من أوراق الأيام

News image

سؤال الحرية كراهن تاريخي دائم

News image

شيئ عن أوهام الديمقراطية وسواها

News image

في مفهوم العولمة: التاريخ والمعنى

News image

قانون الولاء و"أسرلة" الأرض و"يهودية الدولة"

News image

ظواهر الهزيمة على المسرح وكواليسه

News image

اليقظة المتأخرة: هل يقرأ العرب؟

News image

الصحراء الغربية في الوثائق والمعاهدات الدولية

News image

فلسطيننا وخزعبلاتهم: كلام في يهودية إسرائيل

News image

الأصوليات.. وفتن التآويل الأخيرة!

News image

متى نتقدم؟ متى يكون الاقتصاد وطنيا؟

News image

رُويبضة العصر، ومبدأ حرية التعبير..!

News image

الدولة القومية والشركات العابرة للوطنية

News image

عندما تتحوّل الحياة العصرية إلى استعمارٍ للذات

News image

يهودية الدولة ومهمة طرد "الغزاة الفلسطينيين"!

مدونات عربية

معيار الحياة الفلسفية PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأربعاء, 28 يوليو 2010 21:25

فلسفة ما دون العيش

ميشيل أونفري - كان تنظيم ندوة يوم 1 يونيو 2007 بالمدرسة العليا للأساتذة، تحت إشراف المعد الدولي للدراسات الفلسفية الفرنسية المعاصرة وبتعاون مع معهد البحث في العلاقات بين الأدب والفلسفة والأخلاق وبدعم من كوليج دو فرانس، لتأبين الفقيد بيير هادو Hadot Pierre، حدثا ينطوي على شيء من السخرية، مادام الرجل كرس حياته كي يظهر بأن الفلسفة ليست شأنا للملتقيات والمناقشات والشهادات والمؤسسات النافذة والمدارس الكبرى والجامعات والإصدارات العلمية، بل الفلسفة هي "الحياة الفلسفية".
باحثون، أساتذة جامعيون، ومنتدبون فوضتهم مديريات المدارس الكبرى، أساتذة محاضرون، ولجان دراسية، جميعهم تمحوروا حول مشروع مؤرخ الأفكار الذي رحل مؤخرا وصنعوا ما هو مألوف أي إزالة الحساسية التي ستحول قنبلة إلى صاروخ صغير ينتمي لدار المعلمين. ثلاث سنوات بعد ذلك، صدرت المداخلات في كتاب تضمن مئات الصفحات تحت عنوان : "لقاءات المدرسة العليا للأساتذة".
يعتبر بيير هادو، الكاتب الذي تأملته جيدا، وتمثلت معه بقوة أساس مساري الفلسفي، إنه أكثر الكُتاب الذين اشتريت كتبهم وأحطت نفسي بها، هو أيضا الشخص الذي أوصي بقراءته منذ مدة، لاسيما عمله : ما هي الفلسفة القديمة ؟ حينما يسألني مستمع أو قارئ، بأي شيء يتحتم عليه البدء كي ينفذ إلى القلعة الفلسفية المحروسة غالبا بشراسة من طرف بعض المحترفين الذين يكشرون عن أنيابهم كلما سعى أحد إلى اقتسامها معهم...
توجهت لقراءة بيير هادو، بفضل لوسيان جيرفانون، أستاذي السابق لمادة الفلسفة القديمة خلال سنواتي الأولى بجامعة « Caen ». لقد تعلق الأمر بمُؤلف سهل، حمل عنوان : أفلوطين أو بساطة الرؤية. عمل بسيط، واضح، مضيء وذكي، نموذج في الكتابة والتفكير يموضع منظوريا الحياة والمشروع ثم إدراك الفلسفة باعتبارها فنا لرسم حياة فلسفية أكثر منها تنميقا يبهر وبلاغة مموهة. افتُتح هذا الكتاب الصغير والمدهش باستشهاد ملائم جدا، مقتبس من عمل أفلوطين « des ennéades ». ينطق مضمونه بما يلي: "استمر دائما في نحت قوامك". وقد وظفت هاته الصورة بالنسبة لإحدى عناويني.
لازالت الحقبة الفلسفية في إطار استنساخ تعريف "جيل دولوز" الشائع، والذي حول الفيلسوف إلى مبدع للمفاهيم الجديدة أو الشخصيات المفهومية. ستقود هاته الرغبة الشديدة نحو مضاعفة التعبيرات المستحدثة بغية خلق الانطباع عن عمق حقيقي وكذا فكر أصيل. إصدار "جاك لاكان" لـ 789 مفهوم، يظهر بأنه مع وحدة القياس هاته، سننتهي بإعطاء الفلسفة لغة المعتوهين.
أين هي مفاهيم مونتين؟ لا مكان لها. إننا لا نجد في عمله « les essais » غير تأملات في الحب والموت، الضحك والدموع، الصداقة والمعاناة، الأب والطفولة، المتوحشون والأكل السريع، الحكمة والحدائق، النساء والحب، الأحاسيس والدين، الخمر والحمقى، الصحة والنوم، الموسيقى والقراءة، الحصان والسفر، بمعنى ثان الحياة...، مع الأستاذ دولوز إذن، لم يكن بوسع التلميذ مونتين غير الحصول على نقطة سيئة!
يعتقد بيير هادو Hadot، بأن الفلسفة أولا وقبل كل شيء اقتراح نموذج للحياة. مع هذا المقياس الجديد إذن، فدولوز هو من سيحرز على تنقيط رديء! أما إذا أخذنا فوكو في مراحه الأخيرة، فسينال سلسلة من التنويهات، تقابلت باستمرار مضامين الفلسفة المدرسية والوجودية، الخطاب والحياة، الكلمات والأشياء، تزدهر المفاهيم المدرسية أو السيكولائية داخل الفضاءات المؤسساتية، محتقرة في أغلب الأحيان الهاجس الوجودي. لقد جسد الثنائي هيغل، شوبنهاور هذا التعارض الكلاسيكي: المدرس الجامعي مقابل أستاذ الحكمة العملية. أحب هادو Hadot، كثيرا الجملة الرائعة لـ تورو Thoreau : "حاليا يوجد أساتذة للفلسفة ولا نتوفر على فلاسفة".
العمل الضخم والخالي من التعقيد مثلما خلفه هذا الرجل الكبير، أعطى الإمكانية ل "خطاب في المنهج" جديد وطريقة مغايرة لقراءة الفلاسفة: ليس كما فعلت معهم سابقا، البنيوية باعتبارهم منتجين لنصوص دون سياق، لكن حسب تعبير يوظفه نيتشه Nietzsche كأصحاب "ممكنات جديدة للوجود". من جهة، المثابرون على المفهوم سفسطائيي فكرة الآخرين. ومن جهة ثانية الفلاسفة الفنانون،شعراء وجودهم. تكلم هيدغر بإسهاب عن نسيان الوجود داخل المعتقلات أو فتجنشتاين الذي تخلى عن الثروة العائلية كي يعيش متقشفا داخل بيت حطاب في النرويج، تلك هي حدود التناوب.
مع منظور بيير هادو Hadot، لم تعد قراءة الفلاسفة تتم بنفس الكيفية. مثل الكاتب اليوناني لوسيان دوساموزات Lucien de Samosate وهو يسخر من الأبيقوري الخائف من الموت، ثم الرواقي وهو يرتعش فزعا أمام طبيب الأسنان، والكلبي الذي تغريه النقود، والفيلسوف الراكد وراء الأمجاد. لقد تمكن من تنظيف تاريخ الأفكار وهو يهجر بخصوص خلاصة خطاباتها فلاسفة الكرسي مقابل دعوته إلى تأمل الفلاسفة الوجوديين.
في إصداره ما قبل الأخير، جعل هادو  Hadotمن عنوانه دعوة وجودية بقدر كونه تمرينا روحيا: تذكر أن تعيش. جملة لـ غوته لكنها، في نفس الوقت مخطط للحياة، حكمة بسيطة قابلة لأن تخلق مغامرات مذهلة. مؤرخ الأفكار هذا، وقد انغمس في تحليلاته البارعة التي تتضمنها أطروحاته العلمية، تحول إلى فيلسوف حقيقي دون أن يظهر ذلك. بل، هو حكيم. فتحية تقدير.

ترجمة : سعيد بوخليط
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
نقلا عن:
Le monde : 16 mai 2010.

 

 

المزيد من ثقافة

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب