|
السبت, 07 يناير 2012 10:18 |
يقول المؤرِّخ تغري بردي الحنفي :"... كان يُلقَّب بالصابر، الفاضل، الطاهر وأشهر ألقابه الصادق ". يصفه صاحب "المِلل والنِحل" الفيلسوف العالم الشهرستاني :"....ذو علم غزير في الدين وأدب كامل في الحكمة، وورع تام عن الشهوات...".
يذكر ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عنه :"..كان مشغولاً بالعبادة عن حب الرياسة". نعم، هو كذلك.وكانت عبادة جعفر الصادق حقيقيّة صادقة فقد حوّلها إلى فعل:أمر بمعروف ونهي عن المنكر.
كانت مسؤوليّة الصادق كبيرة : اكتساب العلم ونشره. محاربة البدع والفتن. هذا يعني تهيئة مجتمع بأرضيّة فكريّة نظيفة خالية من التطرّف، ملتزمة بموقف الوسط. أمور ثلاثة تصب الواحدة في الأخرى كانت محور الفعل في حياة الصادق.
العلم، اكتسابه ونشره لن اتحدّث فيه، فهذا التابعي المدينّي سليل بيت النبوّة ترك مدرسة فقهيّة ثريّة لا تزال سائدة اليوم ويُعمل بأحكامها تُعرف بالمدرسة الجعفريّة ( أو فقه الشيعة الإماميّة الإثني عشريّة).
محاربة الفتن : تأليه الصادق
تأليه الشخص لنفسه أو من الآخرين له،لا ينطبق عليه وصف المُغالاة والتطرّف. فالمغالاة والتطرّف يفيدان الإبتعاد عن مركز الوسط في مسألة ما ولكن حدودها موجودة لم يجر اختراقها، وهذا الكلام في المطلق لهذين المصطلحين. التأليه في الشريعة هو الخروج عن كل حدّ وحدود، وهنا هو الخروج عن ملّة الإسلام. لتأليه الشخص أسباب أهمّها على الإطلاق لدى الدعاة والقائمين عليه، هو الوصول إلى رئاسة ومنصب، داخل المؤسّسة نفسها أو هو استعمال الدين للوصول إلى الحكم.
تأليه الشخص مسألة عظيمة تهدم المجتمع وتضرب عقيدته بالصميم. حارب الصادق تأليهه بوصفه فقيهاً وعالماً مدركاً لما يترتّب على حامل هاتين الصفتين من واجبات. حاربها بصبر ودأب طوال حياته، وكان هذا فعل أبيه من قبل محمد الباقر، وجدّه الإمام علي بن أبي طالب ( عليهم السلام جميعاً).
جاء المغيرة بن سعيد إلى الصادق في "المدينة" وطلب منه أن يقول بعلمه للغيب لكي يجعل أهل العراق يتبعونه، ذلك ان علم الغيب من صفات الذات الإلهيّة، وهذا ما يضمن للداعية النجاح في مسعاه، كان رفض الصادق في كلمتين، قال : أعوذ بالله. كانت هذه ثاني محاولة فقبلها ذهب المغيرة إلى الإمام الباقر بنفس العرض فنهره وطرده.
ظهر في زمان الصادق رجل يـُدعى أبو الخطاب الأسدي، زعم ان جعفر بن محمد إله. كان رد الإمام سريعاً : أعلن البراءة منه ولعنه، جمع أصحابه فعرّفهم بالأمر ثم كتب إلى البلدان بالبراءة منه واللعنة عليه.
زعم العميريّة، أصحاب عـُمير بن البيان أنّ الصادق ربّهم، وضربوا خيمة قرب مدينة الكوفة يجتمعون فيها إلى عبادة جعفر. هذه أمثلة لا غير.
كان من يقول بإلوهيّته من الجماعات والأشخاص، يدّعون علمه بالغيب، يرد الإمام :" ياعجباً لأقوام يزعمون انّا نعلم الغيب، مايعلم الغيب إلاّ الله عزّ وجل"، "...فوالله الذي لاإله إلاّ هو ما أعلم الغيب..".الإمام يضرب مثلاً بسيطاً واقعيّاً من الحياة اليوميّة: لقد همّ بتأديب جارية له فاختفت:"... فما علمت في أي بيت من الدار هي".
كان يقول :" إنّا، والله، لا نعلم كلّ ما يسألوننا عنه، ولغيرنا أعلم منّا". وإن كان كلام الإمام يؤشِّر عقليّة ونفس عالم عظيم القدر من تواضعه، فهو دالّ أيضاً ومن باب أولى على جهله بالغيب.
إنّ من الوسائل الفعّالة التي يستخدمها الرامون إلى مكانة وسلطة عن طريق شخصيّات آل البيت هو تلفيق الأحاديث ونسبتها إليهم. الإمام الصادق يعلم هذا وقد رآه في فعل الملفّقين وواضعي الحديث على لسان أبيه، يضع الصادق قاعدة لأصحابه وهي تخص الناس جميعهم :" لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ماوافق القرآن والسنّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدِّمة". ثم يذكر ويُذكِّر :"فإنّ المغيرة بن سعيد، لعنه الله، دسّ في كتب أصحاب أبي (محمد الباقر) أحاديث لم يـُحدِّث بها". ثم يحذّر أصحابه بكلام بالغ الدلالة والقوّة :" فاتّقوا الله ولا تقبلوا علينا ماخالف قول ربنا وسنّة نبينا".
يرسي الصادق البراءة من مؤلّهيه في قواعد عمليّة أوجب فيها على أصحابه الإلتزام بها تجاههم :" لا تقاعدوهم ولا تواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا توارثوهم". مؤلِّهوه ناس خارج ملّة الإسلام وخارج كلّ دين آخر وعلى هذا يسقط حق أحدهم في الأرث تقبّلاً وعطاءّ. هذا إلى وجوب نبذهم في سلوكيّات الحياة اليوميّة المُعاشة. كلام الصادق واضح وصريح لا يقبل تأويلاً ولا تفسيراً آخر.
وحدة المجتمع
ـ موقف الإمام الصادق من أبي بكر الصدِّيق وعمر بن الخطّاب
كان الغلاة من الشيعة يقولون أن الخلافة أغتصبها أبو بكر ومن بعده عمر، وهي حقّ لعلي بن أبي طالب، وعلى هذا وجب لعن الشيخين والتبرّء منهم. جاؤوا إلى زيد بن علي وجرت عمليّة ابتزاز ومساومة، عليه أن يتبرّأ من أبي بكر وعمر لكي يسندوه، رفض الإمام زيد، قال : بل أتولاّهما.وفي حديث آخر له، قال: لا أنالني الله شفاعة جدّي (الرسول الكريم) إنْ لم أوالهما. وقال الإمام زيد ان الغلاة حربه وحرب أبيه في الدنيا والآخرة. فعل الصادق فعل عمّه، وفي كل مافعلوه وتقوّلوه تصدّى لهم بقوّة وبحزم شديدين. وتتنوّع الروايات : فمنها انّ الصادق يبادر بعد أن علم بما يتكلّمون به، فيقول :" فمن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر فأنا منه برئ " ومنها أنه يـُسأل عن رأيه بهما فيرد على الشخص :" إنك تسألني عن رجلين قد أكلا من ثمار الجنّة"، وفي كلام له :" برئ الله ممن تبرّأ من أبي بكر وعمر".
وفي حديث له حمّله قوماً يريدون مغادرة "المدينة"، ليقوموا بإذاعته ونشره، قال :" إنكم ـ إن شاء الله ـ من صالحي مصركم (بلدكم) فأبلغوهم عني من زعم أنّي أبرأ من أبي بكر وعمر فأنا منه برئ". الكلام موجّه في المقام الأوّل لمن يدّعي نصرة الصادق ومودّته لكي يرجعوا عن غيّهم وبهتانهم، قبل أن يكون عامّاً لجميع الناس.
يروي سالم بن أبي حفصة وهو من الشيعة انه كان مجتمعاً بالإمام محمد الباقر وابنه الصادق فسألهما عن أبي بكر وعمر فقال له الباقر:" ياسالم، تولّهما وابرأ من عدوّهما، فإنهما كانا إماميّ هدى. ثم قال الصادق:" ياسالم، أيسبّ الرجل جدّه ؟ أبو بكر جدّي، لا نالتني شفاعة محمد (ص) يوم القيامة إنْ لم اكن أتولاّهما وأبرأ من عدوّهما".
إنه أمر يصدره الإمام الباقر إلى رجل من شيعتهم أن يتولّى الخليفتين أبو بكر وعمر وأن يتبرّأ ممن يظهر لهما العداء. والموالاة هي المحبّة والنصرة. والباقر يسبّب كلامه : إنهما "إمامي هدى".
ننظر في كلام الصادق، إنه في شقين، الثاني منهما : دعاء بالسوء على نفسه :لا نالته شفاعة سيد الخلق محمد (ص) يوم الحساب إنْ هو أخلّ بواجبه في محبّة ونصرة صاحبي جدّه الرسول الكريم. نرجع على الشق الأوّل، الصادق يسأل سؤالاً يتضمّن نفياً وهو يجيب بنفسه جواب إثبات لهذا النفي : الجد لايـُسب إنه بمنزلة الوالد، وأبو بكر الصدّيق جدّه.
نعم، أبو بكر الصدّيق جدّه من جانب الأم. إنّ أم جعفر الصادق هي أمّ فَـرْوَة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق، وأمّها ـ جدّته ـ أمّ أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق. ولهذا كان الإمام جعفر يقول :" أنا ابن الصدِّيق مرّتين"، وفي قول آخر له :" ولدني أبو بكر الصدِّيق مرّتين". ويذكر الذهبي المؤرِّخ أن الصادق كان "يغضب ويمقت من يتعرّض لجدّه أبي بكر ظاهراً وباطناً".
ـ خِلطة الصادق لعلماء عصره
العلم وُجد لخير الإنسان، لصلاحه وصلاح مجتمعه، عبارة تسم سلوك الصادق، فالإنغلاق والتعنّت والتعصّب للرأي أمور نبذها الإمام الصادق فهدفه خير الناس والعمل لأجلهم. تلقّى العلم عن جدّه لأمّه القاسم بن محمد، وأبيه الباقر وجلّة من العلماء. وفي هذه الخِلطة ينتفي الإنتماء العرقي واللون والنسب وتنتفي الميول الفكريّة. فمثلما أخذ الحديث عن عروة بن الزبير القرشي، اخذ الصادق الحديث عن عطاء بن أبي رباح التابعي الفقيه، المحدّث، مفتي الناس بمكّة وكان رقيقاً أسود، وهكذا كان مجلس الصادق، خلطة يجمعهم نسب وحيد هو العلم، ومن بين الذين كانوا يحضرون مجلسه الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك بن أنس.
إن اختلاف وتنوِّع الآراء ثراء مابعده ثراء فهو معرفة بذاته ويقوم بتوسيع مدارك الناس بحثّهم على البحث والإستقصاء. الإختلاف وليس الخلاف ففي قول للصادق : إيّاكم والخصومة في الدين، فإنها تشغل القلب وتورث النفاق.
في مجلس في الحِيرة (مدينة قرب الكوفة في العراق) ضمّ فقهاء وعلماء من كل صنف طرح الإمام أبو حنيفة النعمان أربعين مسألة في الفقه على الإمام الصادق، فكان يقول في الواحدة منها : أنتم تقولون فيها كذا وكذا" وهو يعني فقهاء العراق وفي طليعتهم الأحناف، ويقول :" وأهل المدينة يقولون كذا وكذا" ويقصد فقهاء المدينة وفي طليعتهم المالكية، ثم يقول :" ونحن نقول كذا وكذا" ويقصد الفقهاء الأئمّة من آل البيت وفي مقدّمتهم الإمام الصادق نفسه، ويُكمل أبو حنيفة:" فربّما تابعنا، وربّما تابع أهل المدينة، وربّما خالفنا جميعاً". يعقّب راوي الخبر أبو حنيفة نفسه بقوله :" أليس قد رُويِنا أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس".وليس هذا بالثناء الوحيد الذي ينم عن مودّة للصادق واحترام له، بل أنّ أبا حنيفة كان قد روى هذا الحدث كشاهد على كلامه بعد أن سُئل عن أفقه من رأى، فأجاب : ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمد.
"فربّما تابعنا، وربّما تابع أهل المدينة، وربّما خالفنا جميعاً".
أضع مثالاً توضيحيّاً للعبارة أعلاه:
في قانون الأحوال الشخصّية العراقي لا ذكر للولي في زواج المرأة البكر البالغة الراشدة.المرأة بهذه الصفات بيدها أمر زواجها بالكامل فهي التي تقرّر رفضاً أو قبولاً لهذا الرجل أو ذاك.وليس للولي أيّ سلطة عليها. المرأة تستطيع ـ إن هي أرادت ـ مباشرة عقد الزواج بنفسها أي تكون طرفاً مباشراً فيه، كما تستطيع أن توكل من ينوب عنها في إتمام العقد.هذه القاعدة محل اتفاق الفقهين الحنفي والجعفري اللذان اعتمدهما المشرّع الحديث عند وضع قانون الأحوال الشخصيّة.والفقهان في اختلاف فيما يخص هذا الأمر، مع بقيّة المذاهب الفقهيّة المالكي والشافعي والحنبلي، الذين يجعلون للولي سلطة إجبار على البنت الباكر البالغة الراشدة.
موقفه من السلطة والسلطان
كل ما يحمله من صفات يجعله أهلاً للترؤس والحكم. إنّ إمكانية أن يصير الصادق نقطة التفاف واتفاق الناس على زعامته ومن ثمّ الثورة بإسمه وتحت قيادته جعلت السلطان يحذر منه أشدّ الحذر لأنه يمثِّل مشروع منافس حقيقي على السلطة لذا كان الصادق يجهد في تطمين السلطة العباسية والخليفة المنصور بالذات أنْ لا رغبة لديه بالسلطة فهو يريد مواصلة طريقه : العلم سبيلاً إلى خدمة المجتمع، وهناك سبب ذاتي مهم فهو قد رأى خذلان الناس وتخلّيهم بدءً من الإمام علي بن أبي طالب، ثم عمّه زيد بن على الذي قُتل وصُلب ثم ابن عمه يحيى ابن زيد الذي واجه مصير أبيه، وفي عهد المنصور العباسي فشلت ثورات العلويين قُتِلوا وسُجِنوا والسبب نفسه؛ تخلّي من تعهّدوا بنصرتهم عنهم.
يقدّم المؤرِّخون أسباباً لإعراض الصادق عن السلطة، عدم سعيه في الحصول عليها، يقول الإمام ابن الجوزي :" كان مشغولاً بالعبادة عن حب الرياسة"، وقد ذكرناه آنفاً، وبعد أن يذكر الشهرستاني صاحب " المِلل والنِحل" أنّ الصادق :" ماتعرّض للإمامة قط، ولا نازع أحداً في الخلافة" يذكر بكلام ينضح ودّأ وتقديراً له :" ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخِف من حط..." والصادق، كما يصفه الشهرستاني : زاهد في الدنيا، ثم يقول :" ومن آنس بالله توحّش عن الدنيا ومن استأنس بغير الله نهبه الوسواس".
يقول :" الفقهاء أُمناء الرُسل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين فاتهموهم". الصادق يُحذِّر الناس من الفقيه الذي يضع نفسه تماماً في خدمة السلطان ناطقاً بإسمه، طلباً للجاه والمال. على الفقيه أن يضع نفسه في خدمة ناس مجتمعه، فهو حامل أمانة أودعها إياه نبيّه. والصادق طبّق القاعدة بنفسه.
يقول الصادق :" من سلّ سيف البغي قـُتـِل به". كلام حكيم أثبت صدقه منذ القدم وسيبقى. وهو يعني كل سلطة ومتسلِّط غاشم يحكم الناس بالقمع والإرهاب وبقوّة السلاح.
على خطا جدّه الرسول (ص)
يخاطب الرسول الكريم بني هاشم :" يابني هاشم، لايأتيني الناس بالأعمال وتأتوني أنتم بالأحساب". الحديث شرح لما يجب عليه التطبيق العملي الفعلي لآية " إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم". مجتمع واحد لا لون ولا عرق ولا دين ومذهب... فقط العمل الصالح هو المقياس لتقييم البشر. وبالمساواة بين مواطنيه ينمو المجتمع ويزدهر. والصادق يؤكّد هذه القاعدة : كان هناك رجل من أهل السواد في العراق يُلازم الصادق، غاب الرجل وحين سأل الإمام عنه كان رد من سأله : إنه نبطي( والأنباط هم سكّان العراق قبل الفتح ويسكنون السواد منه)، جواب لاعلاقة له بالسؤال، إنما الهدف هو محاولة تحقير الرجل في عيني الإمام، وجاء رد الإمام الصادق واضحاً بليغاً: أصل الرجل عقله، وحسَبه دينه، وكرمه تقواه، والناس في آدم مستوون. وقوله "حسَبه دينه" لا تعني أي دين يعتنقه، إنما المقصود بالدين هو الخُلق،هو المروءة والتذمّم، وجميع البشرمن نسل آدم منتسبين إليه. وبعد، فكلام الصادق ينضوي تحت حديث :" نحن معاشر الأنبياء أولاد عَلاّت ديننا واحد" ؛ الأمهات مختلفات والأب واحد. الشرائع تختلف والرب واحد.
أختم
جعفر بن محمد الباقر حفيد للنبي الكريم من الحسين ابن فاطمة الزهراء، مات ودُفن في المدينة عام 148 هـ ـ 765 م. لـُقـِّب بالصادق لأنه لم يُعرف عنه الكذب قط. هذا الإمام قدوة في كل زمان ومجتمع. إنه على علم تام بالطبيعة البشرية الضعيفة والهشّة وأنّ عوام الناس، السُذّج والبسطاء يرغبون بتصديق التهويلات والغرائب. لم تكن حياة سهلة تلك التي اختارها لنفسه لقد حارب الخرافات والبدع والشذوذ طوال الوقت. إنه يعرف خطر الأحاديث الكاذبة التي تنسب إليه أموراً وصفات ليست له وفيه.واضعوها يكذبون على الناس وبإسمه، إن هدفهم الوصول إلى سلطة ما ومركز أو هو الطمع بالمال. لقد شدّد الصادق على انسانيّته، إنه بشر يصيب ويخطأ، تزامنت جهوده هذه مع طلب العلم ونشره. إن سيرته، أفعاله جعلت المؤرِّخين يحبّونه أشدّ الحب، ويحملون له احتراماً وإعجاباً لا حدّ لهما.
كان يقول في الدعاء:" اللهم لك الحمد إن أطعتك، ولك الحُجّة إنْ عصيتك، لا صنع لي ولا لغيري في إحسان، ولا حُجّة لي ولا لغيري في إساءة". إنه هذا الإنسان /البشر الذي يناجي ربّه.
وينقل أحد أصحاب الصادق بعض الكلام عنه، جملة من وصايا كان يقولها لابنه موسى :".. يابني، إياك أن تزري بالرجال فيـُزرى بك، وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتـُذّل لذلك. يابني، قل الحقّ لك وعليك وإيّاك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في القلوب وإياك والتعرّض لعيوب الناس. كن للقرآن تالياً وللإسلام فاشياً وللمعروف آمراً وعن المنكر ناهياً، ولمن قطعك واصلاً ولمن سكت عنك مبتدئاً ولمن سألك مُعطياً...." وصايا أب لإبنه المراد منها خير الإبن وخير المجتمع. لم يتحدّث معه عن سلطة ورئاسة ومال وعلوّ في الأرض بل أراده أن يكون خيّراً لنفسه، معطاءً لناس مجتمعه. في وصيّته هذه يحذّر ابنه من زيارة الفـُجّار. والفاجر هو الكذوب، المائل عن الحق، والإمام الصادق يصفهم ببليغ القول :" فإنهم صخرة لا يتفجّر ماؤها، وشجرة لا يخضّر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها".
ومن دعائه :" يا ذا النعم الي لا تُحصى وياذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً، أعنّي على ديني بدنيا، وعلى آخرتي بتقوى. يا من لا تضرّه الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اغفر لي ما لايضرّك واعطني ما لا ينقصك. يا وهّاب أسألك فرجاً قريباً وصبراً جميلاً والعافية من جميع البلايا ". إنه دعاء بشر ضعيف بحاجة إلى ربه القوي القدير.
المصادر
ـ جعفر الصادق والمذاهب الأربعة، أسد حيدر
ـ صفة الصفوة، ابن الجوزي عبد الرحمن بن علي
ـ سِير أعلام النبلاء، الذهبي محمد بن احمد
ـ شذرات الذهب، ابن عماد الحنبلي
ـ الشيعة في الميزان، محمد جواد مغنيَّة
ـ فوات الوفيات، محمد بن شاكر الكتبي
ـ مقالات الإسلاميين، الأشعري علي بن اسماعيل
ـ المِلل والنِّحل،الشهرستاني محمد بن عبد الكريم
ـ النجوم الزاهرة، يوسف بن تغري بردي
ـ الأعلام، الزركلي
ـ لسان العرب، ابن منظور |