|
الأحد, 25 سبتمبر 2011 19:34 |

في العاصمة القطرية (الدوحة) وعلى هامش المنتدى الاعلامي السادس لقناة الجزيرة الفضائية التقيت، عرضا، بالمخرجة الايطالية الدكتورة (...)، فقلت لها: هاي، قالت بانكليزية ركيكة ممزوجة باللكنة الصقلية: (what kind of hi you mean, hi bat or hi beat)، فقلت: ولماذا هذا السؤال الغريب؟!، قالت: لأن الهاي عندكم في العراق تحمل معنى مغايرا لما هو متعارف عليه عالميا، وذات طابع عدواني في أغلب الاحيان، فالهاي باط تعني عندكم -بحسب ما تناهى الى علمي- الصفع واللكم من اعلى الى اسفل، في حين ان الهاي بيط تعني اللكم والصفع من اسفل الى اعلى، فهل هذا صحيح؟!، اطرقت رأسي قليلا وتزاحمت الافكار السوداوية في ذهني مصحوبة بـ-الجالي- في معدتي، فأستاذة مرموقة مثلها تحضر بحثا لما بعد الدكتوراه، كنت اظنها ستسألني عن آثار بابل ومسلة حمورابي والجنائن المعلقة.. عن الحضارات السومرية والاكدية والاشورية وعن الكتابة المسمارية.. عن مدرستي البصرة والكوفة النحويتين وعن المدرسة المستنصرية والمدرسة النظامية.. عن دار الحكمة وعن الغزالي وابن القف، وابن البيطار، والزهراوي، وابن الهيثم، والرازي، وابن سينا.. عن المتنبي، والمعري، والشريف الرضي، والرصافي، والجواهري، والاعظمي، والسياب.. عن فائق حسن، وحافظ الدروبي، عن ابن مقلة، وهاشم الخطاط.. عن سامي الشيخلي، وعباس الهنداوي، وعلي الكيار، وعمو بابا.. عن عبدالعزيز الدوري، وفاضل السامرائي، وعدنان عيدان.. عن جيش العراق الباسل وملاحمه الخالدة التي بذل فيها الغالي والنفيس ذودا عن حياض الامة في 48 و67 و73، وغيرها من وقفات العراق المشرفة على المستويين العربي والاقليمي مما ستذكره الاجيال بكل فخر على مر العصور.
لا اكتمكم سرا لقد حرك سؤالها في نفسي شيئا، حيث وجدت ان -الهيبطة على وزن فعلل- عندنا لا ترقى الى ان تكون فنا قتاليا ذا تكنيك وتكتيك شأنه شأن الفنون القتالية التي مكنت كوريا واليابان والصين من الانتشار ومن التوسع جيوبوليتكيا من خلال الكراتيه والكونغ فو، والتايكواندو، والتاي بوكسنك، بعد ان تبنتها هوليوود كمادة خام للترويج لعشرات الافلام التي تنتجها سنويا، وانما الهيبطة عندنا فوضوية يعانيها العراقي منذ نعومة اظفاره والى ان يوارى الثرى، فالابوان يمارسانها بحق ابنائهم في كل وقت وحين، من دون مراعاة لمشاعرهم واحاسيسهم المرهفة، ما ينعكس على نفسياتهم سلبا عند الكبر، ويمارسها الكبار ضد الصغار، والمعلمون والمعلمات بحق الاولاد والبنات، والتلاميذ المشاكسون بحق التلاميذ الانطوائيين، ورجال الامن والاستخبارات والمخابرات والجيش والشرطة بحق الكسبة والفقراء والمساكين واصحاب -الجنابر-، واذكر وبصفتي -جنبرمان متقاعد على وزن سوبرمان وسبايدرمان وباتمان مع الفارق- كان يبيع كتبه الشخصية على قارعة الطرق اننا كنا نتعرض الى هجوم فجائي من دوريات امانة العاصمة التي اعتبرتنا وباء يجب القضاء عليه حفاظا على هوية العاصمة، غاضين الطرف عن جبال من النفايات والاوساخ، التي تغص بها الاحياء السكنية في طول العاصمة وعرضها.
في كتابه (مخاطر العولمة) يستعرض روبرت اسحاق نظام الطبقات الهندوسي في المجتمع الهندي حيث يقسم المجتمع الى اربع فئات هي البراهمة، وفئة المحاربين، وفئة التجار، وفئة الشودرا أو العمال، وهناك فئة خارج اطار الطبقات يسمونها -المنبوذون- وعددهم يربو على 250 مليون، ومهمتهم تنظيف المرافق الصحية ورفع الازبال ويحرم تعليمهم ورعايتهم صحيا واجتماعيا وتربويا، ويزعم روبرت اسحاق ان هذا النظام حكر على المجتمع الهندي، في حين ان الشعب العراقي يعيش نظام الطبقات بكل ما يحمل من عنصرية وقسوة وغياب لأدنى مبادئ حقوق الانسان، فهناك طبقة السياسيين والدبلوماسيين وهم علية القوم، تليها طبقة رجال الاعمال والتجار واصحاب رؤوس الاموال، ثم طبقة المحسوبين على التيارات والكتل المتناحرة في ما بينها، وخارج اطار هذه الطبقات تأتي طبقة الشعب التي تقول الاحصائيات الاخيرة انها وصلت الى 30 مليونا، 29 مليوناً منهم هم من المنبوذين ممن تقع عليهم ثقل الهيبطة ومأساتها.
بعثت برسالة عبر البريد الالكتروني الى الدكتورة الايطالية قلت لها (ارجو تصحيح مفهوم الهاي باط والهاي بيط لديك لانها لم تعد تعني الصفع من اعلى الى اسفل وبالعكس بل اضيفت اليه معان جديدة الا وهي قمع المتظاهرين المطالبين بالاصلاح والتغيير في ساحة التحرير، وعمليات الدهم الليلية ومن دون أذون قضائية، وانتهاك حقوق الانسان في السجون، التي تبدأ بالهاي بيط التقليدية التي تعرفينها وتنتهي بهاي باط جديدة عليك، لعل الصعق بالكهرباء وخلع الاكتاف وقلع الأظفار بل وحتى الاغتصاب، تمثل أقل صورها، شكرا لاهتمامك بالجانب المظلم من الحياة العراقية الاجتماعية، وعذرا لانني خلعت ثوبي الاصيل بآخر دخيل واستبدلت -السلام عليكم -بهاي تغريبية فتحت عليّ بابا لم يكن بالحسبان).
|