News image

المسلمون ما يزالون يئدون بناتهم... بمشرط العفة!

إقرأ في مجتمع الثلاثاء

News image

لماذا تصمت حكومة بغداد على القصف الإيراني؟

إقرأ في تقارير الثلاثاء

مدارات الأيام السبعة

News image

تقنية الأبعاد الثلاثية تقود المستقبل

News image

سباق السيارات الكهربائية.. إذا بدأ

News image

نحن والتخلف والبحث العلمي: كم ننفق، وكم ينفقون

News image

الطاقة النووية: الفخ والخدعة

News image

مطر، مطر. هل للمطر علاقة بالبكتيريا؟

News image

المدونات الشخصية، ماذا تعني لحرية التعبير؟

News image

بلاستيك من السكر، بعد آخر من الخشب

News image

التلوث الضوئي يعمي سكان المدن، فما العمل؟

News image

كن بخيلا مع الفايسبوك تضمن السلامة

News image

أصل الأوروبي.. فلاح شرق أوسطي أكثر جاذبية

News image

نيوتن والتفاحة: القصة الكاملة للجاذبية

News image

جرعة من المشروبات الغازية تكفي لتشغيل الموبايل

نحن والتراث وأوهام إعادة بناء الهوية PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأربعاء, 09 يونيو 2010 22:06

د. سمير بسباس - دعاة "الهوية القاتلة" (التعبير لأمين معلوف) يأكدون على ضرورة البناء والتأسيس انطلاقا من الثوابت ويستحضرون الماضي استحضارا أسطوريا وينطلقون من عناصر الوحدة والتوحيد للتأكيد عليها وتثبيتها.

برامجهم تصاغ في عالم لا يمت للواقع المعاش واستنتاجاتهم لا تخلو من وثوقية بحيث يمكن تطبيقها مهما كانت الظروف. في نفس الوقت الذي يعشش فيه الآخر في مخيلاتهم فإنهم يتطرفون إلى الهوية باستبعاده وكأنه طرف ملغى من المعادلة. هم يأكدون على الخصوصية الثقافية وعلى أحقيتنا في النهضة والريادة ويستعيدون الأمجاد والعصور الذهبية ويبنون قصورا ويحلمون باستعادة الماضي. ينفون التنوع والاختلاف داخل الوحدة وعندما يتطرقون للتراث لا يركزون سوى على الثقافة العالمة أما ما تبقى من إرث فني وعمراني وعادات ومعارف فتلك قضايا لا يتعرضون لها. نعود ونقول إن التأكيد على الهوية بصفتها ركيزة الشخصية الجماعية وكل شخصية فردية لا تخلو من مفارقة فالهوية قابلة لكل الاختراقات والتأثيرات ومعرضة لتحولات عميقة. فنحن عرب ولكن ذلك لا يعني البتة أن تاريخنا واحد ومتجانس، نحن مسلمون ولكن ألم يصطبغ الإسلام ويتلون بشتى الألوان أينما حل وانتشر. فبين الإسلام السعودي وإسلام إيران وأفريقيا السوداء والمغرب العربي الكبير وباكستان وأندونيسيا فروق شاسعة وإن كانت تعاليم الدين الإسلامي واحدة.

 الهوية كما يشخصها التراثيون من كل المشارب هي بمثابة الانتماء في المفهوم الرياضي: كأن نقول هذه المجموعة (أ) تنتمي إلى المجموعة(ب) (sous ensemble) وكأننا بصدد كيانات جامدة.

 العديد من المفكرين العرب يأكدون على الخصوصية والامتياز والفرادة وينادون ببناء أمة على الطريقة الألمانية أمة نختزلها في فرد جماعي يهيمن على العناصر المكونة وعلى أعضائها. من المعلوم أن نشأة الأمة الألمانية واندماجها في الأنوار قد ارتكز على مفهوم خاص ركز على الثقافة واللغة وهذا خلافا لنشأة الأمة الفرنسية التي ركزت على الجانب الكوني والسياسي، فبينما استمد المواطن الألماني مفهومه للأمة ولذاته من خاصياته كألماني فإن الفرنسي وعلى لسان مونتسكيو كان يصرح "أنا إنسان بالطبع والطبيعة وفرنسي عرضا" أي أنه كان يعتقد أن مواطنته تستمد جذورها من خصوصية الثورة الفرنسية وريادتها في رفع المبادئ الجديدة. المفكرون العرب المعاصرون في معظمهم متأثرون بمثال ألمانيا وبأسلوب نشأة الأمة الألمانية وهذا جلي لدى محمد عابد الجابري وحسن حنفي وأبي يعرب المرزوقي.

 لقد شغلت الهوية العرب منذ أكثر من قرن وكان ذلك في صراع مع الخلافة العثمانية من ناحية وفي تصادم مع الاستعمار الغربي الغازي. تعددت الدعوات إلى الإصلاح السياسي والديني فهذا يدعو الى هبة دينية وآخر إلى تدعيم العروة الوثقى وآخر يدعو إلى إتمام ما بدأه الأوائل وانتقاء العناصر المضيئة والعقلانية في حضارتنا العربية الإسلامية للانطلاق منها. الكل يبحث على الثوابت وان اختلفت التقديرات والمعاينات.

 النتيجة هي أن مشاريعهم نخبوية فوقية ومشحونة بالمتناقضات. فمفهوم الهوية ظل يراوح بين الفكر التراثي والفكر الأصولي وهي تلونات لموقف واحد يركز على الجوانب الثابتة في الهوية والدفاع عنها من خطر الاندثار وترسيخ ذلك من خلال حزب أو حركة ورمز. النتيجة هي الانغلاق والتسلط والتوجس من ظهور تعبيرات فذة والتأكيد على سلامة الاختيار والدعوة إلى الحفاظ على نقاوة الفكر الجامع. النتيجة الأخرى هي أن الحركات السياسية التي تدعو لاستعادة الهوية والتمسك بالثوابت قد عرفت اهتزازات وانشقاقات وتصفيات داخلية. فبقدر سعيها الى التوحيد والوحدة بقدر ما اتسمت مسيرتها بالتجزء والانقسام.

 البعض يشبه هوس الهوية والانتماء بالحالة الانطوائية Autisme التي يصاب بها طفل يرفض التعامل مع العالم الخارجي. دعاة الهوية القاتلة يخلطون بين الوفاء (الوفاء للأم والحبيب والوطن والحضارة...) وبين التبعية والتذيل التام. نرجسية داعي الهوية القاتلة هي من طبيعة نرجسية الرضع والأطفال الصغار الذين يتمسكون بأمهاتهم ويعتبرونهن جزءا متصلا بكيانهم والحال أنه لبروز شخصية مستقلة لابد لهذا الطفل أن يقطع مع هذا التصور لكي يتمكن من الاندماج في المجتمع وهذا لا يعني أنه يتنكر لأمه.

 دراسة التاريخ والأصول يغلب عليها الجانب التقريضي والانتقائي وتقع من وجهة نظر الغالب. فالتأكيد على التراث لا ينبع من وعي بضرورة المراجعة والنقد لتحرير الفكر بقدر ما ينم عن هروب من دراسة الواقع المعاش والاختفاء وراء التراث والماضي ولو بـ"نقده" والسقوط في ما سماه البعض في لعبة النصوص وفي التفكيك والتركيب والتأويل.

 دعاة الهوية القاتلة يريدون تعميق الهوة التي تفصلنا عن الغرب وباقي الحضارات والشعوب وينادون بالنهضة انطلاقا من التراث أو من صورة وهمية عنه. في دراستهم للتراث اعتنوا فقط بالثقافة المكتوبة أو كما يسميها البعض بالثقافة العالمة والحال أنه وكما لاحظ ذلك علي أومليل ليست سوى جزء من الثقافة كان ضئيل الحضور إن لم يكن هامشيا كالفلسفة الإسلامية وحتى وهم يدرسون ذلك التراث المكتوب فإنهم لم يتساءلوا عن أسباب غياب المجتمع والسياسة كما كانا في الواقع الفعلي في الأدب السياسي الإسلامي، ما الذي جعل معظم الفلاسفة العرب والمسلمين لا يرون في المجتمع موضوعا حقيقيا لعلمهم؟

 يتوجه التراثيون الى الفلسفة العربية الإسلامية فيخلصون إلى استنتاجات تعيدهم إلى منطلقاتهم وأحكامهم الأولية يثبتونها ويدللون على صحتها. فهذا يدعو إلى البحث في "بنية العقل العربي" ويفتش عن "القطيعة الابستمولوجية" في الفلسفة العربية ليخلص إلى أن النهضة لا تكون إلا من داخل التراث (الجابري) وآخر يدعو إلى تفكيك النصوص وإلى معالجتها ويبحث عن المسكوت عنه فيها ليسقط في أحابيلها فإذا به يقر بالمعجزات والخوارق (علي حرب) وهذا يبحث عن دلائل تثبت حضور هذا الفكر أو ذاك (الفكر المادي – الفكر العقلاني...) في الفلسفة العربية الإسلامية (الماركسيون) فيستنتج بأنّ "بواكير الفكر العقلاني... أو المادي... أو الديمقراطي" موجودة في التراث العربي الإسلامي (محمد أركون). الكل يبحث عن العنصر النيّر في التراث ليتمّم على قاعدته ما بدأه الأوّلون. أما العيوب والأخطاء والانحرافات ومظاهر الاستبداد فتُلقى على الشعوبيين وأصحاب الفكر الهرمسي الدخيل على العقلية العربية. فعلى سبيل المثال هذا مطاع صفدي يعتبر أنّ "التخلّف الذي أصاب المجتمع العربي مصدره الشعوب الوافدة على الإسلام من غير العرب لأنّ هذه الحضارات الغريبة منعته من تطور اقتصادي وثقافي قادر على... تجاوز القبلية والطائفية والإقليمية".

من يحمل مثل هذه الرؤية وهذا التقييم لا يمكن له أن يتقدّم باتجاه المستقبل مادام يعتقد في نقاوة الفكر العربي وتعاليه وقدسيته ومادام يعتبر الآخر الوافد غريبا ومشوّها للتاريخ وعائقا أمام النهضة. الحقيقة عكس ذلك. في الحقيقة إنّ استعراب الشعوب التي ندعوها عربية ما كان ليحصل لولا التوسّع الإسلامي، ومن هذا المنطلق فإنّ التعرّض للهويّة العربية لابدّ له أن يراعي هذا المعطى الأساسي. لقد تداخلت ثقافات عديدة ولذلك فالثقافة العربية هي في الأصل ثقافة عربية إسلاميّة. فالفلسفة العربية هي بالأساس عربية إسلامية والفنون العربية هي بالأساس فنون عربية إسلامية. فعلى سبيل المثال المقامات الموسيقية العربية هي بالأساس من أصل فارسي وتركي أُخذت عن شعوب آسيا الوسطى كما تدلّ على ذلك أسماء المقامات (رست، نهوند، بياتي، جهاركه، سيكة،...) وكذلك الحال بالنسبة لكل الفنون الأخرى.

 يرتبط التأكيد على الخصوصية وعلى الثوابت بجزم بأنّه لكل شعب طريقته في ممارسة السلطة بل إلى اعتبار أنماط السلطة التي تعاقبت علينا أسلوبا خاصّا لممارسة الحرية (علي حرب). أما الأصوليون فهم يريدون العودة إلى الشورى وإلى العصور الذهبية الأولى. المفارقة الكبيرة أن يدعو أصوليّ من قلب عاصمة غربيّة بالرجوع إلى الخلافة والإمامة والحال أنّه يستفيد من حرّية التعبير التي مكّنته منها النضالات التي قامت بها الشعوب هناك من أجل الحقوق السياسية والاجتماعية. هم يستفيدون من نضال دام قرونا وبفضله تحصلت هذه الشعوب على جزء من حقوقها السياسية التي هي اليوم محل مراجعة من طرف العولمة الجارفة. ثم هم يشيرون لأزمة الديمقراطية في الغرب الناتجة عن هجوم النيوليبرالية وتخلّف المواطن عن ممارسة حقوقه وانصهاره في مجتمع الاستهلاك ليديروا ظهرهم لكل المكاسب السياسية التي تحققت هناك ويعتبرون أنه لنا في تراثنا السياسي ما يغنينا عن تجارب الآخرين ويرفضون التعرض للاستبداد الذي مارسه أجدادنا لأنه لا يمكن لنا أن "نحاكم نظما تاريخية بمعايير معاصرة" فلا "يعرف الحقّ بالرجل بل يعرف الرجال بالحقّ". فنحن محكومون بالتراث والإرث ولا مجال للإصلاح إلاّ بإعادة بناء علم العقائد لينسجم الحكم مع التصوّر (صلاح الدين الجورشي) و"إعادة قراءة النصّ التأسيسي" (لطفي الحاجي) وتأويله ومن ثمّة بناء تصوّر للسلطة ينطلق من هذه الأسس الأولى ويرسي "عقدا سياسيا جديدا ووطنيا يستمدّ الحقوق والواجبات من التراث الديني والمدني" (شكري المامني). لكن من سيأول ومن سيراجع و من سيبني العلوم؟ من الذي شرع لهؤلاء الحق في وضع الدساتير؟ بأي حق ينصب البعض أنفسهم أوصياء على التاريخ؟ هل نفهم من ذلك أننا سنظل كما كنا في السابق محكومين بالمرجعيات والراسخين في العلم أيا كانوا ومهما كانت منطلقاتهم؟ من يضمن لنا أن لا تخون هذه المرجعيات شعوبها وتفتي للاستعمار والاستبداد كما عودتنا سابقا؟

 

د. سمير بسباس، كاتب وطبيب تونسي

 

المزيد من ثقافة