|
الاثنين, 06 سبتمبر 2010 08:18 |
|
.jpg)
بريق العبادة
المتوسط اونلاين - زيارة الأضرحة والزوايا في المغرب ظاهرة قديمة متجذرة في المخيال الشعبي.. في تلك الأمكنة تتكثف القداسة وتتقاطع الرموز لتعكس ثقافة كاملة لم تستطع كل متغيرات العصر الحديث أن تسلب بريقها أو تحد من حضورها، وفي كنفها يصير كل الزوار باختلاف أوضاعهم الاجتماعية سواسية، ما إن يتفرقوا من موسم حتى يتواعدوا على موسم آخر، وبين هذا وذاك تقع على الأطراف طقوس نأت بجوهرها وشكلها عن الأهداف التي أقيمت من أجلها تلك الزوايا، إذ لم يعد الموسم مرتبطا بالضرورة بضريح أو ولي، بل أصبح ما هو سياحي واقتصادي يفرض أنشطة موازية تجلب الرواج والزيارة للمدينة أو القرية.. لكن يبقى الموسم المرتبط بالأضرحة فاعلا كظاهرة مجتمعية.
وتعد نسبة الإناث الأعلى ارتباطا بهذه الزيارات، وهو ما يفسره واقع شخصية المرأة داخل المجتمع المغربي.. فنسبة التعلم ضعيفة عند الأجيال السابقة المكونة لجيلي الجدات والأمهات.. وثقافة القرون الوسطى حاضرة بقوة في التراث الشفهي، وفي الوعي الاجتماعي والديني، حيث يتم اجترار معتقدات وأفكار قرون غابرة، فيها من الخرافة والأسطورة والوهم ما يجعل من حظوظ العلم المعاصر والوعي الموضوعي الواقعي بالأمور المحيطة والظواهر المتحكمة في الكون والحياة والإنسان في تغيير هذه الثقافة أمرا أشبه بالمستحيل.
ويحضر عند المرأة أكثر كل هذا الارتباط بالأضرحة بعامل آخر يتجلى في الدور الثانوي الخلفي الذي فوض لها تسيير أمور الحياة المجتمعية، وجعل وسائل التدبير للحياة واتخاذ القرار فيها بيد الرجل الذي يجرب ويحكم ويقوم شؤون الحياة وهي التابعة له في النجاح والإخفاق، وهذا الواقع يدفع بالمرأة إلى التعلق بالحلول المثالية والعاطفية والخوارق والمعجزات التي تداوي بالبلسم تجارب الرجال وقراراتهم، كما تحاول أن تنتصر على هذا التحكم الذكوري بقوانين خارقة للعادة تجعلها المنتصرة إذا استطاعت لا بالقوة المادية بل بالقوة الغيبية المثالية المرتبطة بالسحر وزيارة الأضرحة والتبرك بأولياء الله الصالحين.
لكن المفارقة تكمن في التداخل بين الرسمي والشعبي، الاقتصادي والديني، وكذا المجالات المرتبطة بها، مما يطرح تساؤلات عديدة حول انتعاش زيارة الأضرحة المغربية وما تخلقه من حركية اجتماعية واقتصادية.. وما تنتجه من وعي ثقافي مجتمعي حولها تجاوز حدود المملكة والمغرب العربي كله.
وتطلق الزاوية في اللغة العربية على الركن من البيت، تقول: زوى وتزوى وانزوى أي صار في الزاوية. وانزوى القوم إلى بعضهم أي تضامنوا، وتجمع على زوايا ومفردها زاوية.
وتعرف في الشرق باسم "الخانقة" وهي المكان المخصص للتعبد والذكر، وإيواء الفقراء والمساكين، وتقديم الطعام والشراب لهم.
والزاوية نوعان: زاوية مرابطية محدودة المحيط الجغرافي، حيث تقتصر على القبيلة، وزاوية طرقية وهي ذات محيط واسع جدا يتجاوز أحيانا حدود الوطن لتنتشر في كثير من دول العالم العربي والإسلامي وحتى في آسيا وأوروبا وأميركا.
والزوايا في المغرب هي تلك المساجد الصغيرة التي كانت في الغالب غير خاضعة للإشراف الحكومي، وقد لعبت دورا مهما وخطيرا في الكثير من المراحل التاريخية وذلك من خلال التأثير في السياسات المتبعة وفي البنى المجتمعية. ولم تفقد الزوايا قوتها وحضورها داخل الوعي الفردي والمجتمعي بل ظلت دائما حاضرة على المستوى المذهبي والعقائدي، ولعل ما يفسر هذا الحضور المتجدد هو عمقها وتجذرها الاجتماعي الناتج بدوره عن تاريخه الطويل من جهة وعن فعلها التكييفي للإسلام المثالي مع واقع الناس وشروطهم اليومية من جهة أخرى.
وقد دأبت الزوايا المغربية، خصوصا "البودشيشية"، و"التيجانية"، و"العلاوية" على عقد لقاءات ومنتديات دولية خلال السنوات الأخيرة، حيث تستقطب أنشطتها مئات الآلاف من الأتباع، وهو ما اعتبره محللون محاولة من الدولة المغربية لإيجاد توازن بين الإسلام الحركي الذي غالبا ما يعارض مشاريعها، وبين حركية التصوف التي تقتصر على الاحتفالات والمزارات، وتنأى بنفسها عن الدخول في حلبة السياسة.
في الأعوام القليلة الماضية أبدت السلطات المغربية اهتماما كبيرا بالطرق الصوفية وبرعاية أنشطتها المتنامية، ويرجعون ذلك إلى أنها ترى في نهج الصوفية السلمي وسيلة فعالة لمحاصرة أفكار وأنشطة التيارات الحركية الإسلامية ذات القاعدة الجماهيرية.
وإذا كان اهتمام المغرب بالزوايا والطرق الصوفية، بل ارتباط السلطة السياسية فيه بالصوفية مسلّمة ثابتة تاريخيّا إلى درجة قول أحد الباحثين إن تاريخ المغرب هو تاريخ سيادة "التيار الصوفي" بمختلف تعبيراته، فإن التساؤل يبقى قائما، حول دوافع الاهتمام المتزايد بالإسلام الصوفي في السنوات الأخيرة، حيث عملت الدولة على رفع منسوب مساندتها للزوايا ودعمها لمختلف الطرق الدينية المتصوفة.
وفي الكثير من المراحل التاريخية لعبت الزوايا في المغرب دورا مهما وخطيرا، وذلك من خلال التأثير في السياسات المتبعة وفي البنى المجتمعية، ورغم مرور قرون لم تفقد قوتها وحضورها داخل الوعي الفردي والمجتمعي، بل ظلت دائما حاضرة على المستوى المذهبي والمعتقدي، ولعل ما يفسر هذا الحضور المتجدد هو عمقها وتجذرها الاجتماعي الناتج بدوره عن تاريخها الطويل من جهة، وعن فعلها التكييفي للإسلام المثالي مع واقع الناس وشروطهم اليومية من جهة أخرى.
ولذلك، وغيره ما زالت الزوايا بالمغرب في التاريخ المعاصر تحتفظ بمجموعة من الأدوار والوظائف التي كانت تنهض بها تاريخيا، على المستوى الاجتماعي السياسي أو الإيديولوجي، ويبدو تجدد وإحياء الزوايا والطرق الصوفية واقعا ملموسا في المشهد الديني المغربي المعاصر، بما لفت انتباه كافة الباحثين والمهتمين حتى تساءل المفكر المغربي عبد الله العروي، مستغربا، في أحد حواراته عن المنطق الذي يحكم مسألة نشر مقال عن طقوس زاوية صوفية من قبل صحيفة مغربية متخصصة في مجال الاقتصاد.
وفي الفترة الأخيرة، وتحديدا خلال الحملة التي تقوم بها السلطات المغربية لملاحقة جماعات التنصير، وخلايا التشييع بعد قطع العلاقات الدبلوماسية مع ايران، عاد الحديث بقوة عن دور التصوف والزوايا وعلاقتهما بالسلطة في المغرب إلى بؤرة التركيز بعد أن أبدت الدولة اهتماما زائدا بالطرق الصوفية.
فهناك فريق يرى أن الدولة تستعمل الطرق الصوفية لإعادة ارتباط المغاربة بما يعرف باسم "الاسلام الشعبي" الذي افتقدوه أمام هجمة الإسلام المتشدد القادم من الشرق والذي زاد من انتشاره وسائل الإعلام خاصة الفضائيات والأقراص المدمجة.
وهناك فريق آخر يرى أن اهتمام الدولة بالتصوف يأتي في إطار من الاستمرارية والتجديد لصيانة تراث ديني ثقافي إن وجد "فهو مؤهل لعلاج الغلو".
وجاء في رسالة وجهها العاهل المغربي محمد السادس في 19 سبتمبر/ أيلول الماضي إلى المشاركين في الدورة الوطنية الأولى للقاء -سيدي شيكر للمنتسبين للتصوف- "إنكم في لقائكم هذا كطائفة واحدة مشربكم واحد وقصدكم واحد.. خدمة الدين والوطن. أما خدمة الدين فمنهجكم القويم فيها يتمثل أساسا في الاعتصام بالكتاب والسنة وإشاعة العلم وتهذيب النفس بالإكثار من الذكر"، وأضاف الملك
"وأما خدمة الوطن فتتمثل أساسا في القيام بالواجب نحو الإمامة العظمى التي تمثلها إمارة المؤمنين والحرص على خصوصيات المغرب الثقافية حتى لا تضمحل تحت تأثير كل المشوشات الدخيلة"، والعاهل المغربي هو أمير المؤمنين حسب الدستور المغربي.
يذكر أن الزوايا ظهرت في المغرب العربي منذ القرن الثالث عشر ميلادي، حيث حلت تدريجيا محل الرباط، ثم تطورت مهامها وتوسعت على يد المرابطين والطرق الصوفية، حيث جمعت بين العبادة والتعليم والتوجيه والإصلاح والحرب في وقت واحد. وقد نمت الزوايا وانتشرت بكثرة في القرن الخامس عشر ميلادي كرد فعل لحادثين كبيرين في حياة المسلمين في المغرب العربي وهما: ضياع الأندلس والغزو الصليبي المتمثل في احتلال اسبانيا لثغور المسلمين في المغرب العربي لاسيما المدن الساحلية.
وخلال تلك الفترة عملت الزوايا على إحياء الوظيفة الحربية للرباطات القديمة في المغرب العربي، وإبان الاحتلال الفرنسي الصليبي سجلت الزوايا والطرق الصوفية في غالبيتها دورا تاريخيا مشرفا، حيث قادت الجهاد والمقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي في أغلب الثورات في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وهذا إلى جانب المقاومة الثقافية والحضارية المتمثلة في الحفاظ على الإسلام واللغة العربية والتاريخ الوطني التي حاربها الاستعمار الفرنسي بضراوة إدراكا منه بأنها عوامل وحدة الأمة ومصادر قوتها وسر انتصارها.
كما ارتبط ظهور الزوايا في المغرب أساسا بظروف سياسية وتاريخية واجتماعية خاصة، كالفراغات السياسية التي كانت تنتج عن غياب السلطة المركزية، أو تعرض البلاد إلى كوارث طبيعية مزلزلة كموجات القحط والجراد والفيضانات، أو تعرض المجتمع لتهديدات خارجية حقيقية مشرقية وأوربية؛ فاستغل أهل الطرق وشيوخ الزوايا مختلف هذه الأوضاع في المغرب، وتحركوا من أجل تعبئة المجتمع واستنهاضه ضد ما يحدق به من أخطار.
وفي الدراسات الأنثربولوجية، اعتبرت مؤسسة الزاوية خاصية من خصائص تاريخ المغرب الذي لا يمكن تناول أية فترة منه، أو أي حدث من أحداثه، دون أن نأخذ بعين الاعتبار حضور الزاوية والطرق في تشكيل جزء كبير منه، وهو ما جعل الكتابات التاريخية حول المغرب تبقى متفطنة ومدركة ما لهذا المعطى من أهمية في تفسير الكثير من الظواهر والقضايا التي يحفل بها التاريخ المغربي، وذهبت عبر كتب التاريخ مقولة تزيد من ترسيخ هذه الثقافة، وهي "إذا كانت بلاد المشرق هي بلاد الرسل والأنبياء، فإن بلاد المغرب هي أرض الصالحين والأولياء"، ومثل هذه المقولة لم تولد من فراغ وإنما لها مبررات وبراهين واقعية وموضوعية أكثر من أن تحصى، واستطاعت أن تفرض حضورها محليا وإقليميا ودوليا، لتبقى سرا من أسرار المغرب وإحدى عناوين حضارته.
|