|
الأحد, 20 نوفمبر 2011 22:00 |
قرات في احد المقالات رسالة لإمرأة تقول فيها انها تخرجت من قسم الكيمياء منذ ستة سنوات ونفذ صبرها نتيجة عدم الحصول على وظيفة، وتنتظر نصيبها في الزواج، ولكنني اقف عند عبارة استوقفتني في الرسالة وهي "تتوافر لي ولغيري من البنات كل مقومات الانحراف، وهو الخيار الوحيد والتسلية الوحيدة التي امامنا، ولكن تردني معرفة الله وحب الوالدين" وفي جزء آخر من الرسالة تقول "ففي النهاية نحن بشر ويعترينا الضعف ولحظة الضعف تهد الجبال".
والمجتمع يترك تلك القضايا الكبرى التي تعاني منها المرأة السعودية، وينشغل بالسجال حول قيادة المرأة للسيارة الى حد رمي مخالفيهم بالملحدين والمنافقين، او سجال آخر حول كشف وجه المرأ مغفلين القضايا الرئيسية التي تواجة المرأة السعودية.
فالمرأة في مجتمعنا لم ترعى الرعاية المناسبة وما طرأ على الساحة من متغيرات، فاصبحت مهمشة بل وقسي عليها واصبحت تعاني ما تعانيه من ظروف قاسية.
فالمرأة السعودية بين مطالب التغريب لتكون على شاكلة المرأة الغربية التي فقدت حياءها وقيمها باسم الحرية، والمرأة المحجور عليها نتيجة قيود اجتماعية فرضت عليها منذ زمن.
رغم ان الاسلام اعطى المرأة المسلمة في زمن هضم حق غيرها من النساء. فالرسول صلى الله عليه وسلم تزوج من السيدة خديجة بنت خويلد وهي تاجرة وصاحبة مال، بل اتجر في مالها قبل ان يتزوجها، ولم يصادر مالها بعد ان تزوجها، ولم يمنعها من الاستمرار في مزاولة تجارتها، وهل هناك اكثر مكانة من زوجه السيدة عائشة رضي الله عنها اي انها كانت المرجع الديني لكبار الصحابة بما فيها الفتوى ، ولم يتردد صلى الله عليه وسلم في الاخذ بمشورة زوجه ام سلمة بالمبادرة الى الحلق ليتبعه الصحابة المتضجرين من شروط صلح الحديبية. والكثير من العلماء تلقوا العلم عن شيخات، مثل تلقي ابن تيمية من فاطمة بنت ابي القاسم، ومن زينب بنت مكي، ومن زينب بنت احمد.
فالاسلام لم يحجر على المرأة المسلمة بل ساواها بالرجل في كل الجوانب، بل ان رجاحة عقل المرأة يعلو رجاحة عقل بعض الرجال، لذلك لم يفرض الاسلام قوامة للرجل على عقل المرأة خصوصا في الرأي والمشورة والعلم. فام سلمة انقذت موقف كامل للمسلمين من ازمة بعدما امتنع الصحابة عن النحر والحلق رغم انه كررها ثلاثا. ووقفت امرأة لعمر بن الخطاب حينما اراد تحديد المهور وذكرته بالاية الكريمة ( اذا آتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا اتأخذونه بهتانا واثما عظيما ) فتراجع عمر وقال اصابت امرأة واخطأ عمر. فللمرأة استقلاليتها في التفكير والرأي والعلم ولها الحق في تقديم المشورة مثلها مثل الرجل، فهي ذات اهلية كاملة، ولها الحق في تبوأ المكانة على الرجال اذا كانت مستحقة لهذه المكانة، ما عدا الولاية الكبرى ولكن هناك اراء اخرى حول هذه الولاية واذا ما تولتها فلا تنازع عليها خوفا من الفتنة ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) فلا توجد خصوصية للرجل على المرأة هنا في هذه الاية بل ان مسؤولية المرأة تتساوى مع مسؤولية الرجل.
فاذا كان الغرب نزع حياء المرأة باسم الحرية، فنحن نزعنا الحقوق التي اعطاها الاسلام باسم القيود الاجتماعية، حتى اصبحت المرأة ضجة كبرى مفتعلة بين ايدي جاهلين بروح الاسلام وبين ايدي متحاملين على الاسلام يريدون ان ينالو من الاسلام عن طريق المرأة.
فالمرأة كاملة التكوين والاهلية ومن حقها التكسب والارتزاق مثلها مثل الرجل ( ووجد من دونهما امرأتين تزودان قال ما خطبكما قالتا لانسقي حتى يصدر الرعاء وابونا شيخ كبير فسقى لهما ) بل وتمكين المرأة من الاكتساب والنساء بحاجة الى التكسب والارتزاق نتيجة الظروف المستجدة التي تمر بها مثل هاتين المرأتين ابنتي الرجل الصالح. و اين هؤلاء من كتاب الله ( فجاءته احداهما تمشي على استحياء قالت ان ابي يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت لنا ) فالقيود الاجتماعية تمنع تعريض النساء للزواج من الرجال الصالحين او مجرد مقابلتهم جريمة اجتماعية ما انزل الله بها من سلطان.
فلماذا لا نحرر المرأة من القيود الاجتماعية التي فرضت عليها نتيجة ظروف معينة لا تتلاءم مع الظروف الحالية التي يعيشها العالم ونصونها من الانحراف. فلا نجعل القوامة المطلقة عقبة امام تذليل تلك العقبات، وكفانا ان نرد لها الحقوق التي اعطاها الاسلام ونسمح لها بحق العمل والمشاركة في التنمية كما للرجل بما يتناسب مع انوثتها، وهي جديرة بان تحافظ على نفسها ودينها وقيمها وتدافع عن حقوقها دون وصاية مثلما دافعت خويلة بنت ثعلبة عن حقها ضد زوجها اوس بن الصامت الذي ارادها عن نفسها عنوة فامتنعت بعدما ان قال لها انت علي كظهر امي حينها ذهبت تشتكي الى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن كان موقف الرسول المحافظ على الاسرة، فنزل فيها قرآنا يعاتب الرسول صلى الله عليه وسلم دفاعا عن حق خويلة بن ثعلبة في الشكوى ضد زوجها (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى الله والله يسمع تحاوركما).
فالرجل قوام على اهل بيته وهو تكليف وليس تشريف اختصها الله بالرجال دون النساء بحسب تكوينهم الجسماني والتفرغ للعمل من اجل الانفاق لانه لم يفرض العمل على المرأة كما فرضه على الرجل ولكنه لم يحرمها من العمل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا تمنعوا اماء الله المساجد) لان رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم الى المرأة بانهن شقائق الرجال أي نصف المجتمع فلا يمكن حرمانها من حقوقها تحت أي ذريعة او حجة بان الغرب يريد تحرير المرأة المسلمة على غرار المرأة الغربية. فالقوامة مقيدة وليست مطلقة، فلا قوامة او وصاية على عقل المرأة.
ولكن يحرص الاسلام اشد الحرص على تماسك روابط الاسرة، لذلك كان يقول (خيركم خيرهم لاهله وانا خيركم لاهلي)، وفي المقابل كان يطلب من الزوجة طاعة زوجها حفاظا على روابط الاسرة وكان يقول (اذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، واطاعت زوجها، قيل لها ادخلي الجنة من اي الابواب شئت)، لان الاسرة اللبنة الاساسية في المجتمع ونواته اذا صلحت صلح المجتمع واذا فسدت فسد المجتمع.
اعود الى الجزء الاخير من رسالة القارئة التي تقول فيها (ففي النهاية نحن بشر ويعترينا الضعف، ولحظة الضعف تهدد الجبال) هذه العبارة التي تهد النفوس، وتذكرني بمقالة قالتها امرأة حينما كان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب يتفقد احوال رعيته ليلا وسمع من احدى النساء مقالة تقول فيها (لولا مخافة الله لاهتز من هذا السرير جوانبه) فرجع سيدنا عمر الى ابنته السيدة حفصه يسألها عن صبر المرأة عن زوجها فقالت له ثلاثة اشهر، حينها امر الجند الا يمكثوا على الثغور اكثر من ثلاثة اشهر ويرجعوا الى اهليهم. وكان السلف الصالح لايتحرج في عرض بناتهم على الصالحين منهم، فالسلف الصالح ادرك حق المرأة ومكنها من اخذ حقها، بينما نحن ضيقنا على المرأة تارة بحجة القيود الاجتماعية المحكومة بقيود دينية كحراسة الفضيلة والاخذ بالاحوط وتحريم الاختلاط لم تثبت فيها نصوص صريحة وانما هي اجتهادات شاذة غير معتبرة، وتارة باسم القوامة حتى تجاوزنا الحدود الشرعية بتلك الحجج وجعلنا من القوامة المقيدة الى قوامة مطلقة بل ومفرطة حتى تحولت القوامة من دور او من توزيع الادوار بين الاسرة الىسلطة مطلقة انقصت من اهلية المرأة ومكانتها وجعلتها تابعا لامستقلا واهملت قضاياها الكبرى وتم التغاضي عنها.
د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب، استاذ في جامعة مكة المكرمة
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
|