من أوراق الأيام

News image

صناعة اللّحوم، كيف تحولت الى أداة للتخريب؟

News image

في الأزمات الإقتصادية، مَنْ يُنفق على مَنْ؟

News image

الدول النامية تخسر اقتصاديات الدواء

News image

المظاهر السياسية للاقتصاد الريعي

News image

المشاريع الضائعة، وعدم التهاون

News image

كيف انتهى مصير الفلاحة في ظل العولمة؟

News image

لماذا لا نطلب الاقتصاد.. ولو كان في الصين؟

News image

يوجد غذاء بوفرة، فلماذا يوجد جياع؟

News image

مناجم الشمس.. ثروة إلى يوم القيامة

News image

ما السبيل الى إطعام العالم دون الإضرار به؟

News image

كيف أصبحت الثروة السمكيّة في العالم مهدّدة بالانقراض؟

News image

من يقف وراء تدهور اقتصاد الزراعة في العالم؟

News image

خرائط وحروب المياه الإسرائيلية القادمة

News image

الدولار، نهاية اسطورة عمّرت ستة عقود

شيماء الصراف: "الناس بالناس والكرعة تمشط الراس" PDF طباعة إرسال إلى صديق
الثلاثاء, 13 ديسمبر 2011 00:08

عبارة-مثل غاية في التعبيرعن غياب الوعي. صورة سرياليّة للعبث والعبثية. البلاءات التي يعيشها الناس وانشغالهم بها، والقرعاء تمسك المشط لتمرّره على رأس خالٍ من الشعر. وهناك مثل عراقي يشابهه يقول: "عرب وين، طنبورة وين". (ويعني: الناس بأي حال؟ وطنبورة -إسم لإمرأة- بأي حال؟)
في سورية الناس تُقتل أو يُقبض عليهم فيعذّبون بالقول والفعل ثم يُقتلون. اليمن يعيش الحال نفسه، وسيكون هذا مصير من يخرج متظاهراً مطالباً بالحريّة والقوت في أي مجتمع آخر فالظلم ليس وقفاً على مجتمع عربي بعينه.
في تونس، مصر، ليبيا تبدّل نظام الحكم، لنأمل خيراً ولا نقول أكثر من هذا، والإستبشار له سبب؛ فلا انقلابات عسكريّة ولا حكم عسكر يلي آخر، إنما هو الشعب بفئاته ـ والكلمة مطلقة ـ الذي يُقاتل بسلميّة في سبيل عيشه. بسلميّة؟؟ نعم بسلميّة. الخروج إلى الشوارع أطفال ونساء ورجال لا يحملون سلاحاً يطالبون بإنهاء جبروت الحاكم وظلمه.
الحيف لن ينتهي بسلطة جديدة تحكم بل هي بداية أشد صعوبة، فمحوه يتطلّب جهداً مستمرّاً من الجميع حكّام ومواطنين.
الإعراض عن الفعل سواء لبناء مجتمع حر، تتوفّر به لقمة العيش والأمان وهذا في المجتمعات التي تحرّرت، أو التي لا تزال تناضل، الإعراض هو الظلم بعينه فهو سكوت عن إحقاق الحق والساكت عن الحق شيطان أخرس. والسكوت بكل الأحوال هو تواطؤ مع الشر وجبن. التلهّي بالصغائر من الأمور هو سكوت خطر ودفع الناس إلى الإنغماس والتشاغل بهذه الصغائر هو جرم حقيقي.
أقرأ على الأنترنيت مجدّداً ـ والأمر كان ولن يتوقّف ـ وفي العديد من المواقع أن الغناء محظور في الشريعة، فتاوى وأدلّة، أقوال وردود ثمّ ردود على الردود.... أدمغة أصابها البلاء فصـُكّت. وينتابني اليأس والغضب أكتمه وهذا في كل مرّة.
الحياة لا تتوقّف، الأمر بديهي، وكل ما يتّسم بشيئ من الإشكالية يجب تفهّمه وإيجاد حلول له. الفقر الجوع فقد الأمان الإضطهاد التمييز والتفرقة... أمور لها الأولويّة، مع ذلك وهذا بديهي أيضاً، فالأمور نسبيّة وهناك أولويّة للأولويّات وهذا حين تتفاقم حالة وتهدّد بدمار عظيم فتصبح هي المقدّمة.
اليوم الناس تُقتل لأنها لا تريد حكماً ظالماً، تقتل لأنها تريد خبزاً، أماناً، تُقتل لأنها احتجّت ضد إذلالاها، القتل والتعذيب ليس طارئاً، فهو الأداة التقليديّة، إنما بلغ السيل الزبى، ورحم الله الإمام أبا حنيفة: "إن هي موتة واحدة".
يجادلون في الغناء، إن كان هذا النقاش ترف ولهو كئيب بليد في الأيام العاديّة حيث هناك العشرات من الأمور التي يجب الإلتفات إليها فكيف اليوم والبلاءات من كل جانب.

ثلاثة من الصالحين وثلاثة مواقف من الغناء

في تحريم الغناء وفي تحليله يستندون إلى الشريعة، سأستند أنا أيضاً، إنما لن آتي بنص من القرآن وأحاديث من السنّة النبويّة بل سأتكلّم عن الغناء من خلال تطبيق الشريعة في المجتمع فهي القانون الوحيد المعمول به.
اخترت ثلاثة مواقف.
الأوّل : القاعدة الأساس، المرجع الذي يـُحتكم اليه
يضع الصحابي سعد بن أبي وقّاص القاعدة الأساس في إجازة الغناء من كراهته.
يقول الراوية انه رأى سعداً في مكان بين المدينة ومكّة مستلقي على مُصلّى له، واضعاً إحدى رجليه على الأُخرى وهو يتغنّى، فقال له : سبحان الله أبا إسحاق أتفعل مثل هذا وأنت مُحرِم؟ إنه يلومه على الغناء وهو في في الإحرام، يرد عليه الصحابي : يابن أخي، وهل تسمعني أقول هُجْراً؟
الهجر : الهذيان والقبيح من القول.
إنه ليس فعل الغناء بالذات، إنما الكلام المُستعمل فيه. حلّه من حرمته، إجازته من كراهته مرتبط بالحسن والسيّئ من القول.
سعد بن أبي وقّاص : صحابي، أحد من حرس رسول الله. المُستجاب الدعوة، أحد العشرة المبشّرة بالجنّة، أحد الستّة من أهل الشورى، فاتح مدائن كسرى، بنى مدينة الكوفة في العراق .

مع الخليفة عمر بن عبد العزيز 


يصل رجل عراقي إلى "المدينة" بحثاً عن جارية وُصِفت له بالبراعة في الغناء، إنها ملك للقاضي الذي يجهل معرفتها بهذا الفن،إنه يعجب لتحمّل العراقي لهذه المشقّة فيستدعي جاريته ويطلب منها الغناء. غنّت :
إلى خالدٍ حتى أنخن بخالدٍ فنعم الفتى يُرجى ونعم المؤمَّل
إنه مديح لرجل يُدعى خالد، إشادة بكرمه، فالجمال ينخن أمام بيته لأن قاصده يعرف جوده وسخائه.
يفرح القاضي، يُسرّ ويطرب طرباً عظيماً، ويطلب منها الزيادة، غنّت :
أروح إلى القصّاص كل عشيّة أرجِّي ثواب الله في عدد الخـُطا
يرجو القائل أن يثيبه الله عدد خطاه في ذهابه إلى القصاص(جمع قاص) لسماع أخبار الزهّاد والعبّاد...وربما لتكون له قدوة وعبرة. هذه المرّة بلغ من شدّة طرب القاضي أن أخذ نعله وعلّقها في أُذنه ثم جثا على ركبتيه وجعل يشدّ أذنه حتى أدماها وهو يقول : إهدوني إلى البيت الحرام فأنا بَدَنَة( الناقة أو البقرة تسمّن وتُذبح)، كلام لايعني شيئاً إلاّ الذهول من شدّة الطرب. يصرف القاضي الرجل العراقي بلطف مبيِّناً له أن الجارية ازدادت معزّتها لديه. يبلغ الخبر بكامله الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (رض) في الشام فيعزل القاضي لأن الطرب قد استعبده، لم يأبه القاضي وكان تعليقه: أن الخليفة لو سمعها لقال :" اركبوني فإني مطيّة".هذه المرّة وبعد سماعه بما بما حدث يأمر الخليفة بمجيئ القاضي والجارية إلى الشام، في لقائهم لم ينكر القاضي ماقال حين سأله الخليفة بل أعاد الكلام بعينه، ثم قال للجارية أن تغنّي، غنّت :
كأن لم يكن بين الحَجُون إلى الصفا أنيس، ولم يسْمرْ بمكة سامرُ
بلى ، نحن كنّا أهلها، فأبادنا صروف الليالي والجدود العواثر
إنها تغنّي فعل صروف دهر لا أمان له، ذهب السامرون والسمر بعد أن تمتّعوا أوقاتاً، لقد أبادتهم حوادث الليالي والحظوظ العاثرة. في الشعر دعوة للإعتبار وعدم الإغترار، فالأيام تنقضي وبقاء الحال من المُحال، أسف على ماض جميل وحثّ خفي على التأمّل والتفكير فكلّ من عليها فان.
طرب الخليفة (رض) "طرباً بيِّناً"، وأخذ يستعيدها ويبكي حتى "بلّت دموعه لحيته"، قال للقاضي :"ارجع إلى عملك راشداً".
في الخبر/ الإستشهاد أمور يجب أن تُذكر وذكرها هنا من باب الإستطراد المفيد فلا علاقة لها بالغناء موضوع المقالة.
ـ الحاكم يُحيط بأخبار الموظّفين في كل نواحي الدولة.
ـ أهميّة القضاء وشخص القاضي، وتحاشي أي أمر، مادّي أو معنوي نفسي، يمكن أن يؤثّر على على قضائه بين الناس سلباً.
ـ حريّة القول، عدم الخوف من السلطان.

مع الإمام مالك بن أنس


كان يبيح الغناء الهادف الملتزم الذي يحث على مكارم الأخلاق، مرّ يوماً بمغنّية تـُغني:
أنت أُختي وأنت حُرمة جاري وحقيق عليّ حفظ الجوار
أنا للجار، ما تغيّبَ عنّي حافظ للمغيب في الأسرار
ما أبالي أكان بالباب ستر مسبل أم بقي بغير ستار
يبلغ من شدّة تأثّر الإمام بهذا الكلام المُغنّى الذي يدعو إلى العفاف وحسن الجوار أن قال : لو غُنِّي به حول الكعبة لجاز. وفي رواية انه قال : ياأهل الدار علِّموا فتيانكم مثل هذا. إنه إرشاد وليس بأمر، ينصرف إلى الكلام والتغنّي به في آن معاً.
ويظهر موقف الإمام مالك في غاية من الوضوح حين يروي هو شعراً يدلّل على حسن الجوار ثمّ يـُعلَّق : لا بأس بالغناء بمثل هذا.فالغناء وسيلة للإشهار والإذاعة إن كان حسناً أو سوءاً.

شيماء الصراف، كاتبة وباحثة عراقية
المصادر
ـ ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، القاضي عياض.
ـ العقد الفريد، ابن عبد ربّه الأندلسي.
ـ مروج الذهب، المسعودي.
ـ الأعلام، الزركلي.
ـ لسان العرب، ابن منظور.
ـ معجم البلدان، ياقوت الحموي.

 

المزيد من مجتمع

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب