|
الأحد, 07 نوفمبر 2010 16:16 |
تناقلت الصحف التونسية (السبت 6-11-2010) نبأ الخصام الذي حصل بين مدرب فريق الترجي التونسي فوزي البنزرتي وحارس مرمى الفريق وسيم نوّارة. وهو خصام حدث ليلة مباراة النهائي لرابطة الأبطال الإفريقية ذهاب المشهودة (الأحد 31-10-2010) التي أسالت كثيرا من الحبر وتهرأت بسببها كثير من الأعصاب. والخصام مفاده أنّ حارس المرمى أراد أن يدلي بدلوه في تركيبة خط الدفاع وفي طريقة اللعب كما ارتآها هو، فاستاء المدرّب وغضب رئيس الجمعية وحدث ما حدث.
وحِرصا مني على دمج الرياضي بالأخلاقي وبالتربوي، ولِمَ لا، بالفكري وبالفلسفي، كما حاولت أن أفعل لمّا لُمتُ، إثر مقابلة الذهاب المقصودة بين الترجي ومازمبي الكنغولي (خمسة صفر لصالح مازمبي)، العالم الثالث بسبب الأوضاع المتسمة بالحيف والزيف والانحياز والظلم التي آلت إليها الرياضة في بلداننا، أشكر الله أنّ أتيحت لي الفرصة هذه المرة بأن أعلّق على الوجه الآخر للعُملة، الوجه الذي يبرُز فيه الشاب العربي مسئولا عن هزيمته، فضلا عن كونه وجها يظهر فيه الفريق "الضحية" مسئولا بنسبة عالية عن الهزيمة؛ حتى لا يقال، كما قيل، إني منحاز.
طبعا أنا منحاز لفريق الترجي. لكنّ انحيازي رياضي لا أكثر. وحبّ المرء لفريق وانحيازه له، مثل حبّه لوطنه ولعائلته ولأصدقائة، هما الأساس في توليد الرغبة لديه في الحديث والنقاش والنقد. وهذا ليس تبريرا مني بقدر ما هو تأكيد على أنّ حبّ الشيء والانحياز له لا يمنعان المرء من توخي الموضوعية في تناول موضوع شائك.
ومع تعلقي بالترجي فإني اندهشتُ وما زلت مذهولا من موقف الحارس نوّارة ومن طريقته في التدخل في شأن الآخرين، لا سيما أنّ "الآخر" هو المدرّب وهو الأدرى بشؤون التكتيك والتشكيل. ثم لا ننسى أنّ ذلك "الآخر" هو الأكبر سنّا، وكما يقول المثل عندنا "أكبر منك بليلة أكثر منك حيلة".
وهذا يرتقي بحادثة نوّارة مع البنزرتي إلى المستوى التربوي الأساس ويجعلني ألوم على الكبار في تربيتهم للصغار في هذا العصر. وقد جاءني الدعم بينما كنتُ أتمشى في طريق العودة إلى البيت، عند زوال هذا اليوم وبُعَيد قراءتي للخبر الأصلي، لمّا اعترضت سبيلي سيّدة مصحوبة ببنيّة في الرابعة من عمرها تقريبا.
كانت البنيّة تخبط الأرض خبطا برجليها الصغيرتين وهي تبكي لأنها من دون شك كانت راغبة في الحصول على شيء ما. وما فتئتُ أن اقتربتُ منهما أثناء مشيي حتّى همّت السيدة بالتوقف ثمّ أخذ قرار يقضي بالعودة على أعقابها لتلبية رغبة الصبية، ليس هنالك شكّ. وما أن فعلَت حتى علا صوتٌ جانبيّ لسيدة أخرى كانت تمرّ في الاتجاه المعاكس لي:"هم الذين يحكمون،هم الذين يحكمون،هم الذين يحكمون".
ومن نبرات السيدة الثانية ومن تزامن تعليقها مع نظرات العتاب واللوم التي ألقتها تجاه السيدة الملبية لرغبة الصبية وتجاه المشهد بأكمله، فهمتُ أنها واعية بما كنتُ أشاركها الوعي به دون أن نعرف بعضنا البعض: الأطفال في المجتمع العربي مدللون إلى أقصى الدرجات، إلى حدّ صار فيه الاعتداد بالنفس سيّد كل المواقف.
والاعتداد عندنا تجاوز مرتبة النقيض اللغوي للتواضع بل صار معوّضا مرَضيا (أو علاجيا؛ فالنتيجة هي نفسها) للتواضع. فالتلميذ أضحى يجادل المعلّم في علمه جداله معه في الحديث العام، ما جعل المعلم يشك في نفسه ويستقيل ذهنيا من مرتبة الاستعلاء العلمي والحِرفي الذي من المفترض أن توفره له مهنته. والابن والبنت تحولا إلى منافسين رسميين للأب وللأمّ، لا كما تقتضيه متطلبات تكوين الشخصية المتكاملة والصلبة للعيال، بل متنافسين على الصدارة في أخذ القرار الحاسم في كل كبيرة وصغيرة، ما حدا بالآباء والأمهات أن يركنوا للاستقالة.
إذن ما من شك في أنّ لنوارة، ولأمثاله من الرياضيين العرب، يدٌ في حرمان فريقه من الصدارة، لكن ما نوارة إلا عينة من الشباب العربي، الرياضي وغير الرياضي، المعتدّ إلى حدّ استقالة الكبار.
إنّ استقالة المعلّم والوليّ ومن ورائهما استقالة مدرّب الكرة ومدير المؤسسة العمومية و المسئول السياسي وغيرهم هي، في اعتقادي، استقالة الفكر العربي الإسلامي عموما. وليست الاستقالة من الوظيفة أو من المهنة أو من المنصب هي التي ستحلّ المشكلة، فهذه الأخيرة عميقة إلى حدّ الاستفحال في النسيج المجتمعي بأكمله.
أمّا ندائي فهو: ما هكذا ينال الشباب العربي الصدارة يا نوّارة، فلا بدّ أن يعود الصبيّ إلى صباه والكهل إلى كهولته والرجل إلى رجولته والمرأة إلى أنوثتها والمعلم إلى الكاريزما.
محمد الحمّار، مفكر تونسي، وباعث "الاجتهاد الثالث": الكلام إسلام
|