|
السبت, 28 يناير 2012 16:07 |
في بداية الغروب وفي أحد الأيّام، كنت في أحد شوارع بغداد مع أبي، كنت في الخامسة عشر، أكثر بسنة أو أقل، لا أتذكّر إلى أين وجهتنا، كانت لحظة أو لحظات صمت، ظهر أمامنا رجل على مسافة مترين لم أكن لأنتبه له لولا أن رفع يده بالسلام على أبي، قال له في الحال: حامد بك، ملك فيصل الأوّل من إجه لبغداد وين نزل أوّل أيام؟ في الحال ظهرت أمارات امتعاض على وجه أبي، لم يخفها، فأجاب: ها، هاي أشبيك؟ ثمّ أجابه إجابة وافية، رفع الوردي يده إلى رأسه تحيّة وتمتم بشيئ: متشكّر؟ ممنون؟ أغاتي؟... انصرف، لم يجبه أبي فقد استغرقته دهشته المستنكِرة لسلوك الوردي، وظلّ لثواني ونحن نمشي، يردّد بتعجّب: هذا اشبيه؟ اشلون ميعرف؟.
لم أعلِّق بكلمة وواصلنا السير، لم أنس الحادثة، بعد سنين استرجعتها لسبب ما، وعلى ما أظن لأنني بدأت بقراءة بعض مؤلّفاته، وفكرت ان الأرجح أن الوردي كان يعرف سكنى الملك فيصل الأوّل، إنما أراد التأكّد لا غير.
مرّت سنين وسنين، أكملت دراستي في كليّة الحقوق، اشتغلت في المصرف العقاري، وبالتزامن في تلفزيون بغداد/ القسم الثقافي. في وقت ما كنت أعدّ وأقدِّم برنامج "قضيّة للمناقشة". الإعداد يعني اختيار موضوع حيوي يهمّ الناس، تهيأته من قراءة واطّلاع وأسئلة، ثمّ اختيار المشاركين، الإتّصال بهم لدعوتهم، شرح أسباب اختيار الموضوع واختيارهم لمناقشته، محاولة اقناع الشخص إنْ بدر تردّد منه.
في مرّة اخترت موضوع: السحرة الشعبيين. فئة توجد في جميع المجتمعات وفي كل العصور. وفي بداية سنوات السبعينات انتشر الأمر بكثرة في بغداد، وليس في الخفاء إنما هي اعلانات مكتوبة على دكاكين، محلاّت، سحرة، فتّاحين فال ينادون على "بضاعتهم" في الطريق... كاتبين على اللوحة أو يعدّدون قدراتهم على "العمل". شعوذة ودجل طريقة سهلة لكسب النقود، ويكفي الشخص أن يكون له موهبة كلاميّة في الإقناع وبعض القدرات التمثيليّة، يحتال بها على الناس البسطاء منهم على الأخص، وأكثرهم من النساء، والمسائل لا تنتهي: إمرأة تريد "عملاً" لكي يكره الزوج ضرّتها فيطلّقها،أُخرى لا تجد زوجاً، ثالثة لا تنجب لأنها تعتقد أن أم الزوج سحرت لها، رجلاً أعرضت عنه من يحبّها، آخر يريد التخلّص من منافس له على خطبة فتاة...المطلوب إبطال السحر، رقية، تعويذة، تحضير أعشاب يشربها الشخص نفسه أو الذي يراد تغيير حاله. قاصد السحّار شخص متضرّر متلهّف ولديه استعداد لدفع التكاليف، السحّار الدّجال بيده الحل والربط، وتبدأ الطلبات وكلما ازدادت غرابتها ازداد اعتقاد الشخص بالساحر ومن ثم تمسّكه به: دجاجة سوداء بنقط بيضاء، كبش بشكل ووزن محدّد، نقود....ابتزاز بلا نهاية لصاحب الحاجة الذي قد يكون ذو قدرات ماليّة محدودة تماماً، وقد يرتأي المشعوذ إطالة فترة المراجعة لأسباب أهمّها النقود، فسن الذئب من الصعب توفّره في الحال والحصول عليه يتطلّب مالاً، وإبطال السحر عن المقابل يتطلّب نباتات لا تتوفّر إلاّ بدفع مال ليس بالقليل وهكذا.
كان من الضروري، كما ارتأيت، أن يكون هناك مدخل لهذا الموضوع المهم، اتّصلت بمدير المتحف العراقي الدكتور فوزي رشيد فالدراسات الآثارية واللغات العراقيّة القديمة اختصاص له. شرحت له وطلبت منه الحديث عن السحر في المجتمع العراقي القديم، وافق في الحال.
بعدها اتّصلت بالدكتورعلي الوردي، استاذ اجتماع وله شهرة في المجتمع العراقي على الأخص. لم أكن أخشى تردّده في المجيئ فالموضوع في دائرة اختصاصه، ولكن لديّ سلاح آخر مهيّأ للإستعمال هو تقديم نفسي بذكر اسم أبي بتأنٍّ تام، فهو عامل مساعد باستمرار. وافق الوردي في الحال، تحدّثت عن مساوئ هذه الحالة المتنامية، مشيرة إلى معرفته بها باعتبار اهتمامه بالظواهر الإجتماعيّة، وإنها تستنفذ الشخص ماديّاً بإهدار ماله ونفسياً بالخيبات المتلاحقة، كما أنها قد تؤذيه صحيّاً، كانت جمل قصار وافية. ذكرت له بإيجاز أشد، حوادث كنت الشاهدة بها رؤية وسماع. الوردي يستمع وهمهمات متلاحقة تفيد الموافقة على ماأقوله. انتهيت وأخبرته من سيشارك في الندوة، يوم التسجيل. كنت قد أعطيتهم موعداً قبل وقت التسجيل بساعة، سنجلس في كافتيريا التلفزيون للتعرّف على بعض والكلام في الموضوع. آخر عبارة قبل إغلاق السمّاعة هي: سلّمي لي على الوالد.
في اليوم والساعة المحدَّدة جاء مدير المتحف أوّلاً، رجل ليس بالقصير القامة، وجه ذكي هادئ، ذهبت به إلى كافتيريا المؤسّسة، تبادلنا الحديث لدقائق، جاء من يخبرني أن الوردي جالس في صالة الإستعلامات ينتظر، ذهبت للقائه، عرّفته بنفسي، بالكاد تكلّم، لاحظت ان إحدى عينيه مغلقة تماماً، تساءلت في نفسي عن السبب، مرض؟ حادث؟ قدته إلى حيث يجلس الدكتور فوزي رشيد تحلّقنا حول طاولة للحديث في الموضوع، طلبت لهم ما أرادوا شربه. في وجه فوزي رشيد احترام ونوع من التهيّب والحذر فهو يلتقي بالوردي لأوّل مرّة ـ ربما تساءل هو أيضاً عن ما أصابه في عينه ـ الوردي ملامح جادّة حياديّة هادئة لا تشي بأي شيئ، أخذ يسأل مدير المتحف عن دراسته واختصاصه، بدأ يهتم ويتفاعل من حين علمه بمعرفة د. فوزي باللغات العراقية القديمة، كان هناك انفراج تدريجي في ملامح وجهه مع الأجوبة الوافيّة المركّزة عن أمور في الحضارة العراقيّة القديمة سأله عنها، كنت صامتة استمع بانتباه، ومع استمرار مدير المتحف بالشرح أخذ السرور الخفي الذي كان في البدء لا يكاد يبان في وجه الوردي، يعلن عن نفسه، بأي شيئ؟ عينه المغلقة تنفتح تدريجياً، انظر اليه كاتمة دهشتي، في خلال بضع دقائق انفتحت عينه تماماً، وأخذ ينظر بعينين. لم تكن عين الوردي الشاهد الوحيد على فرحه بالتعرّف على د.فوزي رشيد واهتمامه بسماع ما يقوله، إنما عبّر عن سروره بأمر آخر، أخرج علبة اسبرو من جيبه تناول واحدة وابتلعها بقليل ماء وانتباهه على أقصاه للحديث، وقدّم أخرى لفوزي رشيد، علامة السرور والرضا ومن ثم الإكرام، رفضها د.فوزي بأدب جم، أصرّ الوردي مادّاً يده بها شارحاً منافعها، ردّ عليه موضِّحاً أن لا به شيئ يستوجب أخذ حبّة الأسبرو، الوردي لا يسمع ويلح على أن يبتلعها مدير المتحف، أذعن الأخير، ناوله الوردي قدح الماء بيده. جاء من يخبرنا أن وقت تسجيل البرنامج قد حان. في الاستديو كنت جالسة جهة د. فوزي رشيد مقابل الوردي.
في البداية تحدّثت عن فتّاحين الفال والسحرة في المجتمع وأن أعدادهم في ازدياد، وأن هذه الحالة لا تخدم المجتمع بل لها آثار سيئة أكيدة. تكلّمت بتقريريّة قدر استطاعتي وبدون أحكام وتواصيف قطعيّة. قدّمت د. فوزي رشيد ثم طلبت منه أن يحدّثنا عن السحر وطقوسه وغاياته في حضارات العراق القديمة، كان حديث الأستاذ واضحاً مفيداً وجميلاً، وكان الوردي مشدوداً إليه، عيناه الإثنتان مفتوحتان تماماً، أنهى حديثه الذي لم يترك موضعاً لسؤال آخر.
توجّهت إلى د.علي الوردي وطلبت منه الكلام كعالم اجتماع وكفرد في المجتمع العراقي، رأيه في هذه الظاهرة التي تستفحل يوماً بعد آخر. بدأ الوردي يتكلّم، نفى قطعيّاً كل ضرر مادّي ومعنوي للسحّارة، المشعوذين، فتّاحين الفال، بل العكس هو الصحيح فهم يقدِّمون خدمة للناس وبالتالي المجتمع، فهم يقومون بدور الأطبّاء النفسانيين، يستمعون إلى الشخص، يطمأنونه ان هناك إمكانيّة لعلاج حالته والتخلّص من همومه، ومن الطبيعي والحال هذه أن يتم دفع الثمن. د. فوزي رشيد يستمع دون تدخّل وبوجه حيادي خالي من أي انفعال، أنا ابتلعت دهشتي لم أقاطعه وإنما بادرت للرد عليه بعد أن أنهى مايريد قوله، قلت أن هذا الصنف من الناس لا علاقة لهم إطلاقاً بالطب النفسي، إنما هي وسيلة لكسب العيش حين تكون لممارسها القابليّة على التمثيل، والإبتكار، إنه الكذب والكذب يصدّقه صاحب الحاجة الذي تتنوّع أسباب مجيئه: خوف، حقد،ارتباك وغيرها، يرد الوردي أنهم يمارسون علاج نفسي ولا ضير في قبض الثمن، قلت أن ضرر الثمن قد يكون كبيراً فادحاً. طرحت اسئلة واستفهمت تكلّمت عن نتائج محتملة، اعترضت لهذا السبب أو ذاك، الوردي لا يُجيب على أي جزء من كلامي. وعبثاً حاولت، فقد أصرّ على أن السحرة لا يمثّلون ضرراً، إنهم يقومون بدور الطبيب النفسي ولا ضير في كسب العيش به.
انتهى الوقت المحدّد للبرنامج، ختمته بعبارة: استمعتم إلى آراء الدكتور علي الوردي بما يخص السحرة وفتّاحين الفال. هذه العبارة قلتها بوضوح وبتأنّي، وهي أول مرّة استعملها فلم أقلها من قبل بخصوص أحد من ضيوف البرنامج. بعدها قدّمت الشكر للمشاركين.
كان على المخرج أن يملأ استمارة بها فقرة صلاحيّة البرنامج. دخلت غرفته الصغيرة في الأستديو نظر في وجهي، كان هناك تفاهم صامت واضح، قال: أكتب غير صالحة.
لم يُعرض البرنامج في اليوم المعيّن له. اعدت الإتّصال بمدير المتحف العراقي الدكتور فوزي رشيد، لم يكن هناك بيننا حديث وتعليق على ماجرى، فقط أخبرته أن البرنامج الذي سجّلناه غير صالح للبث، سألته إن كان يوافق على الكلام في الموضوع مرّة ثانية ولكن مع الدكتورة فوزيّة العطيّة وهي استاذة علم الإجتماع في جامعة بغداد، وافق. تمّ تسجيل الحلقة وبُثت ولاقت صدىً طيّباً عند الناس.
* كنت وجدّتي يوم ما في طارمة البيت الأماميّة، مرّ رجل بدشداشة مع غطاء رأس لا استطيع له تصنيفاً، كان يعلن: فتّاح فال، أبطل العمل (إفشال السحر المؤذي)، قالت جدّتي استدعيه نتونّس، حين استدعيته ورآنا، في الحال تواطأ معي، أخفض صوته وقال: عملوا لك سحر موزين موزين، جلبوا تراب من مقبرة ورموه أمام باب بيتكم ليؤذوك، وأنا أشيله، قولي نعم وشوفي، والأجور متواضعة. الكلام يقوله بحماسة مصطنعة، حفظه غيباً وردّده مرّات لا عدد لها، ابتسمْ وأنظر إلى جدّتي التي تقول له: علّي حسّك حتى اسمع، انتهت المسألة بمجيئ أبي الذي طرده بعد استئذان جدّتي. الرجل لم يغضب ولم يتأثّر من طرده، فهو معتاد عليه، إنما وعبر سياج الدار المنخفظ ردّد ما قاله لي مع ذكر عنوانه بسرعة يُحسد عليها.
ـ روى لي شخصاً أن مشعوذاً قد أسرّه أنه يتحرّش بالنساء اللواتي يعجبنه ممن يقدمن عليه، وتتفاوت ردود أفعال النساء، فقد يُهان وحتى يُبصق عليه، وقد تذعن المرأة الضحيّة، وهذا حسب درجة اضطرار المرأة وقابلياتها المالية.
ـ روى لي رجل طلّق امرأته وتزوّج بأخرى، وكان يذهب باستمرار لزيارة بناته من الزوجة الأولى، قال ذهب مرّة جاءت ابنته ذات الست سنوات بقدح العصير ناولته إياه وبصوت منخفض مضطرب قالت له: بابا لا تشربه.بعدها عرف ان مطلّقته قد أخذت أعشاباً من الساحر/السحّار وأذابته له بالعصير ليشربه بقصد أن يكره زوجته الثانية ويطلّقها.
ـ أمام بيتنا كانت هناك حديقة كبيرة لأمانة العاصمة، في مرّة جلب عدي، طفل من أقاربنا، حمامة ملفوفة بإحكام بخيط من كل جهاتها، حاولت أن أنزع الخيط، قالت لي أمي إنه فعل سحر، اتركيها تموت بسلام، فالذي فعل هذا بها قد خاط لحمها بالريش وستتعذّب بسلّ الخيط. في يوم آخر عثر عدي وهو يلعب في حديقة الأمانة أيضاً، على جرادة كبيرة الحجم مخيّطة وملفوفة بخيط متين كما الحمامة تماماً.
** ولد الأستاذ العالم فوزي رشيد عام 1931 في بغداد. شهادة من جامعة بغداد/ قسم الآثار. دكتوراة من جامعة هادلبرك/ ألمانيا عام 1966. مدير المتحف العراقي 1968 ـ 1978. استاذ الدراسات الآثاريّة ـ استاذ اللغات العراقيّة القديمة. كليّة الآداب/ جامعة بغداد. مؤلّفاته وبحوثه: طه باقر، حياته وآثاره. نوام سين ملك الجهات الأربع. قواعد اللغة السومريّة. قواعد اللغة الأكديّة. الشرائع العراقيّة القديمة. السياسة والدين في العراق القديم. علم المتاحف. بحوث في "موسوعة حضارة العراق. مجلّة سومر الآثارية. مجلّة كليّة الآداب. كتب في السلسلة الذهبيّة التي صدرت عن دار ثقافة الأطفال في الثمانينات، العديد من سير ملوك وادي الرافدين. في عام 2009 ظهر له: ظواهر حضاريّة وجماليّة من التاريخ القديم.
توفيّ ـ رحمه الله ـ في 26ـ 3 ـ2011. أهدت عائلته مكتبته الخاصّة إلى المتحف الوطني العراقي.
شيماء الصراف، كاتبة وباحثة عراقية |