|
الاثنين, 06 سبتمبر 2010 08:19 |
|
.jpg)
لغتك، لا تقتلها
في ليلة رمضانية زاهية قررتُ أن أقصد استاد "درة المتوسط" لكرة القدم صُحبة ابنيّ عساهُما يكتشفان أجواء الملاعب لمّا يكون الاستاد خاليا من جماهير الفريق المحلي المنافس وبالتالي يكون بال جماهير فريقنا المفضل خاليا من هاجس العنف اللفظي ومن "القيمة المُضافة" إليه، العنف متعدد الاختصاصات.
كانت مباراة للمراهَنة على المرتبة الأولى للمجموعات في دوري رابطة الأبطال الإفريقية وكان فريقنا قد هُزم قبل أسبوعين، على ملعب الـ"غربان"، أبطال الـ"كاتنغا"، الموغلِِ جنوبي الصحراء الكبرى. لذا من المتوقع أن تكون الحناجر موفورة الصحة للإنشاد والغناء والهتاف والصياح طالما أنّ البطون موفورة الأكل والشرب، وطالما أنّ المناخ البحري يُومئ بتدفق سيول من المياه لإطفاء نار الظمأ الصيفي وسعير ريح "الشهيلي" (1) الصحراوية العاتية.
لكن ما لم يكن في الحسبان، بالنسبة لواحد من قدماء المُدمنين مثلي على تعاطي الفرجة المباشرة لِما فيها من متعة الانغماس في أجواء المجموعة المُلتفة حول هدف رياضي مشترك، هو انحياز الجماهير عن الهدف.
فما لبث الإحدى عشر تنّينا لفريق رَبَضِ باب سويقة (2) أن أمطروا شِباكَ المنافس الضيف بآخر كُرات النار من الوابل الثلاثي حتى تهاطل من سماء الاستاد وابلٌ من الشماريخ تسبب على التوّ في إطلاق ألسنة اللهيب في كافة الاتجاهات، ومنه في انقداح ألسنة ستين ألف من البشر، عدا الوفد الثلاثي الذي أترأسه، بنيران من الكلِم يَخجل حتى أبو لَهب وأبو جهل مُجتمعان من مُجرد تكراره؛ كأنّ وقت السحور قد فاتهم فصَبّوا جام جوعهم وعطشِهم في منافس الساعة، غير مترددين في إرسال تحية مشابهة إلى غيره من المنافسين حتى ولو كان هؤلاء غير ممثلين لا على المُعشب ولا على المدرجات أثناء السهرة.
وليس هذا الصنف من "الاستضافة" حِكرا على فريقي المفضّل ولا على فريق دون آخر ولا على فريق إفريقي دون الفرق العالمية الأخرى. إنها استضافة يمارسها جمهور كَوني لم يعُد يحس بأنّه مرغوبٌ في حضوره الفعلي إلاّ في الملاعب. إنه صنف من التعبير عن النصر يمارسه جمهور لا يعرف النصر، دون اعتبار ذاك الذي يلهث وراءه في الملاعب، إلاّ في لعبة الورق أو في الرهان على الخيول أو في ألعاب الفيديو (أو في الحروب غير المتكافئة). إنه سلوك ينذر بتعطش كل جماهير الكرة في العالم إلى النصر على الجهل المنظم (بواسطة العولمة) وعلى المادة المكبِّلة للتفكير. إنها ثورة على تهميش العمل كقيمة يُقاس بها الجهد و تُقاسُ بها الحاجة إلى المال حسب الجهد، حتى صار المال هو القيمة التي يقاس بها الجهد وتُحدَّدُ بها الحاجة؛ وهي حاجة واحدة لا تقبل المساومة: الفوز ولا شيء غير الفوز؛ الطريقة الوحيدة المتبقية لجمهورٍ تربَّى على تأليه المادة لكي يُحاسِب بها منظوريه الذين يُباعون ويُبتاعون بملايين الملايين من الدينارات على مرأى ومسمع منه، لكنّ المادة ترفض أن تتربّى عليه.
لقد تحولَتْ إذن الأناشيد والأهازيج والهتافات الشيقة على مدرجات "درة المتوسط" إلى إنشاد هستيري منظم رُددت فيه كلمات من أبشع ما سمعَت أذني منذ أن بُعِثتْ إلى الملاعب، على غرار ذلك العنف اللفظي المسلط على شبابنا المُشاهد للأفلام الأمريكية التي تدمج ما هبَط من اللغة بدعوى الواقعية أو بعنوان تحريض الشباب على رفض واقع صنعه الكبار، وعلى غرار تلكم الكلمات الإباحية، فرُويدية النزعة، التي يستمعون إليها في أغنيات موسيقى الـ"راب" مُقابل جَلد جيوب أولياء أمورهم لتوفير الـ"آيبود" والـ"آيفون" ولفهما.
وفي الحين لم أملك إلاّ أن أسمح لنفسي بالإبحار الذهني، لمدة هنيهة، في بحر الكلام علّني أطرد الشياطين وأستضيف الملائكة. وإذا بي أستسلمُ لفكرة في علم اللغة فرضَت نفسها عليّ في تلك الظروف اسمها "فرضية سابير- وورف" وهي التي يعتقد صاحبها ( الأمريكي 'وورف'، الذي صاغها في 1930، بناءا على أفكار أستاذه 'سابير') أنّ اللغة ليست فقط أداة للتفكير أو، كما صار متداولا من بعد، وعاء للفكر وفكرا بحاله، إنما هي أيضا عامل مؤثر في الواقع، أي أنها تفضي إلى توليد واقع لا يشبه الواقع في مكان آخر وفي زمن آخر وعند متكلمي لغة مختلفة.
وبالنظر إلى ما كنتُ شاهدا عليه في السهرة الرمضانية وإلى ما يحدث من شغب أثناء معظم اللقاءات الكروية في العالم، لم يعد التخوف مقتصرا فقط على الخشية من عدم مكافحة أسباب العنف في الملاعب (أزمة الإيمان؛ الفقر في الفكر الشعبي الداعم للثبات على التحضر؛ تقصير الإعلام المسموع و المرئي والورقي في ربط الصلة بين الفكر والشعب؛ تأليه المادة؛ وهلم جرا)، بل ها هو يمتدّ إلى التخوف من النتائج التي قد يخلفها التفوه بالألفاظ البذيئة على نفسية الناس أجمعين، والتي قد تكون تكريسا للفساد بعينه في السلوك ، لا فقط تعبيرا غاضبا عن واقع مرفوض من طرف الشباب.
وبالرغم من أنه قد تمّ دحض فرضية "سابير- وورف"علميا في السنوات الستين من القرن الماضي (بفضل أعمال نعوم تشومسكي وجون بياجي وغيرهما) إلاّ أنّ واقع ملاعب كرة القدم اليوم في العالم أجمع، بما فيه البلاد العربية، وما يفرزه هذا الواقع من عنف لغوي (وما يتبعه من أصناف أخرى من العنف) متسربٍ إلى المجتمع كله، لن يزحزح قيد أنملة إيمان المسلم بأن الحسنات تُذهب السيئات وبالتالي أنّ الكلمة الطيبة تُزيل الكلمة البذيئة.
زد على ذلك، لم يكن بإمكان علماء الألسنيات الولادية من أمثال تشومسكي وبياجي أن يفسروا هُزال الفرضية لو لم يكن ذلك بإثبات أنّه حتى وإن كانت اللغة حقا مهيكِلة وناحتة للإدراك الحسي للواقع، فإنه يبقى ممكنا أن يتخلص المرء من ذلك السجن بمجرد تعلّم لغة أخرى؟ وهذا يعني، بالنظر إلى موضوع العنف اللفظي في المجتمع العربي، لزوم استبدال اللغة الفاسدة بأخرى، لكي لا تبقى لذوي العقل الفاسد من الشباب حجتهم في لغتهم الفاسدة، ومنه لكي تكون في حوزتهم، عوضا عن ذلك، حجة على حسن نواياهم إزاء تغيير ما بأنفسهم؛ وهي حجة اللغة الجديدة السليمة، الحاملة للكلمة الطيبة. وكما يقول المثل الشعبي عندنا :"لسانك صَوانك، إذا صنته صانك وإذا خُنته خانك."
على أية حال، سواء صحّت "فرضية سابير- وورف" أو نُقضت فلن يغير ذلك شيئا في الثابت من كلام الله تعالى لمّ يقول:" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" (إبراهيم : 24-25). وأشك في أن تكون"الكلمة الطيبة" عندنا معشر العرب في غير العربية الفصحى، وفي أنّ للشباب العربي علاجٌ غيرها، يستبدلون بها العامية كلّما انكشفت حدود هذه الأخيرة في الحفاظ على الذوق العام والأخلاق العامة.
محمد الحمّار، مفكر تونسي وباعث فكرة "الاجتهاد الثالث" و"أتكلم إسلام"
الهوامش:
(1) التسمية التونسية لريح شديدة الحرّ والجفاف تأتي من الصحراء الكبرى وتهب على شمال إفريقيا والسواحل المتوسطية.
(2) الربض هو حي الأحواز الشعبية القديمة لمدينة تونس (العاصمة) العتيقة. حدث انزلاق في الرسم وفي النطق بالعامية فتحولت الكلمة إلى "رْبَْطْ "؛ فالربض (أو "الربط") الشمالي يسمى باب سويقة (مسقط رأس فريق "الترجي"؛ والربض الجنوبي يسمى باب الجديد (مسقط رأس فريق "الإفريقي"). ونظرا للتنافس الرياضي خصوصا والثقافي عموما بين الربضَين فإنهما يقتصران على تسمية بعضهما البعض "الربط الآخر"؛ نوع من "الإقصاء" الذي لا يخلو من الاعتراف المتبادل بعراقة كِليهما.
|