|
الأحد, 29 أغسطس 2010 23:48 |
العيش في مخيمات
في ظل عراق الاحتلال وخلال شهر رمضان الكريم تتجلى احلى الزيارات والعلاقات بين العوائل العراقية حيث يسعى الناس الى تبادل الزيارات وتجديد العلاقات، فتجتمع العوائل في بيت العائلة الكبير ويحرص الكثير من المواطنين على لم الشمل والتزاور وتفقد الصغير والكبير وتتحرك المشاعر والوشائج وتحلو الروابط وينشط العراقي لتفقد البعيد والقريب.
هذا كان حالنا في ما مضى، لكن بعد المرور بكم من الحروب وسنوات الحصار، ومن بعده الاحتلال الذي لم يبق شيئ على حالة فقطع الاواصر والعلاقات حتى وصل الحال لضياع صلة الرحم نتيجة للظروف التي فرضت على العراقيين من تهجير وخطف وقتل وارهاب وتهديد سبقته ظروف صعبة وضيق بالمعيشة وحصار وخوف وقلق، ها قد جاء هذا الشهر الفضيل ليجدد او يعيد تلك العلاقات برغم ضيق الوقت. ولتسليط الضوء وكشف الاسباب ووضع العلاجات المناسبة، ارتأينا ان نوجه الانظار الى هذه الحالة التي تؤثر سلبا على الواقع العراقي وتسيء الى علاقة الاسر العراقية وتماسكها فكان هذا التحقيق:
الحاجة ام سعد (76 عام ربة بيت) تقول: كم تمنيت ان تعود تلك الايام يوم كنا نجتمع في البيت الكبير، عائلة واحدة متماسكة، يسأل بعضها عن البعض الاخر، يتفقدنا الكبير ونتبادل التهاني والزيارات، لقد كان الوضع في ما مضى اكثر راحة وكنا نفرح في هذا الشهر الكريم شهر الخير والبركة لاننا سوف نتعاون جميعاً ونستغل هذه المناسبة لاعمال الخير وتوزيع الهدايا وتبادل الاكلات، وجاءت الاوضاع الاخيرة التي مزقتنا، فعانينا الامرين من تهجير ومداهمات واعتقالات وحظر ومنع، فنحن كنا في منطقتنا نعيش كعائلة واحدة يتفقد احدنا الاخر وكان هناك مجال لزيارة الاهل والاقارب، وجاء الاحتلال ليزرع بذرة التفرقة والكراهية والحقد، حتى وصل بنا الحال الى عدم سؤال الاخ عن اخيه، او عائلته او حتى اسرته الكبيرة وكل هذا نتيجة الافكار التي زحفت الينا مع الاحتلال، فانقلبت الموازين وتغيرت النفسيات وانشغل كل شخص بنفسه ونسي الاخرين من شدة الضيق الذي يتعرض اليه.
وذهب ابو مريم (56 عام استاذ جامعي) الى ان: الاواصر العائلية اختلفت عما سبق، كانت متماسكة وشهد الجميع بذلك، لكن تقدم الزمن وتبدل الظروف والحالة الامنية وصعوبة العيش، كلها جعلت امورا كثيرة تتغير، فمثلا الحظر المفروض يمنع تحرك الناس بعد الثانية عشرة ليلا، وهذا يدل على ان الامن هش وغير مستتب برغم كثرة القوات الامنية وطبعا ينعكس على العلاقات بين الناس وكذلك داخل العائلة الواحدة، كما ان هناك امورا اخرى كثيرة منها صعوبة التواصل لان كثير من المناطق محصورة وكأنها سجن كبير مقفل على أهل المنطقة فقط.
وهناك عوائل تعيش كفافاً فلا تملك الا ما يسد رمقها ،فتكون مشغولة بنفسها فتقصر في زيارة الاخرين، ونلاحظ شيئاً اخرى هو الحالة النفسية للعراقيين عموماً، فلقد مرت عليهم كروب وظلم واضطهاد ولم يمر على غيرهم، فحصل الذي حصل لا نريد ان نكرر لكن مرت على بلادنا ايام عصيبة غيرت فينا الكثير وأدت الى ضعف صلة الارحام وقلة الزيارات بين الاحبة والاصدقاء. فلهذا اتجهه الناس نحو اغلاق الباب على انفسهم، فلا ينشغل احدهم الا بحاله ولا يبادر بالزيارات وتفقد اخوانه واهله.
وكان للدكتورة جنات علي نور (اختصاصية طب نفس) رأي اخر حيث قالت: المجتمع العراقي مجتمع متفاعل بطبعه وحيوي ونشط لانه يحب التجمع والالفة، ولهذا نرى كثير من المناطق تترابط فيما بينها وتتعاضد وتتكاتف، الا ان الذي حصل كان كبيرا، وفوق التحمل البشري، فشهد العراقي تهجير وقتل وخطف واغتيال ومحاصرة واعتقالات، كل هذا اضعف الترابط الاسري برغم ان العراقي لا يهوى هذه الاحوال، فنلاحظ ان الآمال بدأت تنتعش لعودة الترابط بين افراد المجتمع وتماسكه، ففي كل المجتمعات نرى بوضوح الارتباط وخاصة بالمجتمعات الاسلامية.
وبرغم كل الظروف التي تعصف بنا هناك من الناس من يواكب الحياة ويرتبط مع اهله واقاربه واحبته ليحقق حضارة الامم فترابط الاسر يوصل الى رقي الامم وتقدمها.
ختاما نقول ان هذا الشهر مناسبة عظيمة لبناء صحيح وتقويم حقيقي لعودة مجتمعنا العراقي للتراحم والتواصل والتقارب والتزاور، وهذه فرصة للعودة بمجتمعنا الى ما كان عليه وافضل، حتى نعالج المشكلة التي طغت على السطح بسبب اوضاع طارئة غيرت نوعا ما من العادات والوشائج وان عودة الامور الى طبيعتها امر حتمي لكنه يحتاج الى المزيد من الوقت.
واثق عباس، صحافي عراقي يعمل لصحيفة "دار السلام" |