|
الثلاثاء, 14 فبراير 2012 11:34 |
اليوم الذي يبدأ بسوء، ينتهي بسوء. كان هذا هو تمام ما كتبته، في مفتتح واحدة من قصار قصصي البائدة. عنوان القصة "إعلان مدهش" وكانت مهداة الى عبد الخالق الركابي، الروائي والقاص الرافديني المدهش. بطل القصة لم يكن يمشي على عكاز، او يجعل جديلته الشائبة، تنسرح من تحت قبّعة، أو يضحك، فيفقد عيناه. أنا أحببت قصتي تلك، لكنّ مفتتحها الحكيم، ظل يطاردني كما لعنة. صرت منسجماَ حدّ التواطؤ مع ذلك المستهل الناعق. أول البارحة، صحوت على صوت خرخشة، منبعها جاء من صوب شرفتي الصغيرة. قمت متثاقلاَ مشيولاَ بقوة حدوس الأبوة وحناناتها المهلكة، لألقى الصغيرين، نؤاساَ وعلي الثاني، يسوران قفص الطيور، بالأيدي وبالدمعات السواخن وبالحيرة. كان في القفص، عصفوران، من صنف تسميه الناس الآن "فناجس" وكانت الأنثى قد باضت خمس بيضات، فكرّكت هي والذكر، فوق البيضات الدافئات، وكانت العائلة - كلها - تنطر مرأى التفقيس والتطعيم والزق الذي شفناه غير مرة ومرة، من على شاشة التلفزيون. لسوء الحظ، فإن الأمر لم يحدث، ونؤاس وعلي الثاني، مازالا يحضنان القفص برفق وهدوء، لم يكسره انشتال الأب التعبان، فوق رأسيهما. كان عليّ أن أتصرف بقوة مثل تلك التي رأيت عليها، فرقة موسيقى بديعة، ظلت تعزف لحن البقاء، وطوق النجاة، حتى اللحظة التي انقصم بها ظهر الباخرة المشهورة "تايتانيك". إنحنيت على الولدين الحلوين، ومشطت شعرهما المسدول، بأصابع حريفة، وأخبرتهما، بأن هذا الصنف من الطير، يسمى - أيضاَ- طيور الجنة. سألني نؤاس الشاطر المشاكس، سؤالاَ مربكاَ مبلبلاَ، فأجبته إجابة مفحمة، كنت تعلمتها من زخّ المخيال المرشوش فوق جسد قصتي القصيرة "إعلان مدهش". فتحت باب القفص الساكت، ومددت يدي في بطن العش المعلق بسقفه، وأمسكت بالطيرين الجامدين فوق خمس بيضات. ثمة وصلة قماش فائضة مشمورة تحت ماكنة الخياطة، خاصة ايمان. لففت الطيرين الجميلين، بقطعة القماش، وخرجت صحبة نؤاس وعلي الثاني، خارج الدار، حيث زيتونة مدرارة تنمو في مربع من تراب حر. أخبرتهما، بأن علينا أن نترك العصفورين المكفنين، تحت ظل الشجرة، وفي أول المساء، سيأتي ملك صالح، ويطير بالطيرين الى الجنة الخالدة. في تلك اللحظة المبروكة والمرتبكة ربكة فاضل الخياط، كان بوسعي أن أرى قطة من قطط شباط اللبّاط، تنزرع بموضع شبهة، حيث حاوية الزبالة، وتتلمظ وتمسح شاربيها بلسان فصيح يكاد يحكي. دخلنا الدار على قدر عظيم من راحة البال والضمير - أنا على الأقل - ويعلم الله، بأنني قد بذلت كل ما تبقى من روح هذا اليوم، من أجل أن ينسى الولدان، حكاية الملاك الصالح، وعشبة الخلود التي بلعها الطيران قبل نفوقهما، إلّا أنهما أصرا على سحلي الى مساء اليقين، كما لو أن واحدهما، بوده أن يقول لي : أنه يصدقني تماماَ، لكن فقط يريد أن يطمئنّ قلبه. بباب الدار، وفوق تراب الزيتونة، كان ثمة قطعة قماش مفضوضة، وريشات تتطاير، وقطة تتلمّظ فوق الرصيف الثاني، وترشّ علينا، تلويحات الأمتنان والحبور والرضا. عندما عدنا الى الدار، لم يكترث الولدان المضجران، لعرض "توم وجيري" الحديث، بل واصلا طعني بنبال الأسئلة الموجعة، عن سر الريش المبعثر تحت شجرة الزيتون، ووصلة القماش المتهتكة. واصلت ليلتي كلها، أحكي وأحاجج وأفسّر، حتى خدر الولدان الكبدان وناما نومة العوافي، وتركا أباهما المتدروش الحيران، منهشة ومركلة، لألف سؤال وثلاثة. كونوا بخير، أنتم والبلاد، مع زخة أحلام وردية!
علي السوداني، كاتب وصحافي عراقي. والمقال مقتبس من صحيفة "الزمان"
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
|