من أوراق الأيام

News image

صناعة اللّحوم، كيف تحولت الى أداة للتخريب؟

News image

في الأزمات الإقتصادية، مَنْ يُنفق على مَنْ؟

News image

الدول النامية تخسر اقتصاديات الدواء

News image

المظاهر السياسية للاقتصاد الريعي

News image

المشاريع الضائعة، وعدم التهاون

News image

كيف انتهى مصير الفلاحة في ظل العولمة؟

News image

لماذا لا نطلب الاقتصاد.. ولو كان في الصين؟

News image

يوجد غذاء بوفرة، فلماذا يوجد جياع؟

News image

مناجم الشمس.. ثروة إلى يوم القيامة

News image

ما السبيل الى إطعام العالم دون الإضرار به؟

News image

كيف أصبحت الثروة السمكيّة في العالم مهدّدة بالانقراض؟

News image

من يقف وراء تدهور اقتصاد الزراعة في العالم؟

News image

خرائط وحروب المياه الإسرائيلية القادمة

News image

الدولار، نهاية اسطورة عمّرت ستة عقود

بسام الهلسه: عودة إلى الهجرة PDF طباعة إرسال إلى صديق
السبت, 26 نوفمبر 2011 16:49

تحدثتُ وكتبت في أوقات ومناسبات مختلفة عن الهجرة النبوية (622 ميلادية)، ابتداء من العام 1982م، ساعياً لتقديم مقاربة معرفية- استراتيجية لها تنفي الفكرة الشائعة التي نظرت لها كحادثة فرار من اضطهاد مشركي مكة، ولجوءٍ إلى مكان آمن: يثرب.
وبسطتُ أفكاري بشأنها حيث رأيت فيها تحولاً استراتيجياً فاصلاً في مسار مشروع التغيير الشامل (الروحي- السياسي- الإقتصادي- المعرفي- الأخلاقي) الذي نهضت بعبئه الجماعة العربية الجديدة:(المسلمون) بقيادة الرسول محمد "صلى الله عليه وسلم".
* * *
تمثل هذا التحول في انتقال الجماعة الإسلامية من طور "الطليعة النخبوية" المضطهدة والملاحقة- من قبل الارستقراطية التجارية المكية- إلى طور "الحركة الشعبية"، إثر حصولها على: قاعدة ارتكازية آمنة في يثرب (المدينة المنورة فيما بعد)، وعلى حاملٍ مجتمعي حضري لدعوتها ومشروعها تمثل في أغلبية قبيلتي الأوس والخزرج (الأنصار). وأؤكد هنا على الطابع "الحضري" للحامل المجتمعي للدعوة الإسلامية ممثلاً بمسلمي البلدين الحضر المستقِرين: مكة "التجارية" و"يثرب" الزراعية. فما كان ممكناً للبدو –أو"الأعراب" كما سماهم القرآن- أن ينهضوا بحمل المشروع بسبب طابع حياتهم وعقليتهم وارتباطاتهم الدموية القبلية، وإن انضموا فيما بعد إلى الدعوة والأمة الجديدة، وشكلوا مادة جُندها المحاربين.
* * *
تكمن أهمية واحة يثرب الزراعية، ليس في كونها قد وفرت ملاذاً آمناً فحسب للمهاجرين (فقد وفرت الحبشة مثل هذا الملاذ)، بل في كونها تقع في ساحة الصراع الرئيسة: إقليم الحجاز والجزيرة العربية، وبالتالي فقد مكنت الجماعة الإسلامية من البقاء على تماسٍّ فعالٍ مع الجمهور المستهدف بالدعوة والتغيير: أي العرب الوثنيين (الاُميين)، وهو ما كانت الجماعة الإسلامية ستفقده فيما لو توجهت إلى منفى بعيد خارج الجزيرة العربية.
 ينبغي أن نذكر أيضا أن الأوس والخزرج هم من عرب الجنوب(اليمن)الذين هجروا موطنهم واستقروا في يثرب في أوقات سابقة، وأن المهاجرين المكيين هم من عرب الشمال(الحجاز)، وهذه أول مرة تتحِدُ فيها قوة مؤثرة من العنصرين المكونين للعرب في عمل واحد مشترك بعد عهود متطاولة من النزاع، مما عزز من قدرة الجماعة المسلمة ودورها كقوة توحيد ومركز استقطاب لمختلف بلدان وقبائل وأقاليم الجزيرة العربية.
الأمر الآخر المهم، هو أن الحامل المجتمعي الجديد للدعوة (الأنصار) كان من القوة في بلده يثرب بحيث مكَّن الرسول "عليه السلام" من تولي القيادة (وأكرر هنا: "القيادة" وليس مجرد اللجوء الآمن له وللمهاجرين)، فشرع على الفور بتنظيم الأوضاع الداخلية:
 بناء مقر القيادة والدعوة والعمل والعبادة (المسجد)، تعزيز اللحمة بين المهاجرين والأنصار بـ(المؤآخاة)، تنظيم العلاقات بين الجماعات المختلفة الساكنة في يثرب(المسلمين، اليهود، وغيرهم) على أساس المواطنة الذي عبَّرت عنه(صحيفة المدينة).
* * *
هذه الإجراءات مكنت الجماعة المسلمة من تنظيم شؤونها الخاصة والداخلية، وتوطيد أمن المقر الجديد وتوظيفه من ثم كقاعدة عمليات، مما أتاح لها تعبئة القوى واستثمار الميزة الجغرافية- الاستراتيجية الكبرى ليثرب الواقعة شمال مكة على طريق التجارة مع الشام (وهو أحد الطريقين التجاريين الدوليين الإستراتيجيين العابرين للجزيرة العربية)، وذلك بالقيام بتهديد التجارة المَكيَّة (مصدر قوة مكة الرئيس منذ أرسى الجدُ الخامس للرسول عليه السلام: "قصي بن كلاب" نظام "الإيلاف" المعروف)، فباشرت في البداية عملها بإرسال دوريات استطلاع صغيرة وقصيرة المدى (السرايا)، ثم انتقلت إلى القيام بعملية تعرضية كبرى أدت إلى الاشتباك مع قوة مشركي مكة في المعركة المعروفة:"بدر" (في السنة الثانية للهجرة)، وهي المعركةُ التي أعلنت الجماعةَ الإسلامية كقوةٍ جديدة صاعدة في الحجاز وفي الجزيرة العربية، لم يطُل بها الوقت حتى كانت خيلُها ودعوتها التغييرية تدخل مكة فاتحة في السنة الثامنة للهجرة (630 ميلادية)، مدشنة بذلك عهداً جديداً للعرب (اكتمل في عام الوفود: السنة العاشرة للهجرة- 632 ميلادية)، انتقلوا فيه من جماعات قبلية متناحرة ذات ولاءات ومرجعيات وأعراف متباينة، ومداخلات هيمنة أجنبية متعددة: (الأحباش، الفرس، الروم)، إلى أمة مستقلة موحدة لها قيادة ومرجعية واحدة (الرسول والقرآن) ومدينةـــ مركز (عاصمة) واحدة أيضاً (المدينة المنورة).
* * *
ولمعرفتهم بأهمية الهجرة ودورها المفصلي في تاريخهم وحياتهم، وتأكيداً منهم على تميّز شخصيتهم الحضارية- القومية، وإدراكهم لذاتهم وهويتهم الجديدة، اختار العرب المسلمون "الهجرة" مبدءاً للتقويم، كِناية عن خروجهم من أزمنة وتقاويم الآخرين، وبدئهم لعهد جديد، سرعان ما سَيَمُدُّ إشعاعاته وظلاله ليرجَّ العالم الذي أسمته المركزانية الأوروبية: "القرون الوسطى"، ويغيِّره.

بسام الهلسة
، كاتب وصحافي فلسطيني
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
 

 

المزيد من مجتمع

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب