News image

المسلمون ما يزالون يئدون بناتهم... بمشرط العفة!

إقرأ في مجتمع الثلاثاء

News image

لماذا تصمت حكومة بغداد على القصف الإيراني؟

إقرأ في تقارير الثلاثاء

مدارات الأيام السبعة

News image

تقنية الأبعاد الثلاثية تقود المستقبل

News image

سباق السيارات الكهربائية.. إذا بدأ

News image

نحن والتخلف والبحث العلمي: كم ننفق، وكم ينفقون

News image

الطاقة النووية: الفخ والخدعة

News image

مطر، مطر. هل للمطر علاقة بالبكتيريا؟

News image

المدونات الشخصية، ماذا تعني لحرية التعبير؟

News image

بلاستيك من السكر، بعد آخر من الخشب

News image

التلوث الضوئي يعمي سكان المدن، فما العمل؟

News image

كن بخيلا مع الفايسبوك تضمن السلامة

News image

أصل الأوروبي.. فلاح شرق أوسطي أكثر جاذبية

News image

نيوتن والتفاحة: القصة الكاملة للجاذبية

News image

جرعة من المشروبات الغازية تكفي لتشغيل الموبايل

الأثر الفني وحقيقة الوجود PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأربعاء, 02 يونيو 2010 23:37

الفن والوجود

 

زهير الخويلدي - "حيثما يوجد في العمل الفني انفتاح على الموجود من حيث وجوده وكيفيته هناك انكشاف للحقيقة في الأثر"(1)

يخضع الأثر الفني إلى عدة تفسيرات وتأويلات مثل المقاربة المادية التاريخية ومنهجية التحليل النفسي ودرب التجربة الهرمينوطيقية ولعل هايدغر كان أول من حاول تاصيل قراءة الأثر الفني من زاوية فنومنولوجية خاصة مع لوحة الحذاء لفان غوغ واشعر هودرلين ولما أعلن أن "الفن يكون من حيث الماهية أصلا" وأن "كل فن هو بالأساس شعرا أي وحدة حميمية مع اللسان والكلام"[2]. وأكد أنه عندما يتم إرسال الأثر الفني إلى المتلقي قصيدة مثلا فإن عالما بأسره ينفتح له ويستدعي الإنسان الاخر بالقدوم.

بيد أنه إذا كانت التقنية هي أحدث تجليات ميتافيزيقا الذاتية التي دشنها ديكارت من خلال كوجيتوه العجيب واذا كانت العقلانية الغربية قد ساهمت في نسيان الوجود فإن الفن بإمكانه أن ينقذ الإنسان من الأوهام التي سجنته فيها التقنية وبإمكانه أيضا أن يساعده على تذكر حقيقة الوجود. ولكن لكي نسمح للأثر الفني أن يكون أثرا بالفعل ينبغي أن يكون هناك حراس للوجود يجيبون على ما يحدث للحقيقة. لهذا السبب يميز هايدغر بين الإنتاج الصناعي والإبداع الفني ويرى أن الإبداع يظهر عندما تنكشف الحقيقة في الأثر الفني وتفصح عن وجودها بوصفه صراعا بين الالهة والفانين وبين السماء والأرض. حول هذا الموضوع يقول:" إن أصل الأثر الفني هو أصل الدازاين التاريخاني للشعب"[3]، وان الاهتمام بالآثار الفنية لا يصل سوى لوجودها الموضوعي وليس لوجودها الأصيل، كما يؤكد على أن التجربة المعيشة يمكن أن تكون العنصر الذي في حضنه تغترب الآثار الفنية وتموت خاصة حينما يتعلق الأمر بالاستهلاك والتقبل الأداتي النفعي.

هكذا كان الأثر الفني مجرد رمز يسمح بشيء ما أن يشير إلى شيء آخر وكان اكتساح التقنية للعالم سبب تصحر الفن وابتعاده عن رسالته الوجودية. وهكذا يثبت هايدغر الوجود المستقل للأثر الفني عن المبدع وعن المتلقي ويؤكد استقلالية بنيته الأنطولوجية وأسبقيتها عن كل خبرة إنسانية ويرى أن الحقيقة تؤسس ذاتها في الأثر وأن الفنان يكشف عنها في شكل والمتلقي يحفظها.

على هذا النحو يتكون العمل الفني من عناصر ثلاثة هي المادة والموضوع والتعبير وتوضع كل هذه الأبعاد بشكل أو بآخر في بناء خاص بها ووفق ترتيب زماني وإطار مكاني معينين. وإذا كانت المادة أداة طيعة في يد المبدع يتصرف فيها كما يشاء سواء كانت الحركة أو الصوت أو اللفظ أو الحجارة أو الإيقاع وإذا كان الموضوع هو الرمز أو العلاقة التي تشير إلى قضية معينة أو إشكالية راهنة يحاول المبدع إثارتها وطرحها في تجربته الفنية فإن عنصر التعبير هو المجال الذي يكشف فيه الفنان عن ابتكاره واجتهاده حيث تتضح مدى قدرته على تجاوز الواقع وإعادة ترتيب الأشياء بحيث يرضي أفق انتظار الجمهور ويؤمن الاتصال بالمتلقي ويبعث فيه الحياة ويضفي عليه المعنى.

في هذا السياق الفنومينولوجي الهرمينوطيقي يرفض جورج هانس غادامير أن يكون الأثر الفني مجرد شكل محض متاح لحكم الذوق ويعمل جاهدا على نقد الوعي الجمالي نقدا مبرما نظرا لوقوعه في الاغتراب والشيئية وارتباطه بالمنهجية العلموية ويعرف الأثر الفني بالاعتماد على ثلاثية اللعب والرمز والاحتفال ويعلن أن الأثر الفني يكشف لنا عن شيء جوهري ويساعدنا على اكتشاف حقيقة الوجود المحجوب. ولكي يفهم وجود الأثر الفني يستعمل مفاهيم إغريقية هي القوة والفعل والحركة والسكون. ويشخص وضعية الفن في عصر العولمة بقوله:"حينما يعرض العمل الفني في السوق يصبح شيئا ولا يكون له عندئذ عالم ولا وطن"(4).

يقوم غادامير بإحياء السؤال العتيق حول الحقيقة الفنية وذلك بالكشف عن التباس مفهوم الثقافة الفنية في العصر التقني وبنقد التجريد المتأصل في الوعي الجمالي ويبحث عن دروب هرمينوطيقية لتشييد أنطولوجيا للأثر الفني وفي ذلك نجده يقول عن زمانية الجمالي:" إن العمل الفني لعب أي أن وجوده الفعلي لا ينفصل عن عرضه وفي هذا العرض تنبثق وحدة وهوية بنية ما."[5] إن اللعب هو الخيط الرابط في كل أنطولوجيا ممكنة للأثر الفني وان هذا الأخير لا يحتل منزلة الموضوع المتماسك وإنما يطلب في كل مرة أن يكون حاضرا بشكل جديد.

اللافت للنظر أن غادامير يربط بين دوائر ثلاثة هي الفن والحقيقة واللعب ويحاول تجاوز الاغتراب الذي أوقع فيه الوعي الجمالي الناس والرداءة التي غزت المشهد ولوثت الصورة وفي مقابل ذلك يؤكد على عنصر المشاركة والحضور في العمل الفني من قبل المتلقي كالقارئ والمتفرج والمشاهد والمتقبل. ويبرهن على ذلك بأن مشاركة اللاعب في اللعب واستغراقه فيه يجعله يفقد نفسه لصالح الجدية في اللعب وبالتالي إن الذات الحقيقية للاعب لا تعنيه فقط بل هي اللعب نفسه وبالتالي تتحول الذاتية من اللاعب إلى اللعبة. أما الموضوعية فتظهر في الأداء والإتقان الذي يبديهما اللاعب أثناء انغماسه في اللعبة وما يبدو عليه من روح المنافسة واللاغرضية والروح الرياضية والغيرة الفنية. وقد صرح في ذلك:" لقد كنت في حاجة إلى ضم ألعاب اللغة بشكل أكثر مماثلة مع ألعاب الفن التي جعلتها نموذجا للهرمينوطيقا".

علاوة على ذلك يثني غادامير على الوظيفة الرمزية التي تؤديها الآثار الفنية ويجعل من الرمز مفتاحا لإنتاج الدلالات والمعان ولكنه يتوقف أكثر عند تعاصرية الفن واستمرارية الماضي في الحاضر في زمانية الاحتفال وما يسمح به من تنشيط الذاكرة وسفر بالمخيال ومن فهم للأعمال الفنية عند المناسبات والعروض. إن المشاركة في الاحتفال لا تعني نسيان الذات والوجود خارج النفس والاغتراب في العرض وانما تمكن المرء من مقاومة السأم والارتفاع عن الانشغال بالحياة اليومية وتجاوز واقع التكرار وتذكر حقيقة الوجود المفعمة بالفرح ولو لمدة زمنية هي زمن العرض.

هكذا لا يرى غادامير حرجا في الإشادة بالفن الكلاسيكي لأن ذلك لا يعني الوقوع في التقليد والتراثية بل يدل على ألصالة وإمكانية عبور الزمان والمكان والالتحام بالعالمية. ولذلك نجده يقول:"إن كل احتفال تعبدي هو نوع من الإبداع"[6]. فهل يعني ذلك أن غادامير أرجع الفن الى حاضنة الدين؟ ألم تعمل الحداثة الاستيطيقية مع كانط على إبعاده عن المعبد وتقريبه من المخبر العلمي وتجربة العزلة الهادئة الفلسفية؟

من هذا المنطلق"إن الفن لم يكن ضروريا في الماضي وحسب بل سيبقى كذلك في المستقبل أيضا وعلى الدوام"(7).

لكن لما كانت الفلسفة في صميمها تدبرا مفهوميا ووصفا دقيقا لمختلف أبعاد التجربة الإنسانية ولما كانت الظاهرة الجمالية هي أحدها وكان الكائن الآدمي مغرما بالفن من حيث الفطرة ومتعطشا للجمال بغريزته فليس بدعا أن نرى الفلاسفة يولون عناية قصوى بهذا المطلب ونشاهد الناس في حياتهم اليومية يصرون على الفوز به والاستمتاع بمحاسنه. غير أن دراسة الفن قد اتخذت عدة أشكال ونحات نحو عدة اتجاهات إذ أراد البعض منها أن تكون مجرد دراسة تجريبية للأذواق، بينما قام البعض الأخر بدراسة نفسية للإبداع الفني والتذوق الجمالي، في حين ربط غيرهم الفن بالنشاط الحضاري وبالأطر الاجتماعية والتقاليد الثقافية، فاتجه البحث نحو علاقة الفنان بالجمهور والصلة بين الباث والمتقبل.

إن كان الفن يمثل رؤية للواقع تتجلى من خلال ذاتية الفنان وتعكس الأعمال والآثار الثقافة التي تنتمي إليها فإنه من الضروري أن يقوم هذا الجوهر النفيس بعدة أدوار ويلعب عدة وظائف ترتبط بالطاقة الإبداعية لدى الفنان وبالحاجات الاستيطيقية لدى المجتمع وبالتجليات الوجودية للحقيقة. وقد عبر هيجل عن هذه الوظيفة بقوله:"إن هدف الفن يتمثل في أن يظهر للعيان ما يتولد عن الروح"،[8] ويقصد بذلك أن العمل الفني يتوسط الحسي المحض والفكري المحض، وكما قال فلوبير:"إن مكانة المبدع بالنسبة إلى أثره هي مثل مكانة الإله بالنسبة إلى خلقه".

لكن أن نعتبر الفن رؤية للعالم ووسيط رمزي بين الإنسان وغيره وأداة للتعبير عن مكنونات الذات وحركات الفكر نحو العودة إلى ذاته فذلك أمر بديهي ولا يمكن المجادلة بشأنه ولكن أن يتحول الأثر الفني إلى سلاح نقدي يعمل على إحراج الثقافة السائدة ويقوم بفضح الحضارة الصناعية ويعري أساليبها في الخداع والتمويه ومحاصرة إمكانات الحياة فذلك ما يثير الاستغراب ويدعو الى الدهشة والتدبر، إذ كيف يا ترى تنهض الفنون بوظيفة إظهار ما يريد أن يختفي وتخفي ما يريد أن يظهر؟ والى أي مدى يجوز لنا أن نفسر الآثار الفنية بطريقة علمية؟ ألا يؤدي ذلك إلى فقدانها لهالتها السحرية واختفاء قيمتها الجمالية؟ ألم يقل سارتر:"إن الفن هو ذات الإنسان الطموحة إلى استعادة حريتها"؟ وما صحة ما قاله فرويد عن الفن بأنه "إشباع خيالي لرغبات لاشعورية ومحاولة لتفادي الصراع المكشوف مع قوى الكبت" وعن الفنان بأنه" إنسان منطو يكاد يصبح عصابيا"؟ وما قيمة الاعتبار الماركسي للفن بأنه جزء من البنية الفوقية التي تعكس ثقافة الطبقة الاجتماعية المهيمنة وتصريحه بأن"الواقع الاجتماعي هو مصدر الأفكار المحركة للعمل الفني"؟ هل يعني ذلك أن الفن مجرد إيديولوجيا تصدر الأوهام أم أنه تعبير عن حقيقة الصراع القائم بين الطبقات الاجتماعية؟ ثم ألم يقل هربرت ماركوز هو الآخر:"أن ذاتية الأفراد تنزع من خلال الفن إلى الذوبان في الواقع الطبقي"[9]؟ وألم يوكل إلى الفنان مهمة الكشف عن قمع الحضارة للغرائز وحيلولتها دون إشباع الرغبات الإنسانية؟

بيد أن الإشكال الحاسم الذي يحرج كل تفكير فلسفي في الظاهرة الفنية هو ذاك الذي يثيره مايكل دوفرون بعد قام بالوصف الفنومينولوجي للخبرة الجمالية واعتمد أسلوب التحليل وقارن الاتجاه الجمالي بالاتجاهات غير الجمالية ويتمثل في مقارنة الاتجاه الجمالي بالموضوع الحقيقي وبالموضوع المحبوب ويمكن صياغته على هذا النحو: هل أن الاتجاه الجمالي هو الاتجاه نحو المحبوب أم الاتجاه نحو الحقيقي؟

في هذا السياق يقول مايكل دوفرين:"إنني أنا الذي أمتلك الحقيقي بينما الجميل هو الذي يمتلكني"[10] ويقصد أن الاتجاه نحو الجميل يشبه اتجاه الإنسان نحو الحقيقي. ولكن التأمل الفلسفي لا يبحث بطريقة شرعية عندما يهتم بحقيقة الجمال ولذلك ينبغي التركيز على المحبوب لأن الحقيقة تكون ذاتية في العمل الفني والخصائص التي تشير إلى توجهنا نحو الحقيقي هي الانبهار الذي يعيشه المرء وهو في حالة حب التي هي أحسن تعبير عن الخبرة الجمالية التي يمكن أن يعيشها الإنسان. فكيف يا ترى يكون الاتجاه نحو المحبوب هو خير ضامن للتأليف بين الاتجاه نحو الحقيقي والجمال في الآن نفسه فيكون ماهو حقيقي جميل وماهو جميل حقيقي؟ وأليس من الأجدى أن يؤلف الفنان بين قيمتي الجميل والحقيقي من أجل أن يتجه نحو الحرية؟ ألم يقل بول ريكور في هذا الصدد:"إذا تحرر الفنانون من... فلابد أن يجعلوا أنفسهم أحرارا من أجل..."[11]؟

بيد أن التحدي الكبير بالنسبة للعرب والمسلمين هو تجاوز التناقض بين الدين والفن والإيمان بإمكانية استثمار الاحتفال بالمقدس من أجل تفعيل آلية الخلق الجمالي والمشاركة في إنتاج الآثار الفنية، فهل يجوز لنا القول بوجود فن عربي إسلامي؟ وماهي خصوصية الرؤية الجمالية في الإسلام؟

 

زهير الخويلدي، كاتب فلسفي تونسي

 

[1] M. Heidegger، Chemins qui mènent nulle part، trad W. Brokveir، éditions Gallimard. Paris،1950.

[2] M. Heidegger، Chemins qui mènent nulle part، trad W. Brokveir، éditions Gallimard. Paris،1950.

[3] M. Heidegger، Chemins qui mènent nulle part، trad W. Brokveir، éditions Gallimard. Paris،1950.

[4] H.G. Gadamer، Vérité et Méthode. Les grandes lignes d’une herméneutique philosophique (1960)، Trad.intégrale revisée et complétée par Pierre Fruchon، Jean Grondin et Gilbert Merlio، Ed. du Seuil، Paris 1996.

[5] H.G. Gadamer، Vérité et Méthode. Les grandes lignes d’une herméneutique philosophique (1960)، Trad.intégrale revisée et complétée par Pierre Fruchon، Jean Grondin et Gilbert Merlio، Ed. du Seuil، Paris 1996.

[6] Gadamer، l’actualité du Beau، trad. Donald Ipperciel، Paris، Fides، 1998.

[7] أرنست فيشر، ضرورة الفن، ترجمة ميشال سليمان، دار الحقيقة بيروت، طبعة أولى 1965.ص. 7.

[8] هيحل، المدخل إلى علم الجمال، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، 1978، ص.45.

[9] Herbert Marcuse، la dimension esthétique، Paris، Seuil، 1979.

[10] Mikel Dufrenne، Phénoménologie de l'expérience esthétique، PUF، Paris، 1953.

[11] بول ريكور، الزمان والسرد، الجزء الثالث، الزمان المروي، ترجمة سعيد الغانمي،دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت،2006.ص.289.

 

 

 

المزيد من ثقافة