|
السبت, 26 نوفمبر 2011 15:27 |
يعد المعلم ركيزة أساسية من ركائز العملية التعليمية؛ فهو من ينقل المعارف والمعلومات والخبرات للمتعلمين، ويساعدهم على اكتساب أنماط التفكير المختلفة. فالمعلم الأمين هو الذي يسعى إلى تحقيق الأهداف التربوية التي تُحدث تغييرات مرغوبة في سلوك المتعلمين؛ ولذلك يجب ألا تقتصر مهامه على نقل المعرفة وإيصال المعلومات لطلابه، بل تتعداها إلى اجتهاده في اكتشاف مواهبهم، والتعامل مع رغباتهم وتنمية قدراتهم، ثم دعم استقلاليتهم من أجل تقوية شخصيتهم.
إن تلبية متطلبات هذا النهج في التدريس تحتاج إلى تَنوع في التدريب، كي تُصبح العملية التعليمية نشطة وفعَّالة تدعم مبدأ الكفاءات الفردية، فيكون المتعلم في صلب العملية التعليمية، وله دور فعَّال ومستقل، ومسؤول عن التقدم الذي يحرزه. هذا الأسلوب في التعليم يتطلب جملة تدابير وأنشطة، أهمها اعتماد إجراءات تربوية توجه المتعلمين نحو أداء المهام باستخدام أدوات تقنية، الهدف منها تطبيق مبدأ "التدريب من أجل الحياة"، هذا المبدأ الذي حددته اللجنة الدولية المعنية بالتربية في القرن الواحد والعشرين، يتناول علاقة الإنسان مع نفسه ومحيطه، وذلك على النحو الآتي: "الإنسان يتكون، كيف يتم تكوينه، كيف هو، كيف يعيش مع الآخرين، كيف سيتم ذلك." ولإنجاح أي برنامج من هذا النوع لابد من إتباع سياسة تعليمية تأخذ في اعتبارها حاجات المتعلمين، وخبرة الموجهين، وملاحظات المعلمين، وتعاون الفنيين، وآراء الوالدين.
وعلى الرغم من الاختلافات الثقافية والاجتماعية والأنماط الحياتية بين المجتمعات، إلا أن علماء التربية متفقون حول بعض الصفات والمقومات التي يجب أن تتوفر في المعلم كي تعينه على القيام بدور فعال وبصورة أفضل، ومن هذه المقومات ما يتعلق بالشخصية ومنها ما يتعلق بالجانب المهني.
الأمر الذي يفرض على كل من يتقدم لمهنة التعليم، أن يخضع لاختبار مدروس وفق معايير شخصية ومهنية محددة؛ ثم التركيز على عملية إعداده بشكل جيد وفق هذه المقومات؛ ولتحقيق نتائج أفضل بعد تخرجه، لابد من منحه حقوقه كاملة وأهمها معادلة مرتبه بمستوى معيشته، التي يجب أن تضمن له حياة كريمة تغنيه عن ممارسة وظائف أخرى، قد تؤثر على مهنته؛ عندها فقط يمكن الاعتماد عليه ـ من خلال مدرسته ـ في إحداث أثر إيجابي ينعكس على مخرجاته وبالتالي مجتمعه، فتتقدم الدولة بسواعد أبنائها.
ولكن السؤال: هل مُنح المعلم حقوقه كي يقوم بهذه الواجبات؟ الجواب من وجهة نظري (لا). لأن الدولة وهي المسؤولة عن وضع خطط طموحة تسعى لتحقيقها من خلال التعليم، هي نفسها من تجاهلت متطلبات نجاح بلوغ أهدافها، ومن بينها المعلم أداة تنفيذها.
ولذلك، نعتقد بأن المعلم ضحية نقص في الإعداد وهو مسؤولية التعليم[ ]، وقصور في المناهج وهو مسؤولية التعليم، ووقت لا يكفي وهو مسؤولية التعليم[ ]، ودورات تقوية لا تحقق أهدافها وهي مسؤولية التعليم[ ]، والعوز وهو مسؤولية التعليم، وسوء تخطيط في غياب البحث العلمي وهو مسؤولية التعليم، وعدم استقرار في النظام التعليمي وهو مسؤولية التعليم.
يحدث كل هذا في وسطٍ تعليمي مهمل، أقل ما يقال فيه أنه تفرّد به من قبل مدراء تنقص بعضهم الكفاءة ناهيك عن التخصص، خلفية وجودهم هو الولاء بدافع الاستفادة من منصب متشبثين به إلى حدٍ يندى له الجبين. فمارسوا التسلط بقرارات سادية تنقصها الحكمة وأصول الدراسة. الوضع الذي يستلزم وقفة جادة من مسؤولي التعليم الجدد، لمراجعة سلامة شغل الوظائف؛ فيكون الإنسان الكفء بالمكان المناسب، وهذا يتم وفقاً لما شاهدناه، على الأقل في دولة متقدمة، بإجراء مسابقات ضمن معايير معينة، يتقدم لها أصحاب التخصص والخبرة، فيفوز الأصلح، وبهذا يكون المكلف محترماً من بين زملائه لأنه أقدرهم.
ولا شك بأن النتائج غير المرغوب بها التي أدت لتدني مستوى التعليم، هي انعكاسٌ لسياساتٍ تعليميةٍ فاشلة، همشت المعلمين، بحرمانهم من أي دور يتعلق بقرارات تخص مهنتهم. فعبروا عن رفضهم لهذه السياسات، كلما وجدوا مساحة للتعبير. وهذه إحداهن تقول في تعليقٍ لها: ﴿يا سيدي المدرس في بلدي آخر من يعلم بأي سياسة تعدّ وتقرّ، وهو ملزم بتنفيذها وبدون نقاش وإلا كيف تفسر النصاب القانوني للحصص الأسبوعية وتدريس أكثر من منهج ويطلب منه التفاعل ومراعاة الفروق الفردية ونشاط مصاحب لأي مادة وتطبيق عدة طرق واستراتيجيات تدريسية حديثة مقابل عدم النظر لمتطلبات حياته لمعيشته ومشاكله العائلية؟ الأمر الذي يحوله من مدرس في الفترة الصباحية أو المسائية إلى سائق تاكسي أو ركوبة عامة ومدرسة خصوصية أو موظفة في إحدى الشركات في الفترة الأخرى؟ زد على ذلك مشاكل التسكين التي عمت على المدارس فقط دون إدارات التعليم الأخرى. سيدي الكلام زايد ناقص لأنه يأتي من ناس ماسكة مكاتب وبدون مشاكل معيشية والله اعلم والمرتاح لا يعلم بأي حال يكون المدرس!﴾.
وتضيف أخرى بلهجة عامية : (المدير الباين مش فاضي لتسير المدرسة كل ما يهمه هو قفل الإدارة والخروج للعمل على سيارته الأجرة التي يركنها بالمدرسة المجاورة الساعة عشرة وعينك ما تشوف إلا النور.. أليس من حقنا ان نناقشه فيما يخص العملية التعليمية ابسط الأشياء الخطاط الخاص بالكتابة يقول لنا اشروه من برة هل سأل المخازن وبلغوه بعدم توفره على كل حال اسفة للتطويل ولكنه واقع مرير دعاني للكتابة اليكم).] ]، انتهى كلام المدرستين] ].
أليس في هذين الشاهدين، تعبيراً حقيقياً عن الحالة النفسية والاجتماعية والاقتصادية للمعلم ــ وكلها سيئة ــ وهو المسؤول عن تنفيذ أهداف التعليم. فإن كان الأمر كذلك، فهل يأتي الحال من المحال؟
وفي ذات السياق، قال البروفسور ريشارد ديدا، المتخصص بالعلوم التربوية في جامعة نانسي بفرنسا: (بأن التعليم في ليبيا يمر بمنعطف خطير يجب تصحيحه)، وأكد أن بريطانيا مرت بما يشبه الحالة الليبية في تدني مستوى التعليم بالثلاثينيات من القرن الماضي، ولم يتحسن الوضع إلا بعد النهوض بالمعلم. وقد استنتج ما ذهب إليه من خلال نتائج تحليل فريقه البحثي ـ الذي كنت عضواً فيه ـ للتحقيقات والتسجيلات المرئية التي شملت عينة مختارة وفق المعيار العلمي، لبعض المعلمين والطلبة، وإحدى كليات إعداد المعلمين وبعض مسؤولي قطاع التعليم في ليبيا، وجميع هذه المكونات كانت محل بحث معمق من هذا الفريق التابع لمركز البحوث التربوية في جامعة نانسي بفرنسا، وهو جزء من موضوع رسالتي لدرجة الدكتوراه. وعلى الرغم من أننا تناولنا جزءاً محدداً من العملية التعليمية في ليبيا، وذلك ما تتطلبه إجازة الدراسة الدقيقة، إلا أن ما احتوته التحقيقات والتسجيلات من مشاهدات ومعلومات مهمة عن هذه العملية، مكنت فريق البحث العلمي من التوصل إلى نتائج شاملة ومفيدة عن حالة التعليم في ليبيا، ووضع بعض الحلول لها. وكان التحدي الوحيد للقيام بهذا العمل خارج ليبيا، هو نقل هذه المعلومات إلى مركز أوروبي في ظل النظام السابق الذي لا يعير للعلم اهتماماً بقدر ما يحاول التستر عن فشله، وهذه قصة أخرى لا يسع المجال لذكرها هنا.
إذن أي عملية تطوير في التعليم لا تأخذ في اعتبارها النهوض بالمعلم ومنحه حقوقه، وما أكثرها، وأقلها، احتساب الوقت الذي يقضيه في إعداد الدروس والتصحيح والمتابعة وأي عمل آخر خدمةً للمدْرسَة ولو كان خارجها، جزءاً من ساعات عمله، فإن الحديث عن معدلات الأداء لن يكون إلا ضرباً من الخيال، يضاف إلى سياسات التعليم الظالمة على مر العقود الماضية والتي ما زلنا نعاني مشاكلها في فلذات أكبادنا..
ثم وضع حلول للمشاكل التي تعوق العملية التعليمية من داخلها، كتخفيض عدد المتعلمين بالفصل الواحد بحيث لا يتجاوز 20 متعلماً، وهذا لا يتم طبعاً إلا بزيادة الفصول الدراسية. ونحن نعتقد أن النقص في الفصول الدراسية هو الذي أدى إلى استمرار سياسة التدريس بفترتين منفصلتين صباحية ومسائية، والتي أثَّرت بشكلٍ سلبيٍ على حِصة المتعلم من التعليم. كما أدت إلى وضع عدد كبير من المدرسين خارج الملاك الوظيفي، ونحن بأمس الحاجة لخدماتهم.
وعليه فإن معالجة هذه القضايا الإستراتيجية في التعليم، وحدها تؤدي إلى تطور إيجابي ينعكس على المخرجات، وهو ما يتمناه الجميع. عندها سمي ما شئت، تعليم خاص، تعليم عام، لا يهم.
أما إذا لم يحصل شيء من هذا، فإن أي محاولة للتطوير تظل شكلية لا جدوى منها، وسوف تكون وسيلة لهدر المال العام دون طائل.
د. فرج دردور، كاتب ليبي
http://fdardour.maktoobblog.com
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
|