من أوراق الأيام

News image

صناعة اللّحوم، كيف تحولت الى أداة للتخريب؟

News image

في الأزمات الإقتصادية، مَنْ يُنفق على مَنْ؟

News image

الدول النامية تخسر اقتصاديات الدواء

News image

المظاهر السياسية للاقتصاد الريعي

News image

المشاريع الضائعة، وعدم التهاون

News image

كيف انتهى مصير الفلاحة في ظل العولمة؟

News image

لماذا لا نطلب الاقتصاد.. ولو كان في الصين؟

News image

يوجد غذاء بوفرة، فلماذا يوجد جياع؟

News image

مناجم الشمس.. ثروة إلى يوم القيامة

News image

ما السبيل الى إطعام العالم دون الإضرار به؟

News image

كيف أصبحت الثروة السمكيّة في العالم مهدّدة بالانقراض؟

News image

من يقف وراء تدهور اقتصاد الزراعة في العالم؟

News image

خرائط وحروب المياه الإسرائيلية القادمة

News image

الدولار، نهاية اسطورة عمّرت ستة عقود

شيماء الصراف: الحوادث وتشويه التاريخ PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأحد, 20 نوفمبر 2011 00:10

كنت أكتب عن نظرة الفقهاء إلى الغناء. اخترت ثلاثة من بينهم الإمام أبو حنيفة. ثمّ ارتأيت أن أحلّ محلّه الإمام مالك لأنّه أوفى بالغرض ولأن خبرأبو حنيفة يشمل أكثر من أمر. الغناء من جملته. ولكني اخترت أن اجعله مقالة أضعها لوحدها. وسيأتي بيان سبب ذلك. الخبر مشهور يرد في الكثير من كتب التاريخ في سيرة الإمام أبو حنيفة. اضع سبعة مصادر/أمثلة فقط فهي كافيّة.
لأبي حنيفة جار من الكيّالين أو هو إسكافي. وعند التنّوخي والأصبهاني مهنته الغناء. الصيمري لا يذكر مهنته في إحدى الروايتين وفي الأخرى إسكافي. تتفق الروايات التي ذكرت أن الجار كيّال أو اسكاف. يرجع ليلاً بعد انتهاء عمله الذي يستغرق نهاره أجمع. ومعه لحماً فيطبخه أو سمكة يشويها يأكل ثم يشرب. حتى إذا دبّ الشراب فيه يغنّي ببيت الشعر :
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر. البيت للشاعر العّرجي *
الرجل يفخر بنفسه في مديح عظيم لها فهو المؤهّل لتحمّل البلاوى أيّاً كان مصدرها ونجدة الناس وتخليصهم منها. وبالأخص الدفاع عن الثغور. المواطن الضعيفة التي يمكن أن يهاجِم الأعداء منها. ولكن وأسفاه لا يعرف الناس قدره. فلا يزال يشرب ويردِّد حتى يأخذه النوم. كان الإمام أبو حنيفة يصلّي الليل كلّه ويسمع جلبته (الجَلبة هي الخليط من الأصوات) من تهيئة الطعام والشراب والغناء...
في ليلة افتقد الإمام صوت جاره واستوحشه. سأل عنه في الصباح فأُخبر أن العسس ( مفردها عاس. وهم حرّاس الليل لحفظ أمن الطرق) قد أخذوه. في الحال يذهب الإمام إلى أمير الكوفة ويكلّمه في أمر الجار فيـطلق سراحه.
يقول الإمام لجاره : هل أضعناك يافتى؟ يعرِّض له بشعره. يجيب الرجل : لا والله. ولكنك بررت وحفِظت.
الحكاية تُذكر للتدليل على حسن سلوك الإمام مع جيرانه. إنها تطبيق لأمور عدّة جاءت بها الشريعة :
ـ في السنّة حديث : " مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه". فكأن الجيرة لقوّتها وأهميّتها. تخلق روابط رحم تترتّب عليها حقوق في الأرث.
ـ الجار يعمل بـ :" إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا" وهو نهي واضح بعدم فضح الشخص لنفسه. والرجل يشرب في بيته. المجاهرة بالمعصية هو استهتار بها ومن ثم تحريض عليها. هذا فيما يخص الفاعل . وفيما يخص الآخرين أيّاً كانت صفتهم. فيلتزمون بعدم التجسّس على الغير. ومن ثمّ فواجبهم الإغضاء والستر. وبعد. فإن المعصية تضع العبد في مواجهة الرب. وهناك التوبة والإستغفار ومن هنا كان وجوب الستر. وليس هنا مجال الحديث عن هذا الأمر. فقط وجبت الإشارة.
ـ وفيما يخص العسس بالذات فلا يحق ّ لهم على الإطلاق دخول بيوت الناس بدون إذن. أخذاً بالظن والشبهة. في الرواية ان العسس قبضوا على الجار. وهذا حدث في الطريق خارج بيته. وهذا يـُفسِّر الرواية التي تفرّد بها الصيمري في أنّ "الجار كان يشرب في الحانة " ثم يرجع إلى بيته فيتغنّى. كذلك من قال من المؤرِّخين ان مهنة الجارمغنّي ذكر أنه يرجع إلى بيته وقد أخذ منه الشراب فيغنّي في غرفته. ويبدو انه قد بدرت منه مرّة. وهو في طريق الرجعة. أمور كالصياح.. فضحته وجعلت العسس يمسكونه.
ـ لا سلطة للفقيه بمعنى التقيّد بفتاواه. هذا يعني انها ليست مُلزِمة على الإطلاق. الغناء مكروه فقهاً عند الإمام أبو حنيفة وهذا رأي غير ملزِم إطلاقاً.
 وبعد. فالشعر الذي يغنّيه الجار. إن كان كيّالاً. إسكافيّاً. مغنّياً. يُعبِّرعن أمانيّ وأحلام لم ولن تتحقّق وليس فيه ما يخدش السمع من قبيح الكلام أو تعرّض للمحرّمات.
خبر الإمام أبو حنيفة مع جاره أورده المؤرّخون بإسلوب تقريري صرف. إنه خال من أي صفة إطلاقاً من ذم أو مديح أو عبارة نستشف منها ذلك. هذا هو دأبهم. وإن كنا نقرأـ وهو أمر نادر جدّاً ـ استيائاً أو حتى لعناً فلأن هناك شبه إجماع على سوء السلوك أو الفتن المـُثارة التي سبّبها شخص أو جماعة وما فيها من اضرار لناس الأمّة والمجتمع.
حادثة الإمام احفظها منذ سنين فقد وردت بها عبارة :" وكان أبو حنيفة قليلاً ما يأتي الملوك" التي ضمّنتها مقالة كنت قد كتبتها. مع ذلك حين اقتضت الضرورة ذهب بنفسه إلى الأمير ليطلق جاره.
بيت الشعر الذي يتغنّى به جار الإمام مستعمل عند العديد من الكتّاب الإسلاميين الذين يتحدّثون عن وجوب حسن صحبة الجار ويضربون المثل بسلوك الإمام أبو حنيفة بالذات. الحادثة شُوِّهت باختلاق أمور :
نسأل
أكان يجب تحوير الحادثة كما يشتهون؟ ولماذا؟
أكان يجب تشويه الحادثة للتعظيم من حسن اخلاق الإمام؟
قالوا وكتبوا في العديد من المواقع :
ـ له جار فاسق سكِّير عوّاد (يضرب على آلة العود) مغنّ. فإذا جنّ الليل أقبل على لهوه ولعبه وكان إذا كثر صياحه غنّى...
ـ فإذا سكر هذى وأخذ يغنّي.
ـ عربيد يسكر ويغنّي ويرقص ويدبك في الليل.
ـ له (للإمام) جار مغنّ أزعجه إزعاجاً لا حدود له
ـ يسيئ إليه (الى ابي حنيفة) كل يوم في بيته.
ـأبو حنيفة يسمع كل يوم جلبته ويصبر.
ـ ورد عنوان الحادثة كتابة أو قولاً : الصبر على أذى الجار
نردّ
ـ لم ترد هذه الصفات إطلاقاً في كلام المؤرِّخين.
ـ في كتب التراث السبعة التي استشهدت بها لم يكن هناك ذكر لآلة العود.
ـ كلمة دبْكة. يدبك. تدبك..وهو نوع من الرقص لا توجد في أي مصدر. فهي مُحدثة ولا توجد في لسان العرب ولا في القاموس.
ـ لم يكن أبو حنيفة منزعجاً على الإطلاق. بل العكس من ذلك تماماً إنه يفتقد جَلَـبَة وغناء جاره ويستوحشه كما أورد المؤرِّخون.والجلبة ـ كما ورد في المعاجم ـ هي الخليط من الأصوات. وليس لها معنى سيّئاً أبدا. والإمام كما يذكر الأصفهاني. قال للأمير حين دخل عليه :" إن لي جاراً أخذه عَسسُك البارحة فحـُبس. وما علمت منه إلاّ خيراً".وفي رواية القاضي التنوخي كذلك في رواية الأصفهاني أن الإمام كان يسمع غناء جاره " فيعجبه ".
ـ مايترتّب على الفقرة السابقة وكما ذكر القاضي التنوخي كذلك الأصفهاني أن الإمام سأل جاره بعد اخراجه من الحبس : ألست كنت تغنّي يافتى كل ليلة :" أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا" فهل أضعناك؟ فيرد عليه بالنفي ويقول : ولكن أحسنت وتكرّمت. أحسن الله جزاءك. يقول له أبو حنيفة : "فعد إلى ماكنت تغنّيه‘ فإني آنس به ولم أر به بأساً" **. عبارة الإمام تؤكِّد على أن الكلام المـُغنّى إن كان لا يحرِّض على سوء فهو مرحّب به.
ـ أن العسس هجموا على الجار في بيته وقبضوا عليه. لم يرد هذا الكلام في أي مصدر. فلبيوت الناس حرمة لا يُعتدى عليها.
نسأل : إن كانوا بهذه البساطة لا يتورّعون عن تحوير حوادث التاريخ. والتعدّي على المؤرِّخين بتشويه كتاباتهم فكيف لهم أن يطرحوا أنفسهم كأمثلة صالحة للإتّباع.
*عبد الله بن عمر العَرْجي. شاعر من الأدباء الظرفاء الأسخياء. ومن الفرسان المعدودين. ت نحو 120 هـ / نحو 738 م
** في "وفيات الأعيان". الرواية تنتهي بـ " ثم تاب الرجل ولم يعد إلى ماكان عليه".وفي "ثمرات الأوراق" تنتهي الرواية بـ " تاب عن شرب الخمر".

شيماء الصراف، كاتبة وباحثة عراقية

المصادر
ـ أخبار أبي حنيفة وأصحابه. الفقيه القاضي حسين بن علي الصَّيـْمري. ت 436 هـ / 1045 م
ـ الأغاني. ابو الفرج الأصبهاني (علي بن الحسين الأموي القرشي) من أئمّة الأدب. من أكابر العلماء في التاريخ واللغة. ت 356 /967 م
ـ تاريخ بغداد. الحافظ المؤرِّخ أحمد بن علي الخطيب البغدادي ت 463 هـ/1072 م
ـ ثمرات الأوراق. ابن حِجَّة الحموي. من أئمّة الأدب. مؤرِّخ. شاعر ت 837 هـ/1433 م
ـ العقد الفريد. ابن عبد ربه الأندلسي. الأديب. الشاعر. المؤرِّخ. ت 328هـ/940 م
ـ المـُستجاد من أفعال الأجواد. المحسن بن علي التـَّنُوخي. قاض. من العلماء الأدباء الشعراء. ت 384/ 994
ـ وفيات الأعيان. ابن خلِّكان احمد بن محمد. المؤرّخ الأديب. ت681 هـ/1282 م
ـ الأعلام للزركلي
ـ لسان العرب. ابن منظور
ـ القاموس المحيط. الفيروزآبادي
 

 

المزيد من مجتمع

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب