من أوراق الأيام

News image

الدكتاتور لا يخلق نفسه!

News image

الأفكار هل تموت؟ وما الذي يُبقي الثائر حيا؟

News image

إستمتع بوقتك!

News image

نقد: الهجرة في الأدب العربي المعاصر

News image

صخب اللغة، أو ديماغوجية الساسة

News image

نحن والتراث وأوهام إعادة بناء الهوية

News image

المثقف المغربي بين الإبداع والمؤسسة

News image

الأثر الفني وحقيقة الوجود

News image

تجليات الهم الإنساني وحكمة العجائز

News image

الظاهراتية الباشلارية، أو حيوات الصورة الشعرية

News image

حال الفلسفة الفرنسية بين "الأنا" و"العالم"

News image

اتجاهات علم النفس وما بعد الحداثة

News image

عالمية اللغة والإسلام إعلانُ عالمية العربي والمُسلم

News image

المناهج الأدبية في خدمة التنمية

مدونات عربية

حمودان عبد الواحد - أزمة الحمير PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأحد, 11 سبتمبر 2011 18:23
تقديم وترجمة وتعليق حمّودان عبدالواحد - نشرت عدة مواقع صحفية في فرنسا وفضاءات النقاش على شبكة الإنترنت، في آواخر شهر غشت ( أغسطس )2011، ومن بينها موقع ميديا بارط Mediapart، ورقة موقعة باسم شارل كونط، لكنها ترجع في الأصل حسب موقع أكورا فوكس AgoraVox إلى دنيال روم Daniel Rome ، تحمل عنوان " أزمة الحمير ". وتقدم هذه الورقة التنويرية الطريفة، على شكل حكايةٍ خاصة ب " قرية وسكانها "، أهمّ مراحل الأزمة المالية والاقتصادية التي يمرّ بها العالم اليوم. ويبدو لي أنّ هذه الحكاية مستوحاة أو لها أوجه شبه بما كان قد نشره سابقا الكاتبُ الأميركي وليام فولكنير William Faulkner بطريقة فكاهية في قصتين هما " Spotted Horses " و " Mule in the Yard " بصدد ظاهرة الإبتزاز والإنتهازية المهيمنة على العمليات المالية ...
ولعل الشيء الأهم في هذه الحكاية التنويرية الطريفة هو أنها تحاول بطريقة تربوية مبسّطة وبليغة للغاية شرحَ جذور هذه الأزمة وما يترتب عنها من تبعات اقتصادية قاسية واجتماعية مؤلمة... 
 
 
الترجمة
 
 دخل رجل يلبس ربطة عنق يوما ما إلى قرية، وهناك صعد على صندوق وبدأ يصيح بكل الناس أنه مستعدّ لدفع 100 يورو لكل من يقدم له حمارا. وعلى الرغم من إحساس القرويّين بأنه كان شيئا ما غريبا فإنّهم وجدوا الثمن المقترح محفزاً للبيع، وتعاملت مجموعة منهم معه ورجعوا إلى ديارهم فرحين مبتهجين بجيوب مليئة باليوروهات .
 لكن الرجل رجع في اليوم التالي باقتراح أكثر سخاءً : 150 يورو لكل حمار . وهنا تقدّم عدد كبير من السكان ببيع حميرهم. وفي الايام التالية، أهدى الرجل 300 يورو مقابل كل حمار، فتراكض من لم يبيعوا حميرَهم بالأمس إلى عرض آخر ما تبقى في القرية من هذا الحيوان.
 ولما تيقن رجلنا من أنّ القرية أصبحت خالية تماما من الحمير، أخبر سكانَ القرية بأنه سوف يرجع بعد أسبوع لمتابعة شراء الحمير وأنه هذه المرّة مستعدّ لِدفع 500 يورو لكلّ رأس.
 وبعد غد سَلّم ل " شريكه " قطيعَ الحمير التي اشتراها وأرسله إلي نفس القرية وأمَرَه بأن يبيع كلّ حمار ب 400 يورو. 
 أمام إمكانية كسب مائة يورو ربحا انطلاقا من الأسبوع المقبل، اشترى كلّ قروي من جديد الحمار ب 400 يورو أي بثمن أغلى بكثير من الذي باعوه به، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل قام كثيرون منهم – رغبة منهم في ربح أكبر – باللجوء إلى قروض.
 وكما كان منتظرا، فإنّ رجلَ الأعمال وشريكه ذهبا لقضاء عطلة مستحَقة في إحدى الجزر التي تعفي زبناءَها من مستودعي الأموال فيها من الضرائب، ووجد القرويّون أنفسَهم يملكون حميرًا بدون قيمة، مثقلين بالديون وحلى حافة الهاوية.
 وحاول هؤلاء الاشقياء عبثا أن يبيعوا حميرَهم لعلهم يَرُدّون ديونَهم، لكنّ أسهم الحمير في السوق كانت قد سقطت دون رجعة. فقام " المصرفي " بوضع يده على كل الحمير ثم كراها إلى مالكيها الأولين أي سكان القرية. لكنه لم يكتف بهذا، بل ذهب إلى عمدة القرية يبكي ويشتكي شارحا له أنه في حالة ما إذا لم يستطع استرجاع مصاريفه ورؤوس أمواله فإنّه سيكون مفلسا هو الآخر، لهذا يجب عليه أن يُسدّدَ له مباشرة كلّ القروض التي دفعها إلى القرويين. 
 ولكي يتفادى الكارثة، قام عمدةُ القرية بدفع المال إلى " المصرفي " – صديقه الحميم وأول مساعد له في البلدية – عوض أن يعطيه إلى سكان القرية لكي يؤدّوا ديونهم. ومع ذلك، وبعد أن أعاد الترتيبات اللازمة في خزينته، لم يُشطّب هذا المصرفي على ديون القرويين ولا على ديون الجماعة الحضرية للقرية، فاستفحلت ديونُ هؤلاء وبلغت مستوى ينذر بالخطر.
 ولما رأت بلدية القرية أنّ فاتورتها المالية على وشك التدهور وأنّ النسب المأوية لديونها في ارتفاع متزايد هائل، طلبت المساعدة من البلديات والجماعات الحضرية الأخرى المجاورة لها ، لكن هذه الأخيرة ردّت عليها بالقول أنها لا تستطيع ذلك لأنها مرّت هي الأخرى بنفس الأزمة وتعرف نفس المشاكل.
 هنا اقترح " المصرفي " حلولا للخروج من الأزمة وتبعه الجميعُ في تطبيقها فقرّروا تقليصَ المصاريف العامة : خفض ميزانية التعليم والمشاريع الاجتماعية والنقل والأمن...، وتأخير سنّ التقاعد، وحذف وظائف في المصالح العمومية، وخفض الأجور، ورفع الضرائب... وقيل لتبرير هذه السياسة التقشفية أنها ضرورية، في انتظار تحقيق وعدٍ يخصّ فحصَ تجارة الحمير اللاأخلاقية الكارثية.
 هذه الحكاية الحزينة تأخذ كل معناها حين نعرف أنّ " المصرفي " ورجلا الأعمال " الغشاشين " هم إخوة يطلق عليهم اسم " إخوة السوق " ويعيشون كلهم في جزيرة من جزر البرمود une île des Bermudes اشتروهم كما يدّعون بعرق جبينهم .
 وقد وَعَدَ كلّ واحد منهم، تعبيرًا منه عن سخاءه الكبير، أنّه سيموّل الحملة الانتخابية لعمدة قريته السابق والمرشح نفسه من جديد للفوز بها.
 غير أنّ الأهم في هذه الحكاية أنها لم تنته بعد، لماذا؟ لأنّنا لا نعرف كيف سيتصرّف سكانُ القرية ..
 وأنتم أيها القرّاء، ماذا كنتم ستفعلون لو كنتم مكان سكان هذه القرية؟ أو بالأحرى ماذا ستفعلون الآن؟
 
التعليق
 
 مما لا شك فيه أنّ هذه الحكاية - التي هي من نسيج الخيال الواقعي الغربي – ترى الأزمة المالية ومشكلة الديون التي مزقت عدداً كبيراً من الأسر وخرّبت الملايين من البيوت من زاوية خاصة، صحيحة بالتأكيد، لكنّها زاوية واحدة، ضيقة وغير شاملة، وإذن غير كافية لشرح حيثيات وجذور الأزمة . لهذا يحسن بنا معالجتها انطلاقا أيضا من أسباب أخرى تأتي على رأسها – في نظري - الحروب وتكاليفها والأغراض منها. بطريقة أخرى لا بدّ لكلّ من أراد أن يعرف حقيقة الأزمة المهدّدة لمستقبل الإنسان من طرح الاسئلة التالية : هل من علاقة بين الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وبين الحروب التي تقودها القوى العظمى الغربية في بلاد العرب والمسلمين؟ هل من تأثير لمصاريف الحروب على ميزانيات الدول وسياسات التقشف الاجتماعي المفروضة على الشعوب التي أعلنت أكثر من مرّة وفي بقع مختلفة من العالم الغربي رفضها للتدخل العسكري لحكوماتها في الشؤون الداخلية لدول أخرى؟ هل من علاقة مباشرة أو غير مباشرة بين هذه الأزمة وبين الثورات العربية؟ وما ذنب الشعوب العربية والإسلامية، والإفريقية والأسيوية ...، في هذه الأزمة، وهم الذين ذاقوا منذ زمن طويل وحقب وقرون عديدة، وما زالوا يذوقون أكثر ممّا مضى ( الصومال مثلا ) مرارة كلّ أنواع الأزمات، ليس فقط الأزمة المالية والإقتصادية، بل الأدهى والأمرّ أي أزمة حقوق الإنسان والهوية الإنسانية عموماً.
 قرّرت حكوماتُ العالم وهيئاتُ المؤسسات الدولية والشركات الصناعية الكبرى وأصحابُ النفوذ والقرارات في الاسواق والبورصات والأبناك الدولية، أن تكون الكلمة الأولى والأخيرة في مواجهة مطالب شعوبهم ليس للسياسة في معناها الإنساني النبيل - الذي يسعى دائما إلى تقليص الهوّة بين الأغنياء والفقراء، ومحاربة الفساد والظلم، وحماية المواطن الضعيف - ولا للقانون والقيم الخلقية العليا، بل للقوّة والمال والإنتاجية والإستهلاك ... وقرّر كلّ هؤلاء فرضَ حلولٍ لأزمات العالم العربي والإسلامي تحت غطاء الدفاع عن القيم الديمقراطية والسلام العالمي بما يضمن استمرارَ وانتعاشَ " شركات تصنيع الاسلحة الكبرى " التي تقتات لوبياتُها من الحروب وتتغدّى بموت الآخرين وتتقوى بالآلام الطويلة التي تنخر كيانهم النفسي والاجتماعي.
 كيفما كان الحال، تعبّر الورقة التي بين أيدينا عن صرخة إنسانية عميقة وقوية، صرخة الشعوب المستغلة والمهانة في ظل نظام رأسمالي جشع لا يعبأ بالمبادىء الخلقية وحقوق الإنسان... ولا يهمّه إلا الربح حتى ولو كان على حساب حرية وكرامة المجتمعات الانسانية واستقرارها ... 
 هل سيصل ذويّ هذه الصرخة وصداها إلى عمق الأرواح الساخطة الناقمة، الرافضة للذل والهوان، الحريصة على كرامتها، التوّاقة إلى العدل، الباحثة عن السعادة، والتي لم تقطع بعدُ أملها في الإنسان الحامل مشعلَ الخير والنور؟ 
 هذا ما تطمح إلى تحقيقه كل المواقع وصفحات الفيسبوك التي دعت الفرنسيّين وغيرهم إلى الالتقاء في ساحة القرية ( في باريس وبروكسيل وأثينا وأمستردام ومدريد ولشبونة و... )، وطلبت من كل من قرأ حكاية هذه القرية - أي حكايتنا وحكاية عولمتنا الانتهازية والمتأزمة البئيسة - أن يوصلها إلى الآخرين ويخبر جيرانه بمحتواها. وقد حُدّدَ تاريخُ 15 أكتوبر ك " يوم وطني للمستنكرين والمندّدين " في كل أوروبا ... لكن منذ متى كان بإمكان هذه القارة أن تبقى في معزل عن العالم؟
 
حمّودان عبدالواحد، كاتب عربي يقطن بفرنسا
 

المزيد من مجتمع

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب