إنصاف قلعجي - لا عجب إن كان التغييب في السجون السرية، أو القتل انتقاما، هو أسهل السبل للإسراع في تطبيق الديمقراطيات الحديثة بدل محاكمات تجري وقضاة يكونون تحت تأثير ضغوطات عديدة، أو هم ينتظرون ساعة الانتقام، حتى ولو أدى ذلك إلى تزييف الوثائق والحقائق أو.. أو.. وما يتبع ذلك من تلذذ الحكام الجدد وهم يشاهدون دم الضحايا يغمر نفوسهم بالنشوة والزهو.
فبين روما القديمة وروما الجديدة، كم علقت مشانق وفنيت أرواح وأجساد تحت طائلة التعذيب انتقاما من بشر سعوا لنيل حريتهم (وقد ولدتنا أمهاتنا أحرارا). وعبر التاريخ، كانت المحاكمات صورية، وفي غالب الأحيان كان القتل دون محاكمات، والتاريخ القديم والجديد شاهد حيّ على كل تلك الممارسات البشعة.
في رواية "سبارتاكوس ثورة العبيد"، عُذب وصُلب الآلاف من العبيد على "رموز العقاب" كما كانت تسمى، وصدرت هذه الرواية في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، ترجمها الأستاذ أنور المشرى وقدم لها الأستاذ خيري دومة، وصدرت عن المركز القومي للترجمة عام 2009. وقد أعاد الكاتب اليهودي الأميركي هوارد فاست (مؤلف الرواية) التذكير بروايته هذه، قبل وفاته بعامين وأثناء حصار العراق( توفي قبل بداية الغزو على العراق2003)، إذ يقول:" أعتقد أنه، وبعد بضع مئات من السنين من الآن، سينظر التاريخ إلينا(نحن الأميركيين) نفس هذه النظرة البائسة، ذلك أننا نحارب حروبا لا معنى لها- تماما كما حاربت روما- ونحن نفعل بالأمم الأخرى بعض الأشياء المزرية. نحن في الوقت الحالي ندمر العراق، ونحن مسئولون مثلا عن موت الآلاف من أطفاله هناك، ونحن نبرر كل هذه الخطايا، تماما كما كان الرومان يفعلون. نحن الآن حكام العالم، كما كانت روما، وكما كانت بريطانيا العظمى منذ مائة عام، ومن ثم فإنه تاريخ قديم وتاريخ معاصر في الوقت نفسه. بحساب السنين يعود سبارتاكوس إلى تاريخ مغرق في القدم، ولكنه-بالحس الإنساني- ليس مغرقا في القدم على هذا النحو..". ويقول هوارد في أحد فصول الرواية: "وأخذ يحدّق إلى جسد الزنجي الضخم المعلق في الشمس والجلد واللحم ممزقان حيث اخترقتهما الحراب والدم متجمد جاف، ورأسه بين كتفيه العريضتين. وقال سبارتاكوس في نفسه : ألا ما أشد احتقار هؤلاء الرومانيين للحياة، وما أسهل القتل عندهم، وما أعظم ابتهاجهم الخبيث بالموت. ثم سأل نفسه قائلا : وأي شيء يمنعهم من هذا ما دامت حياتهم كلها تقوم على دماء أمثاله وعظامهم؟ إن للصلب سحرا خاصا لديهم...".
في فترة الخمسينيات، تعرض فاست لمحاكمة طويلة بتهمة تتعلق، كما يقول خيري دومة في مقدمته، بالعمل ضد المصالح الوطنية الأميركية، سجن على أثرها لمدة ثلاثة أشهر في أواسط عام 1950. وخلال سجنه، تبلورت الفكرة : أن يكتب روايته عن سبارتاكوس. يقول في كتابه being red وهو عن تجربته في الحزب الشيوعي: من دون ذلك السجن لم أكن لأكتب رواية سبارتاكوس..
ويضيف في مقدمته لفصل نشره من سبارتاكوس قبل أن يتم كتابة الرواية :"في يناير عام 1950 بدأت تتبلور في عقلي، وبدأت تتجمع مادة لكتاب عن سبارتاكوس، وعن تمرد العبيد الذي قاده. كنت فيما مضى مأخوذا بقصة هذا العبد الذي زلزل الإمبراطورية الرومانية من أساسها، والذي صار رمزا لا يموت للمقاومة والنضال الطبقي، لا في ذلك الزمن البعيد فحسب، بل في زماننا نحن أيضا.. كان اسم سبارتاكوس عبر القرون يتردد على شفاه المقموعين والمعذبين والمناضلين في المجتمع. قرأت الكثير، وكافحت مع المادة التي جمعتها.. " ويضيف في مكان آخر " هؤلاء الرجال العظام الكبار المنسيون لم يعيشوا ويموتوا لكي يذهب كل ما فعلوه هباء، لقد عاشوا وحاربوا وماتوا لكي نرث الأشياء التي أقاموها ونستخدمها، ونفس الأشياء التي واجهوها يواجهها الرجال اليوم، الجميع أصبحوا سواء..".
كان سبارتاكوس يعود هادئا وادعا، وهو يضع رأسه في حجر زوجته، وعيناه مثبتتان على النجوم البعيدة، يصغي إلى غنائها :
عندما يعود الصياد من الغابة
حاملا الغزال الأحمر بعد الصيد
يلقي بنظره إلى النار
ويتحدث إلى الأطفال، وتتكلم المرأة
ويردد سبارتاكوس" إذن سنحطم روما. لقد نال العالم كفايته من روما. سنحطم روما. وسنحطم ما تؤمن به روما ".
ولئن كانت روما القديمة قد ولّت واندثرت في ثنايا التاريخ، إلا أنها أفرخت رومانيين جددا وعملاء جددا يمارسون التعذيب والقتل والتلذذ في تعذيب الضحية وتشويهها، وكأن دم الضحية تثيرغرائزهم السادية. انظر إلى الشرق وانظر إلى الغرب، تجد الرومانيين أنّى توجهت، وتسمع أنين الضحايا والمشردين والقابعين في سجون الإمبراطوريات الديمقراطية، دون اعتبار لحق الإنسان في حياة حرة كريمة، وكأن العالم قد استحال إلى سجن كبير تمارس فيه أحط أساليب تعذيب البشر.
وتحضرني مع هذه الرواية اليوم ذكرى الشهيد خميس العبيدي، أحد محامي الشهيد القائد صدام حسين، الذي اغتيل يوم 21/6/2006، وسبقه في نيل الشهادة المحاميان الشهيدان سعدون الجنابي وعادل الزبيدي عام 20005.
لكن صلب العبيد على الأعمدة لم يكن من اختصاص روما القديمة وحدها، فقد انتقل الصلب لأحرار الأمة في عهد روما الجديدة وعملائها، فخميس العبيدي كان محاميا حرا، وقف بكل كبرياء يدافع عن الحق والعدالة ضد الظلم الذي مارسته محكمة روما على قادة وأبطال العراق، فكان أن خطف الشهيد العبيدي من بيته، من بين زوجته وأطفاله، ليعثر على جثته لاحقا مشوهة وقد علقت(صلبت) على عمود كهرباء في حي أور شمال شرق بغداد. وقد شوهدت ثقوب عدة في رأسه مع كدمات قوية في وجهه الذي غطته الدماء..
حين تُغتال العدالة في كل مكان، ماذا يتبقى للإنسان؟
الرحمة لشهدائنا، والرحمة للذين ما يزالون ينتظرون.
إنصاف قلعجي، أديبة أردنية
|