من أوراق الأيام

News image

صناعة اللّحوم، كيف تحولت الى أداة للتخريب؟

News image

في الأزمات الإقتصادية، مَنْ يُنفق على مَنْ؟

News image

الدول النامية تخسر اقتصاديات الدواء

News image

المظاهر السياسية للاقتصاد الريعي

News image

المشاريع الضائعة، وعدم التهاون

News image

كيف انتهى مصير الفلاحة في ظل العولمة؟

News image

لماذا لا نطلب الاقتصاد.. ولو كان في الصين؟

News image

يوجد غذاء بوفرة، فلماذا يوجد جياع؟

News image

مناجم الشمس.. ثروة إلى يوم القيامة

News image

ما السبيل الى إطعام العالم دون الإضرار به؟

News image

كيف أصبحت الثروة السمكيّة في العالم مهدّدة بالانقراض؟

News image

من يقف وراء تدهور اقتصاد الزراعة في العالم؟

News image

خرائط وحروب المياه الإسرائيلية القادمة

News image

الدولار، نهاية اسطورة عمّرت ستة عقود

مصطفى الحمداوي: "الجزيرة" بين الديماغوجية وتشكيل الوعي PDF طباعة إرسال إلى صديق
الخميس, 16 فبراير 2012 23:52

بعد مرور أكثر من عشر سنوات عن ولادة مؤسسة الجزيرة كقناة إخبارية متخصصة، وبعد أن أحدثت في الفضاء الإعلامي العربي رجة من حيث طريقة تناول ونقل وتبليغ الخبر، وبعد أن اختلفنا طويلا وكثيرا حول توجهاتها والجهات التي تتحكم فيها، إلا أن حقيقة واحدة ظلت واضحة وغير قابلة للتشكيك. القناة الجديدة فتحت في وجه المشاهد والمتلقي العربي آفاقا واسعة لاعلام يساير تطلعاته ويبعده عن نمطية القنوات المحلية التي تنتج نوعا واحدا ووحيدا من خطاب رديء لا يستجيب لمعايير الإعلام الحر النزيه.
الجزيرة التي ولجت عالم الإعلام العربي بخطاب وخط تحرير جديد يلامس وعي ومشاعر المشاهدين في كل أقطار الوطن العربي، كان لها هدف، أو ربما أهداف مسطرة لتتحكم من خلال هذه المؤسسة العملاقة في تشكيل تحول سياسي يستهدف خدمة مصالح البلد المحتضن لهذه القناة. لن أستطيع هنا الجزم بنوعية هذه الأهداف والتوجهات الاستراتيجية التي تقف خلفها، ولكن من المؤكد أن أجندة السياسة القطرية، الدولة الصغيرة، استعملت القناة كذراع طويلة لضرب أي جهة تراها لا تساير السياسة التي تنتهجها هذه الإمارة الخليجية المجهرية.
ولعلها بهذا تكون (الجزيرة – قطر) تحاول لعب نفس الدور الذي لعبه قبلها راديو صوت العرب، المنبر السمعي المصري المثير الذي كان يجمع حوله أسماع الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج. إلا أن ظروف تلك المرحلة تختلف عن ظروف هذه المرحلة بدرجة جد متباينة، حينها كان التيار القومي هو المهيمن، وكانت الدعاية لهذا التيار تتم بوسائل شتى لعل أهمها خطب الزعيم الملهم عبد الناصر من خلال راديو صوت العرب الذي كان يوظفه كأداة لهذا الغرض. جمال عبد الناصر، الرجل القوي الذي كان يحكم دولة قوية وكبيرة لها صوتها المسموع في منظمة عدم الانحياز، المنظمة التي كانت تشكل معادلة الوسط خلال الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي في القرن الماضي، مصر لم تكن مشيخة انبثقت من قاعدة إنجليزية مهملة على حدود المملكة العربية السعودية لتحولها إنجلترا إلى إمارة كما هو شأن قطر.
مصر في شخصها المعنوي آنذاك، تجاوز دورها السياسي الفعال عالميا لتخوض حروبا استنزافية ضد الكيان الإسرائيلي. إلى جانب طبعا الدور النبيل الذي وظف فيه عبد الناصر راديو صوت العرب كناطق بلسان القضية الفلسطينية ومناصرا لها ولبقية القضايا الأخرى كحرب التحرير الجزائرية الطاحنة التي كانت تدور آنذاك.
قناة الجزيرة ذراع قطر الطويلة التي غيرت الكثير من المعادلات في الواقع الجيوسياسي العربي وعلى مستويات عدة، بدأ خطابها في البداية جديدا على المشاهد العربي الذي كان قد ألف ومل قنواته المحلية المدجنة المسخرة لخدمة الحاكم وأزلامه الذين يعيثون في البلد فسادا ونهبا لا مثيل له. ومع انتشار الساطل و إمكانية التقاط القنوات الفضائية بسهولة، فان الجزيرة استطاعت بجدارة الدخول إلى كل البيوت العربية من أبوابها الواسعة. لكنها في المقابل أدخلت معها جنرالات الحرب الصهاينة لأول مرة في تاريخ الإعلام العربي إلى بيوتنا، ولأول مرة أصبحنا نسمع صوت الناطق باسم وزارة حرب الكيان الصهيوني يطل علينا بلسانه السليط ليشتم المقاومة ولينثر في وجوهنا خطابا مسموما يصدم حسنا القومي نحو أشقاءنا في فلسطين المحتلة.
لم تتوقف الجزيرة عند هذا الحد، بل عمدت إبان العدوان الأميركي على العراق، رغم التغطية الرائعة، ورغم المتابعة الدقيقة للأوضاع خلال الحرب غير المتكافئة، ورغم دفعها الثمن غاليا بإزهاق أرواح بعض صحفييها، إلا أنها استمرت تصفعنا كل مساء بالبيان اليومي للناطق باسم البنتاغون. أكثر من ذلك كانت لا تفلت أي خطاب مشبوه ومشوه للوقائع والأحداث لديك تشيني أو وزير الدفاع رامسفيلد أو الرئيس سيئ الذكر جورج بوش. طبعا لم يكن الأمر مصادفة، ولكنها كانت صفقة تم فرضها من قبل الولايات المتحدة على إمارة الغاز التي تتمركز فوق أراضيها أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، وبالضبط في منطقة السيلية، هذه القاعدة التي يفوق عدد الجنود الأميركيين فيها عدد سكان قطر قاطبة. أكيد كانت هناك عملية مقايضة سرية في الخفاء، والمتتبع لوثائق ويكيليكس لاشك قرأ شيئا حول وثيقة تشير إلى مدير شبكة قنوات الجزيرة السابق وضاح خنفر مع الأميركيين، وكيف أنه كان ينسق مع السفارة الأميركية قبل تمرير كل ما يتعلق بالأخبار الحساسة المتعلقة بالإدارة الأميركية. ولعل استقالة وضاح خنفر مباشرة بعد انتشار الخبر، لهو في الواقع مؤشر على صحة الخبر، أو جزءا منه على الأقل حتى لا نظلم الرجل.
ولكن ليس هذا هو وجه الجزيرة الوحيد والأوحد فقط، قناة الجزيرة الإخبارية لعبت دورا هاما في تشكيل الوعي لدى المواطن العربي العادي. طيلة هذه الأكثر من عشرة سنوات بعد ميلاد القناة وهي تعبئ الشارع وتبلور فكر الشباب العربي بمفاهيم لم تكن في متناوله. أكيد كلنا نعرف أن إعلام الصورة والصوت أقوى وأكثر جدوى من نظيره المكتوب، وبهذا تفوقت القناة تفوقا مدهشا على كل المنابر الصحافية الورقية المستقلة القليلة التي كانت وما زالت تحارب على عدة وجهات من أجل البقاء كصوت مسموع وسط بيئة تكمم كل الأفواه التي لا تساير الخط القويم لرجل السلطة المبجل . وبالتالي حين بدأت تتحدث الجزيرة عن قضايا الاستبداد والفساد والديموقراطية ودولة الحق والقانون، فان هذا الأمر كان بالنسبة للمشاهد أمرا جديدا فتح له آفاقا واسعة لفهم وضعيته وسط مجتمع تغيب فيه كل هذه القيم التي ذكرنا. كخلاصة نستطيع القول أن الجزيرة الإخبارية ربت جيلا كاملا وشحنته بمفاهيم لم يكن يعرف عنها إلا الشيء القليل. من منا لم يتابع برنامج الاتجاه المعاكس وتلك المشاحنات التي كانت تصل أحيانا درجة بالغة الإثارة والتشويق؟ بالإضافة طبعا إلى برامج أخرى كثيرة لا تقل حدة في نبرة ولهجة المواضيع التي كان يتلقفها المشاهد بإعجاب وتجاوب شديدين وهو يرى لأول مرة الآراء تختلف بتلك الطريقة التي لم تكن تعبر في الواقع إلا عن اختراق لطابو سياسي ظل يحكم ويلجم وعي المشاهد لعقود طويلة مستمرة.
بناء على ما ذكرنا فان الربيع العربي لم يأت صدفة أو انطلق بمحض إرادة غضب شاب اسمه البوعزيزي حرق في نفسه القهر والاستبداد الذي عاناه في دولة بوليسية قد تكون أحد أكثر الدول العربية طغيانا وديكتاتورية. كان يمكن للبوعزيزي أن يحرق نفسه ولا يسمع به أي شخص في العالم بسبب التعتيم الإعلامي وعصا القمع الغليظة، لكن ولأن الشعب التونسي تشرب قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان، ولأنه أصبح يعرف ما معنى أن تعيش في دولة ديكتاتورية يحرم فيها الفرد من أبسط حقوقه المدنية، فان هذا الشعب انتفض فجأة ورفض القبضة الحديدية التي كانت تطوق عنقه، وتخلص بشكل نهائي من الخوف الذي كان يسكنه، وبالتالي تخلص من بنعلي. وهنا نعيد التذكير مرة أخرى بأن قناة الجزيرة لعبت دورا حاسما في تشكيل وعي جيل من الشباب العربي التواق إلى الحرية والانعتاق من سلاسل العبودية. طبعا هناك حتمية تاريخية، وأن الشعب العربي لم يكن ليستمر في وضعية العيش كعبد تحت وصاية شرذمة من الحكام والجنرالات الذين لا يهمهم إلا نهب ثروات البلد وتكميم أصوات النخب الحرة التي تحاول فتح فمها لمواجهة الظلم والطغيان، ولكن ربما كان الأمر سيحتاج لوقت أطول بكثير من الوقت الذي توالت به الأحداث.
قناة الجزيرة بنظري لم تتعمد صنع تاريخ عربي جديد ولم تخطط لذلك أصلا، بل لم يخطر على بالها حدوث مثل هذا السيناريو الذي لا نزال نعيش فصوله بمختلف أطيافه، وربما أيضا لم يكن في صالح القناة إحداث هذه النقلة النوعية في بلورة وتشكيل وعي المواطن العربي من جديد.
غير أن النهج الذي وظفته القناة كخط تحرير لابتزاز بعض الدول العربية الأخرى كجارتها الكبيرة المملكة العربية السعودية، ومحاولة خطف مبادرة الريادة التاريخية من مصر، وبخلقها لنقاش داخل المجتمع العربي (بغير وعي غالبا) جعلت المواطن من المحيط للخليج يفهم حقوقه ويرفض أن يكون أداة طيعة في يد طغمة حاكمة تفعل فيه وبه ما تشاء. وبذلك انطلقت الشرارة من تونس لتستمر في مسيرتها نحو مصر ثم ليبيا واليمن وسورية، بحيث أطاحت هذه - الشرارة الثورة - في الأخير بأربعة رؤساء، والبقية تأتي، ربما.

مصطفى الحمداوي، روائي وشاعر

 

المزيد من مجتمع

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب