زعماء الدول أيضا، وستعثر على مستوى لا حدود له من التعالي والاحتقار والغطرسة.
وإسأل، بعد ذلك، نفسك: على ماذا؟ ما هو الإنجاز التاريخي الذي حققه هذا الرجل لكي يُصعّر خده على الناس؟ ما هي المعجزة التي نزل بها في بلد تتخرب بنيته التحتية ويعيش ثلث سكانه عند حدود الفقر، وتتجاوز نسبة البطالة بين شبابه 20%؟
لن تعثر على الكثير، ولكنك ستعثر على شيء واحد فقط، وستعرف انه وحده مصدر كل الغطرسة: المال.
يشعر العقيد انه يستطيع شراء أي أحد. وبما أنك تمد له يدك، فمن حقه الطبيعي عليك أن يُصعّر لك خده.
كل الذين يتذللون له، وكل الذين يعتبرونه عبقريا، وكل الذين يتجاهلون كوارثه، وكل الذين يعملون لحسابه كأبواق، يفعلون ذلك إما لانهم قبضوا مالا، أو لأنهم طامعون بأن يعطيهم مالا.
هذه هي كل القصة.
هناك، مع ذلك، مَنْ كان لديه من عميق الجرح ما لا يمكن ستره بالمال.
لقد كنت أحب أن أقول، لقد أعددت هذا الكتاب لصالح حريتي وضميري، فأصعّر خدي أنا الآخر.
ولكني في الحقيقة لا أستطيع التعالي على أحد. فهناك بين الليبيين والليبيات من الأحرار ما يجعل بسالتهم، مثل المسمار "ينغز" كل من يحاول أن يختال على الأرض مرحا.
عندما انكشفت جريمة سجن أبو سليم، وفي غمرة نظام الخوف والقسوة الذي يلقي بكلكله على ليبيا، خرجت المئات من الأمهات والزوجات والأخوات ليطالبن بكشف الحقيقة وبمحاكمة المسؤولين عن الجريمة، وبالكشف عن مصائر المئات ممن أختفت آثارهم.
لقد كان المشهد مروعا. لم يجرؤ كل جلاوزة العقيد على أن يفعلوا شيئا. فالمرارة التي غلبت على النفوس كانت أعظم من أن يُرد عليها بالمزيد من القسوة.
ووقف الى جانب أولئك النسوة رجالٌ أشراف لكي يدافعوا عن حقهن في دماء ضحاياهن. والحق، بالنسبة لهم، ما يزال عدالة غائبة عن جريمة تستحق أن تسجل كواحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية.
ولئن كانت المنظمات الدولية لم تدفع بالأمور في الإتجاه نحو ملاحقته في المحكمة الدولية الخاصة بالجرائم ضد الإنسانية، فان ما يعرفه الجميع هو إن هذا النوع من الجرائم لا يسقط بالتقادم.
وماذا يفعل عقيد المال؟
لقد عرض على الثكالى شراء الدماء. ولكنهن رددن عليه بالقول: احنا ليبيين أحرار، ما ننشرى بالدولار.
لم يمكن لأسر الضحايا أن تطوّر تظاهراتها الى إنتفاضة ضد نظام أثبت، بالدليل المشهود، انه نظام فساد وجريمة. فالخوف ما يزال هو العملة التي يتداولها الليبيون فيما بينهم، أكثر مما يتداولون فقرهم وعوزهم نفسه.
كل إمرأة بكت، دفعت من دموعها ما يجعل الحرية تنحني خجلا.
وكل رجل شهم غامر بحياته من أجل الدفاع عن حقوق الضحايا بمحاكمة عادلة، جعل من حريته مسمارا "ينغز" كلَّ مَنْ أمسك قلما.
فقررت أن أضع دموع الأمهات نصب عيني وأن أبكيها معهن أيضا.
بحكمته الصحراوية، يعرف العقيد القذافي، أن التسويف مثل الصدأ،.. يأكل الحديد.
ورهانه، تجاه كل الجرائم التي ارتكبها ضد شعبه، يقوم على التسويف ليكون مثل الصدأ الذي يأكل الحديد.
وهو يشعر بالثقة من انه يملك كل الوقت. وبفضل رضا الإمبريالية عنه، فانه يملك سلاح الصدأ.
لقد حكم لأكثر من أربعين عاما، ويرى أنه يستطيع أن يحكم، برفقة سلالته غير المباركة، لأكثر من أربعين عاما أخرى.
ما ينساه العقيد هو إن التاريخ لا يصدأ، وإن دماء الضحايا لا تبرد.
|