من أوراق الأيام

News image

سؤال الحرية كراهن تاريخي دائم

News image

شيئ عن أوهام الديمقراطية وسواها

News image

في مفهوم العولمة: التاريخ والمعنى

News image

قانون الولاء و"أسرلة" الأرض و"يهودية الدولة"

News image

ظواهر الهزيمة على المسرح وكواليسه

News image

اليقظة المتأخرة: هل يقرأ العرب؟

News image

الصحراء الغربية في الوثائق والمعاهدات الدولية

News image

فلسطيننا وخزعبلاتهم: كلام في يهودية إسرائيل

News image

الأصوليات.. وفتن التآويل الأخيرة!

News image

متى نتقدم؟ متى يكون الاقتصاد وطنيا؟

News image

رُويبضة العصر، ومبدأ حرية التعبير..!

News image

الدولة القومية والشركات العابرة للوطنية

News image

عندما تتحوّل الحياة العصرية إلى استعمارٍ للذات

News image

يهودية الدولة ومهمة طرد "الغزاة الفلسطينيين"!

مدونات عربية

تاريخ الأدب في النقد العربي الحديث: المنطلقات والنتائج PDF طباعة إرسال إلى صديق
الخميس, 02 سبتمبر 2010 01:33

طه حسين، عميد الأدب العربي

سعيد بوخليط - لا شك أن الحديث اليوم عن استثمار القراءة التاريخية في ممارسة الأدب، داخل النسيج الثقافي العربي، يشكل ذكرى، إلا أنها ذكرى جميلة. ومفهوم الذكرى يؤسس ذاته بمعنيين : الفهم الأول، يتأتى من كون موضوع المنهج التاريخي في قراءة الأدب، لم يعد اليوم مجالا لمشروع نقدي أو مفهوما تنظيريا لممارسة الأدب، وإنما يصلح أكثر لأطروحة جامعية ومنهجية للتدريس. لماذا ؟ لأنه بكل بساطة، التراكمات النظرية الكبيرة التي حققها الدرس النقدي، أدخل كل قراءة تتوخى تأسيس المسار الخارجي للنص، في باب الحفريات المنهجية، فلم يعد من المستساغ اليوم الحديث عن تاريخية للنص الإبداعي، بالشكل الذي تصوره نقاد القرن 19 في الغرب، أو رموز النقد التاريخي في العالم العربي. الفهم الثاني لهذه الذكرى ـ بعدها الرومانسي ـ حينما نتحدث عن المنهج التاريخي، فإننا نضع أيدينا على مشروع نقدي، كانت تطلعاته كبيرة، إلا أنه اصطدم ببنيات فكرية واجتماعية وكذا اقتصادية، جعلت من هذا المشروع مجرد طموح نظري لا أقل ولا أكثر، ظل يتردد صداه في المؤسسات التعليمية، ولم يتحول إلى نظرية لها امتداداتها الفكرية إلى كل الميادين. لهذا فإن تاريخية المشروع وامتداداته الزمنية لم تعمر طويلا، بل ألغت ذاتها في لحظة التأسيس ثم اقتصر التنظير للمشروع، على فئة الرواد. التاريخ لم يخلق له أتباعا، كما خلقه التراث، أو كما خلقته النظريات التي وجدت امتداداتها في الشارع السياسي وارتبطت بحركات جماهيرية.
إلا أن الناظر في طبيعة حضور المنهج التاريخي داخل الممارسة "النقدية العربية" سيخلص إلى مجموعة من الملاحظات يمكن أن يخرج بها في تتبعه لمسار هذه النظرية وحدود اشتغالاتها. ثم مستويات امتداداتها، وكذا البعد المفهومي الذي أعطي لها. بطبيعة الحال ما يمكن أن نقوله عن المنهج التاريخي، وتجليه في العالم العربي نسقطه على كل النظريات والمناهج النقدية الأخرى، نظرا للطبيعة الغريبة والعجائبية التي تسافر بها النظرية في سياقنا الثقافي.
أ ـ أن الذهنية العربية، تحكمها بنية معرفية، مؤسسة على نزعة تراثوية دوغماطيقية. يصعب معها ويستحيل تجذير الوعي التاريخي بالممارسة الأساسية، ذلك أن هناك مجموعة من الثوابت والمقولات النظرية التي تحكم وعينا، وتتبلور في ممارساتنا اليومية. تجعل من غير الممكن بالنسبة للذات العربية الإيمان بالمتغير. ولعل أهم خاصية معرفية آمن بها المنهج التاريخي، هذا الإحساس بأن الواقع لا يظل على حاله، وبأن معطياته نسبية تتبدل من فترة إلى فترة، ومن عصر إلى عصر. وبأن هناك جدلية بين التاريخ الخاص (تاريخ المبدع)، والتاريخ العام (التاريخ الكوني). فماهية الأدب لا تحدد نفسها بشكل أحادي، وإنما تبقى مفتوحة على كل الإمكانيات والاحتمالات. أما بالنسبة لواقع الأدب العربي فإن الذهنية العربية، لا تستسيغ هذا الموقف التحولي ليس فقط بالنسبة لممارسة فكرية كالأدب، ولكن كذلك بالنسبة لكل مكونات العالم. ولعل ذلك يرجع كما قلت إلى التراثوية التي تحكم الفكر العربي، تجعل من "الآن" الماضي اللحظة المطلقة، وأقصى ممكنات انفتاحات لحظة الواقع، بكل تجلياته الفكرية والعلمية. لهذا كان الفكر التاريخي، بالنسبة للممارسة العربية، غريبا بل مرفوضا، وفهم التاريخ باعتباره التجلي الواقعي، الذي لا يتجاوز حدود الممكن المنجز في لحظة ماضية. لقد كان من المستحيل، على طه حسين أو مندور. انطلاقات من كل ذلك، إقناع المتلقي العربي، بأن الأدب لا يكتمل في لحظة تاريخية معينة، وأن الأديب تحكمه معطيات واقعية اجتماعية، سياسية وثقافية نسبية، ولهذا فإن إنتاجه الفكري ليس مقدسا؛ ولا ثابتا؛ ولا مطلقا، وإنما متغير يحكمه منطق التاريخ.
ب ـ أن نظرية المنهج التاريخي ككل نظرية، تحتاج إلى مناخ معرفي معين، وتربة فكرية. كما تتطلب تجليات معرفية أخرى في الحقول المجاورة، لتشكل الرافد المعرفي للنظرية. أو بلغة مؤرخي العلم، أن كل نظرية سواء تشكلت في مجال العلوم الإنسانية أو العلوم الدقيقة إلا وتحتاج إلى أسس إبستمولوجية، تشكل المسوغ المنهجي، لكل حديث عن تقاطع مفاهيم المعرفة الإنسانية في لحظة تاريخية معينة، إذا كنا نؤمن بأن المعرفة الإنسانية عبارة عن مجموعة من الأنظمة المعرفية.
بالتأكيد، الحمولة المعرفية للقرن التاسع عشر، هي التي أعطت الإطار النظري والمنهجي للمشروعية المعرفية، لكل حديث عن نزعة تطورية في الأدب، وكذا إمكانية الحديث عن مشروعية تأسيس نقد علمي.
فالنظرية لا يتشكل أفقها الفكري، وتتأسس ملامحها المنهجية، إلا بعد أن تكون قد تبلورت استراتيجيتها العامة، في مجموعة حقول معرفية، وبالنسبة للمشهد الثقافي في العالم العربي نجد أن هذه المسألة لم تتأتى، قصد التسويغ المنهجي، لكل حديث عن المنهج التاريخي. ذلك أن النظرية فرضت نفسها دون أن يفرضها السياق التاريخي، من هنا غرائبيتها، بالنسبة للمرجعيات النظرية. وحتى نوضح المسألة أكثر. نقول :
1] إننا في العالم العربي لم نعرف ثورة علمية، تمكن من خلق أفق نظري بالنسبة لكل الممارسات الفكرية. في الغرب، ومن خلال النجاحات الباهرة التي جاءت بها العلوم الدقيقة وكذا علوم الحياة، جعلت الذوات الغربية لا تستسيغ أي نموذج غير نموذج هذه العلوم، وتطبيقه على الأدب. فالممارسة العلمية والواقعية أكدت ذلك، وبالتالي أصبح ممن الممكن ومن المنطقي بل من الجائز الحديث عن إمكانية التداخل المنهجي بين نموذجي العلمين : العلوم النظرية، والعلوم الإنسانية. أما بالنسبة للعالم العربي، فإن المنهج لم يتم هضمه جيدا. إنه لم يمارس فعلا ولكنه أسقط من فوق.
سيتحدث البعض عن لا تاريخية هذا التصور، لأنه يستحضر نموذجا بعينه ممكن التطبيق، ويلغى الاختلافات. كما يؤمن بحتمية المرور من نفس المراحل والخطوات ذاتها، التي مرت منها النظرية في الغرب، وهذه مسألة غير ممكنة علميا، لأنها تتدخل فيها مجموع من الاعتبارات التاريخية والاجتماعية. وكذا الفكرية، ثم خصوصية الأمم والحضارات، وبالتالي لا يمكن أن نحاسب حدود المنهج التاريخي انطلاقا من معطيات الواقع الأوروبي.
أقول، بأن المسألة لا تقوم على ثنائية النموذج والنسخة، بقدر ما تبقى وفية لمعطيات الواقع العربي بكل بنياته الفكرية، الاجتماعية، والاقتصادية. ذلك أن هذا الواقع ـ مع الأخذ بعين الاعتبار بداية اختمار المنهج التاريخي، ومع ظهور كتاب في "الأدب الجاهلي"، لمؤلفه "طه حسين"، في العشرينات من هذا القرن ـ، تحكمه بنية ماضوية. تجعل من الاستحالة تقبل الفهم التطوري الجدلي، للأشياء، فنحن نعرف بنية العالم في المنظور السلفي. لهذا سيصطدم "طه حسين"، بصعوبة اقتناع المتلقي بتصوراته المنهجية، رغم أن ما قاله "طه حسين"، وحتى ارتباطا بفترته التاريخية، ومن خلال الزخم السياسي الذي كانت تعيشه مصر في تلك الفترة، مع بداية تشكل ملامح الوعي النهضوي، لم يكن بالشيء الكثير قياسا للفعل الكوني، ولا يستحق كل ذلك الإجحاف، التي عومل بها كتابه في "الأدب الجاهلي"، باعتباره بيانا نظريا للمنهج التاريخي، لأن تجربة الشك ربما عاشتها الحضارة الأوروبية منذ القرن 17 ولربما كنا نحتاج إلى جروح ملتهبة تخترق نرجسية الذات العربية، حتى نتمكن بدورنا من اختراق التاريخ.
2] كنا في حاجة معرفية، إلى نظرية في جرأة نظرية داروين، حتى نؤمن بأن الإنسان مثله مثل باقي مكونات العالم، ليس حقيقة فوق منطق التاريخ، أو خارج إرادة العالم، وإنما يسري عليه قانون البقاء والفناء. يحكمه قانون العدم، حتى نؤمن مثلا بأن الشاعر الجاهلي ليس مطلق الشعراء، وبأن الشعر الجاهلي ليس يقينا سرمديا لمفهوم الشعر، وإنما المسائل تؤسس ذاتها في مفاهيم جديدة، وتتكون، باختلاف السياق الاجتماعي.
3] افتقد الفكر العربي إلى نظرية في التاريخ، تتجاوز التصورات الميتافيزيقية. فلا زال مجرى التاريخ في النسيج الثقافي العربي، ينظر إليه نظرة مثالية، يحكمها مبدأ، أن التاريخ من صنع قوى خفية، تؤسس حوادثه في غنى عن البشر. لقد ظل التاريخ يفهم عندنا بالشكل الذي تأسس به في العصور الوسطى في الحضارة الغربية، ذلك أن "صيرورة" التاريخ هي انحدار من المقدس إلى المدنس، فالحقيقة التاريخية اكتملت في لحظة الأصل.
بمعنى آخر، نحن في حاجة إلى نظرية وضعية للتاريخ، لكي نفهم كلام المتحدث بالمنهج التاريخي. هذا الفهم الجديد للتاريخ، سيجعل من الحقيقة الأدبية، حقيقة واقعية، تخضع لمعطيات سياقية، تجعل منها حقيقة نسبية وغير مكتملة. أما إيمان الفكر العربي الحتمي بالمقدس والمطلق الأدبيين، فإن ذلك جعل من القراءة التاريخية، قراءة غير مفهومة، وغير مؤثرة، لهذا نظر إلى المشروع باعتباره استغرابا، وتحول طه حسين إلى مستشرق.
ج ـ المسألة الأخرى التي عرقلت "حتمية" المشروع التاريخي، هو فراغ المتن الإبداعي العربي، لذا لم يجد النقاد الإطارات الفكرية لكي يمارسوا تمارينهم المنهجية افتقدوا لإبداعات روائية، أو مشروعات أدبية تكون مجالا للتطبيق المفهومي لكل تصورات أصحاب المنهج التاريخي، كما كان الشأن في الغرب. لقد وجد "تين"و "لانسون" و "سانت بوف" كل من "شاتوبريان"، و "فولتير"، و "كورني"، و "زولا"... لهذا اتجه أصحاب المنهج التاريخي العرب، إلى ما يشكل الثابث النظري لكل ممارسة ثقافية للذات العربية، أي الأدب الجاهلي، والنقد القديم. وهي بطبيعة الحال إطارات مفاهيمية قد لا تتحمل كثيرا التخريجات النظرية لأصحاب المنهج التاريخي.
د ـ هناك إشارة أخرى، وتتعلق بالزمان الثقافي للنظرية، داخل المشهد الثقافي العربي، وهي لا ترتبط طبعا فقط بنظرية المنهج التاريخي. وإنما بكل النظريات التي سافرت إلى العالم العربي، نقصد تلك السرعة الغريبة التي تتشكل بها النظريات. في ظرف نصف قرن قطعنا في العالم العربي، ما عرفته أوروبا طيلة قرون، لهذا نجد أن نظرية المنهج التاريخ، ما إن بدأت في تشكيل ملامحها الأولى، حتى انزاحت لتترك المجال لتشكلات فكرية أخرى، وأعتقد أنه لولا الجسارة الفكرية لرائدها الأول "طه حسين"، وجرأته، في طرحه للنقاش إشكالات لازالت الفكر العربي إلى اليوم، يعتبرها من الطابو الفكري. قلت لولا ذلك لاختفت نظرية المنهج التاريخي إلى الأبد. ولعل هذا التداخل الغريب لزمانية المناهج، وكذا تلاشي نظرية المنهج التاريخي في العالم العربي، دون أن تترك تأثيرا كبيرا، بل مجرد نظرية تجوب ساحة الجامعات لا أقل ولا أكثر. بالتأكيد أيضا، غياب هذا الزمان الثقافي، يعود بالإضافة إلى كل العوامل التي تحدثت عنها سابقا إلى مسألتين :
المسألة الأولى : أن النظرية في العالم العربي، لا تكون إفرازا طبيعيا للسياق الاجتماعي، نظرا لأن الأفق الفكري حتم ظهورها، بل غالبا ما تفرض النظرية حضورها المعرفي من فوق. ولعل ما يفسر هذا اللاسياق النظري، هو غياب مشروع ثقافي عربي، يحكم منطق التجاذب والتجادل المعرفي السابق يؤدي إلى اللاحق، وبالتالي لن تكون النظرية إلا استجابة لمشروع حضاري، تماما كما كانت المسألة في الغرب.
المسألة الثانية : وهي قضية أنطولوجية تتعلق بالعلاقة غير العادلة بين الأنا والآخر، بين الآنا/ العربي، والآخر/ الغربي، وهي علاقة يقومها منطق القوي والضعيف، فالآخر هو الذي يحدد أفقنا النظري، وكذا المسوغ المنهجي لكل تشكل نظري.
تلك إذن بعض الأسباب التي أدت إلى عدم تغلغل مشروع المنهج التاريخي في قلب الذات العربية، من أجل خلخلة وتفكيك المقولات الميتافيزية التي تحجب الوعي الصحيح عن هذه الذات. فما هي إذن أهم ملامح تشكل المنهج التاريخي عند رواده العرب ؟.
I ـ تجربة محمد مندور :
ولد محمد مندور عام 1907، وتوفي سنة 1956، بعد أن ترك بصمات نظرية واضحة على "النقد العربي"، فهو من الرموز الأولى، التي ساهمت في التأسيس المفهومي لهذا النقد. وقد تلقى مندور تكوينه الأدبي الأول في الجامعة المصرية، إذ التحق بها سنة 1925، ومن الصدف الغريبة أن طه حسين، كان الموجه الأساسي لمحمد مندور، لدراسة الأدب، بعد أن كان هذا الأخير مقبلا على دراسة الحقوق : (و الذي لا شك فيه ـ كما يؤكد غالي شكري ـ أن الدكتور طه حسين "هو أول من صاغ التحول الحقيقي في نظرة مندور للأدب والنقد عندما لفته إلى أهمية المناهج الغربية في دراسة الأدب وتذوقه، وبخاصة المنهج الفرنسي... ولعله سمع عن "سانت بوف" و "تين" و "برونتير" لأول مرة في محاضرات طه حسين". ويمكن أن نعد المدة التي قضاها مندور في الجامعة المصرية (1925-1929) بمثابة المقدمة التمهيدية الأولى في حياته) (1).
يعد لقاؤه إذن مع "طه حسين"، العامل الأول في تكوينه الفكري. أما إقامته الطويلة بفرنسا (1930/1939)، حيث أطلع عن قرب على الحضارة الأوروبية، وتشبع بأسسها العقلانية المتينة، فقد شكلت العامل الثاني في تأسيس رافده المعرفي: (ولعل أهم ما درسه مندور في فرنسا فقه اللغة وعلم الأصوات La phonétique. فاطلع على كتابات عالم الأصوات الفرنسي الشهير "أنطوان مييه" Antoine Meillet ودرس نظريات الألسني الكبير "فرديناند دي سوسور"، فافتتن مندور بالصوتيات وأجرى بحوثا مفيدة على الشعر العربي في معمل الصوتيات بباريس حيث حلل ثلاثة أبحر هي الطويل والبسيط والوافر. كذلك تأثر مندور بمنهج الدراسة الأدبية في السوربون، وهو منهج يقوم على شرح النصوص)(2).أما العامل الثالث في تكوين مندور النظري والمنهجي، فيرجع إلى تشبعه بآراء وتصورات الناقد "جوستاف لانسون" : (وقد اطلع على آرائه عن طريق أتباعه الذين كونوا ما يسمى بالمدرسة اللانسونية le lansonisme. ولاشك أنه تعرف على كتاباته النقدية والأدبية من خلال دروسه بالسوربون)(3). في ظل كل هذا، كان محمد مندور داعية للعدالة الاجتماعية والحرية الفكرية. وقد عاش مجموعة من التقلبات السياسية والثقافية لبلاده متأثرا خاصة بثورة الضباط الأحرار.
فما هي إذن أهم المحددات النظرية، للممارسة النقدية عند محمد مندور ؟ بعد أن حددنا، أهم المكونات النظرية، والأصول المعرفية، التي استقى منها مندور مرجعياته الفكرية والتي تمثلت في :1) التقائه بالأستاذ طه حسين، 2) إقامته بفرنسا، وقد عاين عن قرب المشروع العقلاني الغربي، 3) اطلاعه على أراء جوستاف لانسون، 4) ثم لحظة فكرية أخرى من حياته وبالضبط عام 1956، سيتعرف محمد مندور على التوجه الواقعي الاشتراكي، مما أثر في توجهه الفكري العام، حيث سيهتم بإدخال البعد الاجتماعي لتفسير الظواهر الأدبية.
يحدد "مندور" في مقدمة كتاب "النقد المنهجي عند العرب"، تصوره للعملية النقدية، وكذا مبررات الأخذ بالمنهج التاريخي، بقوله : (أساس كل نقد هو الذوق الشخصي تدعمه ملكة تحصل في النفس بطول ممارسة الآثار الأدبية، والنقد ليس علما ولا يمكن أن يكون علما وإن وجب أن نأخذ فيه بروح العلم. بل لو فرضنا جدلا إمكان وضع علم له لوجب أن يقوم ذلك العلم بذاته، ومن المعروف أن العلوم المختلفة لا تنمو وتثمر إلا بفضل استقلال مناهجها ومبادئها التي تستقي من موضوع دراستها (...) وإذن فمن الخطأ أن ننظر إلى النقد في جملته، ونصرف النظر عن مراحله التاريخية، ونرى فيه علما كامل التكوين نحاول أن نميز بينه وبين علوم اللغة الأخرى بعد أن تحجرت تلك العلوم، لأن في ذلك ما يخلق مشاكل باطلة. كما أنه لن يؤدي إلى نتائج يعتد بها في فهم حقائق الأشياء فهما تاريخيا، بل ولا فهما تقريريا، ومن الثابت أننا لا نستطيع فهم شيء فهما صحيحا بالنظر فيه عند آخر مراحله. ومعنى هذا هو أننا نفضل الأخذ بالمنهج التاريخي حتى عندما نحاول أن نضع للنقد حده)(4). جاء تحديده إذن لمفهوم النقد، ولطبيعة المنهج الذي يريد محمد مندور الاشتغال عليه. في مقدمة كتابه الهام "النقد المنهجي عند العرب"، الذي يشكل أحد المرجعيات الأساسية في قراءة التراث النقدي العربي. والكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، أعدها "محمد مندور"، تحت إشراف "أحمد أمين"، بعد عودته من فرنسا. محاولا إيجاد مجال نظري لتطبيق اشتغالاته المنهجية والنقدية، وخرج بخلاصة مفادها أن النقد العربي، لم يتشكل كممارسة منهجية خاضعة لأسس نظرية ومفاهيمية إلا في القرن الرابع الهجري، مع الآمدي مؤلف "الموازنة"، ثم مع الناقد القاضي الجرجاني، صاحب كتاب "الوساطة": (فالآمدي على حسب مندور ـ أكبر ناقد عرفه الأدب العربي، ومنهجه منهج علمي سليم. أما وسائل نقده ـ ما دام لكل منهج روح ووسائل ـ فهي المعرفة والذوق "وهو في الكثير من نقده يقوم على معان إنسانية، وذوق دقيق، وإدراك لنزعات النفوس". وأما القاضي أبو الحسن الجرجاني (1290-1366) فهو ناقد إنساني ترجع مقاييس الجودة عنده إلى الخلو من الابتدال، والبعد عن الصنعة والإغراب، ثم التأثير في نفس السامع وهزها) (5).
بخلفياته اللانسونية انطوى كتاب "النقد المنهجي عند العرب"، على قراءة جديدة للنقد العربي. خلفيات، تتجلى في التحديدات المفاهيمية للممارسة النقدية، التي لم تختلف كثيرا عن ما وضعه "جوستاف لانسون"، فبالإضافة إلى تأكيده على ثلاث حقائق ضرورية للممارسة النقدية وهي : ضرورة تبني المنهج التاريخي كمنهج يتابع ويساير تطور المعطيات، ثم أن النقد يتأسس على الممارسة الذوقية بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى استعانة النقد بالعلوم الأخرى، لأن في حدود فهم الخصوصية المنهجية والنظرية لكل حقل معرفي، وهذا يذكرنا بمؤاخذة "لانسون"، عن الموقف الدوغماطيقي الذي تبناه كل من "تين"، و "برونتيير". قلت بالإضافة إلى التحديدات السابقة، يضيف "محمد مندور"، تعريفات أخرى لحدود المفهوم، ثم طبيعة المنهج، تؤكد تقاطعه الكبير مع المدرسة الفرنسية، وبالضبط تصورات "لانسون"، والتي عبر عنها هذا الأخير، بشكل نظري صرف في مقالته "منهج البحث في تاريخ الآداب"، وهي المقالة التي سيترجمها "محمد مندور" مباشرة بعد عودته من فرنسا سنة 1939، بالإضافة إلى مقالة العالم (مييه)، بعنوان "علم اللسان" وقد ألحق مندور المقالتين بكتابه "النقد المنهجي عند العرب". يؤكد مندور بأن :(النقد هو فن دراسة النصوص الأدبية، والتمييز بين الأساليب المختلفة وهو لا يمكن أن يكون إلا موضعيا، فهو إزاء كل لفظة يضع الإشكال ويحله. النقد وضع مستمر للمشاكل، والصعوبة هي في رؤية هذه المشاكل، وهي متى وعت وضع حلها لساعته) (6). نفس التصور، الذي كان سائدا في السوربون، حيث يقوم منهجه على شرح النصوص، ومعرفة أسلوب كل نص، من خلال تحليل صياغة خصائصه الفنية والجمالية، ثم مقارنة أسلوب هذا الكاتب بذاك، واستخلاص وجهة نظره في الحياة : (تقوم هذه الدراسة على وضع المشاكل وطرحها طرحا مستمرا ومتجددا، نابعا مما تزخر به الألفاظ من طاقة فنية، وتتلخص العملية النقدية في "التنبه للمشاكل التفصيلية التي تثيرها اللفظة أو الجملة أو الفقرة في نص أدبي"، إذ "لكل جملة أو بيت مشكلته التي يجب أن نعرف كيف نراها ونضعها ونحكم فيها". وهذا ما يدفع الناقد في رأي مندور إلى أن يحبس نفسه في النص لا يفلت منه، لأنه منطلق كل عملية نقدية، وهذا هو النقد الموضعي)(7)، وهو نقد يتوخى الدقة والتركيز يحاول الوقوف عند الجملة الواحدة، وكذا اللفظة، والتنبه للمشكلات التي تثيرها. إنه البقاء في حدود الإطار النصي، ومحاولة الوقوف على تجلياته الفنية والجمالية : لهذا سيرفض "محمد مندور" إقحام علوم خارجية على النص الأدبي، كعلم النفس وعلم الاجتماع، وكذا علم الجمال. مهاجما التصور النقدي ل "محمد خلف الله"، صاحب كتاب [من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده]، أحد مبشري الاتجاه النفسي في النقد العربي، وقد دار بينهما جدالا نظريا فيما يخص تقاطع الأدب بالعلوم، وخاصة علم النفس : (فالأستاذ خلف الله يعتقد أن علاقة الأدب بالمعرفة وطيدة عبر التاريخ، وإذا كان الأدب قد اتصل بالفلسفة قديما فهو متصل في عصرنا الحاضر بالعلم ؛ ف "تيارات العلم تحتك بالأدب"، وأهمها "دراسات النفس، أو السلوك الإنساني في أوسع معانيه" فهذه وثيقة الصلة بالأدب. ولا غرو في ذلك ؛ "أليس الأدب من أروع ما تنتج نفس الإنسان ؟ أليس وليد الشخصية الإنسانية ؟ أليس المعبر عما تنطوي عليه النفس من شعور وإحساس ؟) (8). فالأستاذ خلف الله مقتنع بضرورة تطبيق نتائج علم النفس على الظاهرة الأدبية، وهو ما سيرفضه "محمد مندور"، بناء على المرجعية اللانسوية، التي كانت تعتقد، بأن ما يجب أن نستعيره من العلم ليس معادلاته، ولا اصطلاحاته، ولا قوانينه، وإنما روحه. وإن ظل مفهوم "الروح العلمية" سواء عند "لانسون" أو عند "مندور"، مبهما وغير واضح، لأن روح العلم، لا تختلف عن مكوناته المفهومية والمنهجية. وانطلاقا من ذلك، سيرفض "محمد مندور" المنهجية النفسية بل وكل المنهجيات الأخرى،التي تستند على علوم خارجية لمقاربة الظاهرة الأدبية. هكذا في رده على الناقد "خلف الله"، يعتقد "مندور". بأن : (الإنتاج الأدبي لا يفسره علم النفس ؛ فهذا العلم "لا يسعى إلا إلى إدراك القوانين النفسية العامة، التي قد تفسر حياة الأفراد العاديين إذا صح أن هؤلاء، يتشابهون". وخالقوا الأدب لا يخضعون للتحليل النفسي، ولا ينجح علم النفس في دراسة شخصياتهم : لأن نفوسهم "نفوس أصيلة، بكل نفس منها حقائق، فكيف نريد أن نطبق عليهم قوانين علم النفس العامة ؟"، ولأن النفوس ـ في رأي مندور ـ وحدات غير متشابهة في خصائصها المميزة) (9)، أو بلغة أخرى فعلم النفس يسعى إلى تعميم قوانينه وتقنيناته المنهجية، على كل الذوات، مع العلم أن هناك اختلافات أنطولوجية بين هذه الذوات. و "مندور" بهذا التصور وضع يده على مجموعة من الحقائق المتقدمة جدا: أن مفهوم الشخصية كما تشكل عند علماء الاجتماع، يخترق أي محاولة لتعميم حقائق نفسية نظرية مجردة. لا توجد إلا في ذهن الناقد، وإسقاطها على ذوات متعددة. كل شخصية لها طابعها الوجودي، الذي يعطيها تفردها. كذلك أن مفهوم التحليل النفسي تحكمه خلفية ميتافيزيقية، لأنه يتأسس على مقولات التعميم، والاختزال، وكذا الحصر. وبالتالي فالناقد، لا يؤمن بالاختلافات، بل يؤسس عمله على مفاهيم الأصل، والوحدة، والتماثل.
إن "محمد مندور" كما قلنا سابقا، لم يقتصر على مهاجمة وجهة نظر خلف الله، وإنما تجاوز ذلك إلى نقد كل مشروع نقدي ينطلق من مبدأ إسقاط العلم على الأدب، نظرا لاختلاف طبيعة الحقلين، وخصوصية كل، واحد منهما. فالاستعانة : (بالعلوم "محنة" ستنزل بالأدب، "لأن معناه الانصراف عن الأدب وفهم الأدب، والفرار إلى نظريات عامة لا فائدة منها لأحد". وموضع الداء في النقد الأدبي بحسب مندور ـ أن بعض النقاد لا يخضعون أنفسهم للنص الأدبي، وإنما يحمل كل منهم فكرة مسبقة في مسألة من المسائل التي يثيرها، في حين أن النضج الأدبي المنشود هو أن يخضع الناقد للفن، وينتزع منه مدلوله، بدلا من أن يملي عليه رأيا". وانطلاقا من هذا المبدأ يدعو مندور إلى "استقلال الأدب، وإلى أن يحبس "الناقد نفسه في الأدب")(10). لهذا حث "مندور"، النقاد على البقاء في حدود المعطيات الداخلية للنص، والبحث عن تجلياته الأدبية. فالنص لا يكتسب شرعيته إلا من إطاره الداخلي، وحضوره في ذاته. سيبحث "مندور"، عن أصول منهجيته، يستقي منها مفهومه للدراسة الداخلية للنص. وقد وجده في المنهج اللغوي : (وإذ يستمد هذا المنهج أسسه ومقوماته من اللغة فإن المعرفة التي ينبغي أن تتوافر للناقد "ليست معرفة نظرية بل معرفة لغوية وفنية، تكتسب بالدربة، وبدراسة علوم اللغة، لا بدراسة المنطق والسيكولوجيا والجمال وما إليها) (11). استقى مندور هذا المنهج من التراث النقدي العربي القديم، ومن اطلاعه على "لانسون"، والتصورات اللسانية ل "فرديناند دي سوسير" وكذا كتابات عالم الأصوات الفرنسي" أنطوان مييه Antoine meillet. بالنسبة لتأثيرات النقد القديم، أكد مندور، بأن هذا النقد كانت تتوفر له معرفة لغوية واسعة. بل أن ناقدا مثل "عبد القاهر الجرجاني" ـ والذي أعجب مندور به كثيرا ـ في تصوراته النقدية، استند إلى نظرية في اللغة، تساير "التصورات اللسانية" الحديثة، ونقصد بذلك نظريته في "النظم"، التي تمثلت اللغة عبارة عن مجموعة من العلاقات، وهو نفس التصور، الذي أكده "دي سوسور" : (يرى مندور أن منطلق الجرجاني ونقطة الارتكاز في منهجه هي أنه يفرز ما يقرره علماء اللغة اليوم من "أن اللغة ليست مجموعة من الألفاظ بل مجموعة من العلاقات". وعلى هذا الأساس بنى الجرجاني كل تفكيره اللغوي وقد استضاء مندور في دراسة الجرجاني، أو بعثه بعثا جديدا بالمناهج الألسنية المعاصرة، فربط بينه وبين مدرسة "دي سوسور"و "مييه"، وقد توقف مندور طويلا عند نظرية النظم عند الجرجاني، وأولاها أهمية كبيرة، إذ العبرة عند الجرجاني ليست باللفظ في ذاته، وإنما هي بالنظم)(12). وجد "مندور" في "الجرجاني" إذن، ـ الذي يتقاطع في تصوره اللغوي للنص، مع ما وصل إليه الفكر اللغوي الغربي، وكذا الممارسة النقدية ـ المبدأ المنهجي، الذي كان يتبناه، ألا وهو البقاء في حدود ما يبوح به النص، والوقوف على خصائص النص الجمالية، وعدم تجاوزه إلى إطارات أخرى. فالجرجاني في تصوره لتفاعل المكونات اللغوية للنص الأدبي، من خلال نظرية النظم بمضمونها الذي يؤكد على أن الكلام يبني بعضه على بعضه، سيشكل الثابت المرجعي، للناقد "محمد مندور"، في مرحلته الجمالية، الذوقية، من مشروعه النقدي، إذا اقتنعنا بتأطير محمد مندور، ضمن لحظتين نقديتين أساسيتين : هناك لحظة 1] النزعة الجمالية الإنسانية، 2] ثم المرحلة الإيديولوجية، حينما أخذ "محمد مندور" يدعو إلى تبني النهج الواقعي الاشتراكي.
إن رهان "محمد مندور"، على المنهج اللغوي يتوخى الوقوف على الخصائص الجمالية والفنية ؛ والأسلوبية للنص اللغوي، وهذا يؤدي منطقيا إلى استحضار الذوق الأدبي في الممارسة النقدية، على اعتبار أن الذوق هو التدليل العياني المباشر، وكذا الإحساس الحدسي التلقائي والعفوي بجمالية النص، هكذا يلتقي الذوق الأدبي بالمنهج اللغوي الفيلولوجي، فمن العبث في رأي مندور : (أن ندعو النقاد إلى أن يكونوا علماء فيتجردوا من كل ذوق شخصي، وذلك أنه ليس في الأدب قواعد عامة نستطيع أن نطبقها آليا. وإنما هناك ذوق هو أساس كل نقد أدبي وهناك خبرة بالشعر ومعرفة بالأدب وباللغة نحاول أن نعزز بها أذواقنا ونعللها كلما وجدنا إلى ذلك سبيلا) (13). والذوق من منظور، محمد مندور، لا يتأسس على أحكام جزافية غير معللة، وإنما يرتبط بمعرفة لغوية. تتأتى ملكة الذوق، بالمعاشرة الطويلة والدائمة للنصوص الأدبية. فهي ملكة إذن كما يقول محمد مندور تصقل بالمران.
وعلى العموم يمكن أن نختزل أهم تصورات "محمد مندور"، ونزوعها الجمالي الذوقي في مرحلته النقدية الأولى، كما عبر عنها في كتابه "الميزان الجديد" في : ([1] ـ النقد هو الدراسة الموضعية للنص الأدبي. وبذلك يصبح الأداة الوحيدة لتمييز الأساليب المختلفة، يضع الإشكال لكل لفظة، ومتى اتضحت معالم المشكلة التي تثيرها حلت على الفور، لأن الصعوبة الحقيقية كامنة، في القدرة على رؤية المشاكل، لهذا كان النقد الأدبي بمثابة "وضع مستمر للمشاكل".
2] وضع المشاكل إذن لا يدخل في اختصاصات علم الجمال أو علم النفس ولا أي علم آخر، وإنما هو الذوق الأدبي كملكة غير ضبابية أو غيبية أو مبهمة. وإنما حصيلة التأثيرات الواعية واللاواعية، أو هي رواسب العقل الخفي التي يمكن صقلها بالمران المستمر) (14).
3] (لقد استفاد "مندور" من أستاذه "لانسون"، فهو على رأس الدعاة، إلى الأخذ بالنقد التأثري شرط اصطناع الحذر "حتى يصبح الإحساس وسيلة مشروعة للمعرفة)(15).
تلك إذن أهم الملامح المفاهيمية للممارسة النقدية عند "محمد مندور"، والتي أسست أبعادها النظرية المنهجية في المرحلة الأولى من مسيرته النقدية. التي تحددت تاريخيا مباشرة بعد عودته من فرنسا، حيث جاء عمله في "الميزان الجديد"، ليضع للممارسة النقدية العربية أسسها النظرية والمنهجية، وذلك انطلاقا من الأصول النقدية التي تشبع بها أثناء دراسته في فرنسا.
أما اللحظة الثانية في الممارسة النقدية عند "محمد مندور"، فيمكن أن نسميها باللحظة الواقعية الاشتراكية، حينما تعرف على النهج الاشتراكي سنة 1956، مما أثر على كتاباته النقدية في الشعر، والمسرح، والرواية، ومبينا على المستوى المنهجي خلال هذه الفترة، البعد الاجتماعي والواقعي. وبالتالي ربط العمل بلحظته التاريخية وبالمعطيات الاجتماعية والسياسية، ويتجلى كل ذلك في قراءته التطبيقية للشعر، والمسرح وكذا القصة، ثم الرواية.
فمع ثورة الضباط الأحرار لسنة 1952، سيرفع محمد مندور شعار ومبدأ "الأدب نقد الحياة" داعيا إلى الالتزام في الأدب، والاهتمام بالفن القصصي، كما دعا إلى القصة الواقعية، الملتزمة بأداء وظيفتها الاجتماعية، وهكذا حدد "مندور" المنهج الإيديولوجي، انطلاقا من فهمه النظري للأدب الواقعي، في ثلاث مهام أساسية :
1] تفسير الأعمال الأدبية والفنية، وتحليلها مساعدة لعامة القراء على فهمها وإدراك مراميها القريبة والبعيدة، وفي هذه الوظيفة يعتبر النقد عملية خلاقة قد تضيف إلى العمل الأدبي، أو الفني قيما جديدة)(16).
2] (تقييم العمل الأدبي، والفني، في مستوياته المختلفة، أي في مضمونه وشكله الفني، ووسائل العلاج كاللغة في الأدب، والتكوين والتلوين وتوزيع الضوء والضلال في التصوير)(17).
3] (توجيه الأدباء والفنانين في غير تعسف ولا إملال، ولكن في حدود التبصر بقيم العصر وحاجات البشر ومطالبهم وما ينتظرونه من الأدباء والفنانيـن)(18).
تلك إذن باختصار شديد أهم التجليات النقدية، عند "محمد مندور" أحد رواد المنهج التاريخي في النقد العربي، وأحد الذين دعوا إلى تأطير الممارسة النقدية العربية في بناءات مفاهيمية، مستلهما في ذلك النموذج الحضاري الغربي وخاصة المدرسة الفرنسية، التي استقى منها أصوله النظرية والمنهجية.
II ـ مشروع طه حسين النقدي :
حينما نتحدث عن التراث النقدي لطه حسين فإننا نموقع النقد العربي، ضمن لحظة فكرية، كان يبحث فيها عن مشروع نقدي متكامل يغطي كل الحقول المعرفية، حيث يمثل "طه حسين"، أول رمز فكري تبنى مقولة المشروع النقدي، موظفا في سبيل ذلك آخر النظريات النقدية، التي أفرزها المشروع الفكري الغربي. هذه النظرية التي حاول بها "طه حسين" قراءة مجموعة من التجليات المعرفية العربية، تنتمي في مجملها إلى التراث العربي. ولعل محاولته المهمة والجريئة في قراءة الأدب الجاهلي، تدخل في نفس السياق الفكري، بل أهم محطاته النظرية. ذلك أن ما وصل إليه من نتائج وتخريجات منهجية تشكل ثورة مفهومية ونظرية في مسار النقد العربي. إن ما قام به "طه حسين"، لم يكن من الممكن ولوجه، لو لم ينطو على حس نقدي عميق، وعلى وعي حضاري كبير بضرورة إعطاء محفزات تاريخية للذات العربية تخرجها من مقولاتها النظرية الجافة، التي أضحت مفاهيم دوغماطيقية تكبح جماح هذه الذات. وظلت ملامح المشروع النقدي عند طه حسين، غير مكتملة بل تم وأدها في المهد نظرا لمجموعة من العوامل، عملنا على توضيحها سابقا. ولعل من أكبر المرجعيات النظرية التي حكمت المنهج النقدي عند "طه حسين" هو تأثره وتشبعه بروح القراءات الغربية وخاصة الممارسة النقدية الفرنسية، ولعل أشهر الأشياء، كذلك التي وسم بها النقاد العرب، "طه حسين"، في دراساتهم لمتنه النقدي، هو التأكيد على حضور المنهج الديكارتي، في ممارسته المنهجية، هذا المنهج الذي ينطلق من مقولة الشك والارتياب، من أجل الوصول إلى اليقين. وإن كان البعض يعتقد، أن منهج الشك هذا لم يأخذه "طه حسين". من عقلانية ديكارت وإنما يستمد مقوماته المفهومية من التراث العربي : ((ذلك لأن وجوب الشك قبل الاعتقاد منهج من أقوم مناهجها الأصلية في التفكير والبحث. فالجاحظ قبل ديكارت بسبعة قرون قد اهتدى إليه وآمن به ودافع عنه، وجعله منهجا من ألزم مناهجه في التفكير، ووسيلة من أهم وسائله للوصول إلى درجة من اليقين العلمي، فهو يشك ويدعو إلى الشك، وللشك عنده حالات موجبة لابد أن يفطن إليها الإنسان حتى يشك في مواضع الشك نفسه)) (19). هذا المنهج إذن سواء استعاره من عقلانية القرن 17، أو ينحدر من التراث العربي، كان الفهم، الذي حاول من خلاله قراءة الأدب العربي قراءة تاريخية و تطورية يقول "طه حسين" في تحديد طبيعة منهجه: (أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه "ديكارت" للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث، والناس جميعا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوا تاما، والناس جميعا يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم ظهر، قد كان من أخصب المناهج وأقواها وأحسنها أثرا، وأنه قد جدد العلم والفلسفة تجديدا، وأنه قد غير مذاهب الأدباء في أدبهم والفنانين في فنونهم، وأنه هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر) (20). هذا المنهج في رأي طه حسين يخول للناقد العربي، دراسة تاريخه الأدبي، بذهنية خالية من أي معطيات سابقة عن الموضوع، والتجرد خاصة من المشاعر والعواطف القومية، وكذا الإحساس الديني : (إذا لم ننس هذه العواطف وما يتصل بها فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف، وسنغل عقولنا بما يلائمها. وهل فعل القدماء غير هذا ؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا ؟ كان القدماء عربا يتعصبون للعرب، أو كانوا عجما يتعصبون على العرب، فلم يبرأ علمهم من الفساد) (21).
وقد اعتبر "طه حسين"، هذه المشاعر التي تحدد أفقنا النظري، اتجاه تراثنا الأدبي بمثابة "أغلال"، تكبح التحرك الحر والطبيعي، للذات العربية في اشتغالها على تراثها الأدبي، خاصة وأن هذه الذات تنظر إلى تراثها الأدبي، لا نظرة تاريخية تطورية، ولكن برؤية دوغماطيقية تحكمها نزعة تقديسية. تجعل من الصعب اختراق هذا النسيج الفكري بحس علمي موضوعي بفكر مختلف مع ذاته، يتعامل مع الحقائق باعتبارها تحققات تاريخية مرتبطة بسياق ثقافي معين، وبمعطيات اجتماعية واقتصادية وسياسية، ومن خلال تطبيق طه حسين لمنهجه التشكيك، سيخرج ببعض الخلاصات النظرية التي شكلت قطيعة منهجية، معرفية مع طبيعة الرؤية، التي تحكم الذات العربية في موقفها من التراث الجاهلي أو بعبارة أخرى. أن التخريجات النظرية لمنهجية "طه حسين" خلخلت المعهود والمألوف وهكذا يمكن لنا مثلا في هذا السياق الوقوف على بعض تصورات طه حسين بخصوص الشعر الجاهلي :
(أ ـ لا يعكس الحياة الدينية الجاهلية.
ب ـ لا يعكس الحياة الاقتصادية الجاهلية.
ج ـ يرينا الأخلاق على غير ما هي عليه في القرآن.
د ـ لا يتحدث عن البحر الذي كان يحيط بالجزيرة العربية. وباختصار أن الأدب الجاهلي لا يعكس الحياة الجاهلية بصدق على نحو ما يعكس شعر عمر بن ربيعة، وشعر أبي نواس وكتابات الجاحظ عصور هؤلاء الشعراء والكتاب) (22).
هذه التصورات تأسست بالإضافة إلى الروح الديكارتية على روافد معرفية أخرى وهي، قراءة أساتذة "طه حسين" المستشرقين للشعر الجاهلي، والمنهج اللغوي الذي طبقوه عليه، ثم تأثره بمنهج "تاريخ الأدب الإغريقي" للأخوة "كروازيت"، بالإضافة إلى قناعته المعرفية بالتصورات المنهجية لعلم النقد التاريخي، كما اشتغلت عند نقاد القرن 19، والتي كانت تفهم الأدب باعتباره تعبيرا فكريا، عن وضع اجتماعي معين، وبالتالي لا يمكن فصل الأدب عن بيئته، وكذا عن ظروف المبدع الذاتية والموضوعية، ف "الأدب ابن بيئته". انطلاقا من هذه المعطيات المنهجية، سينتهي البحث ب "طه حسين" إلى أن ((الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء.. وإنما هي منتحلة مؤلفة بعد ظهور الإسلام. فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهوائهم أكثر مما تمثل حياة الجاهلين وأن ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح، وهو عنده قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على شيئ، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي. وأن أكثر ما نقرأه من شعر امرئ القيس، أو طرفة، أو ابن كلثوم، أو عنترة ليس من هؤلاء في شيء، وإنما هو من انتحال أو اختلاق الرواة))(23).
وقد أثار هذا التصور ضجة فكرية كبيرة أدت إلى مصادرة الكتاب، بل واتهام "طه حسين" بالإلحاد، والكفر، وكذا عمالته للأطروحات الاستشراقية، ويعتقد البعض، أن "طه حسين" ما كان ليجلب عليه حساسية الرأي العام المصري في تلك الفترة : (لو لم يستغل خصومه جملا جاءت استطرادا في صلب البحث الذي عقده عن الشعر العربي واللغة، وعن القحطانية والعدنانية، والعرب البائدة والمستعربة، والخلاف الجوهري بين اللغة التي كان يصطنعها في جنوب البلاد العربية واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمالها، وقد ساق الدكتور "طه حسين" أكثر من حجة على صدق نظريته التي انتهت به إلى أن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي، لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحا وأنه وجد بين الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئا من الشعر الجاهلي قوما ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة التي كانت تتكلم لغة غير القرآن. والتي أثبت البحث الحديث أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية) (24). ولعل أهم الاستطرادات، التي جاءت في ثنايا بحثه والتي مست الشعر الجاهلي، و"استفزت" المتلقي العربي هي :
1 ـ يعتقد "طه حسين" أن حديث القرآن والثوراة عن ابراهيم وإسماعيل، وكذا إثبات قصة هجرة إسماعيل ابن إبراهيم إلى مكة، لا يكفي ذلك لإثبات وجود هذه الوقائع تاريخيا.
2 ـ مسألة أخرى تدخل في إطار انتحال الشعر الجاهلي، وإضافته إليهم، وتدخل هذه المسألة كذلك في تأثير الفكر الديني، ويتعلق الأمر بتعظيم شخص النبي وأسرته. ثم نسبه من قريش: ( اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو مناف صفوة بني قصي، وأن يكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانية...)(25).
3 ـ الاعتقاد بأن الدين الإسلامي ما هو إلا تجديدا وتطويرا، لدين إبراهيم، وبالتالي أخذ الناس بالأعتقاد، أن الإسلام هو نفسه دين إبراهيم.
وقد تركزت الانتقادات الموجهة إلى "طه حسين"، وكانت انتقادات عنيفة ذهبت إلى حد التظاهر والتوجه إلى البرلمان، على أربع نتائج نظرية توصل إليها طه حسين وهي : (1/ أنه كذب القرآن في إخباره عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. 2/ أنه أنكر القراءات السبع المجمع عليها فزعم أنها ليست منزلة من الله تعالى.3/ أنه طعن في نسب النبي صلى الله عليه وسلم. 4/ أنه أنكر للإسلام أوليته في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم)(26). تلك أهم "المقدسات" التي مسها مشروع "طه حسين"، والتي أثارت استنكار الرأي العام الفكري في تلك الفترة، وتطورت إلى درجة الدعوة إلى إلغاء وظيفة "طه حسين" الجامعية، كأستاذ بها، وإحالته على النيابة. والأهم من ذلك أنه منذ تلك الفترة حكم على المشروع النقدي لطه حسين بالموت، وأصبح ينظر إليه بنفس النظرة التي يتخذها العرب من المستشرقين، وأضحت مقولاته النقدية، يشوبها نوع من الارتياب والشك. وهذا ما يثير التساؤل حول حدود الوعي اللبيرالي في ممارسة الفكر العربي، ما إمكانية امتداد الرؤية اللبرالية إلى ممارساتنا اليومية ؟ خاصة إذا كانت المسألة تتعلق بمقولات كبرى تحكم الذات العربي، وتؤسس فهمها للعالم. مثل التراث، وما ينطوي عليه من تجليات مفاهيمية من أدب، وشعر، ومشاعر، وعقائد، وسياسة.... قلت هذا، لأن كل الدعوات الليبرالية في الوطن العربي، وطموحاتها النظرية ستجد نفس المصير : دعوة الشيخ علي عبد الرزاق صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، الذي شكك في البعد الديني، لمفهوم الخلافة، مؤكدا بأن الخلافة ليست أصلا من أصول الإسلام، وإنما هي مسألة سياسية أكثر منها دينية، وأن الخلافة لم ترد في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية. وإنما هي قضية دنيوية...، و بالطبع ستجر هذه المواقف على الشيخ علي عبد الرزاق الويلات، وتعرض لنفس مصير "طه حسين" ولكن بشكل آخر. ما يقال عن هاتين الشخصيتين، يمكن أن نقوله على أحمد أمين، أو الكواكبي... أو أدونيس...، هناك خلل إذن في بنية الذات العربية. وأعتقد بأن أهم مواطن الخلل، هو ما يمكن أن نسميه مع "عبد الله العروي"، عدم تمكن العقل العربي من هضم أسس ومفاهيم الفكر اللبيرالي. وأضيف بأن عدم تجذر الوعي اللبيرالي في البنية الذهنية العربية يتأتى من كون الذات العربية لم تتعرض لهزات عنيفة، تخلخل معتقداتها، والتي تحولت مع تراكم السنين إلى اشتغالات دوغماطيقية. ذلك أن علاقتنا بالعالم ظلت منسجمة يحكمها منطق اليقين والثبات، خاصة وأن المرجعية الدينية، تشكل إطارا للارتياح الفكري والعقائدي. وما دام الحال كذلك، فإن الواقع العربي لا يتحمل أي مفهوم يتجاوز "أفقه المفاهيمي"، وبالتالي ستظل محاولة "طه حسين " وغيره، مجرد أحلام رومانسية مثالية، غالبا ما تفيق على أضغات كابوس مرعب ومخيف.
قلت كل ذلك، لأن قراءة طه حسين للشعر الجاهلي، وهي جديدة في منهجها ومضمونها، حكمتها مجموعة من الخلفيات المنهجية الجديدة عن الثقافة العربية. وتتجلى جديتها في أنها : (أكدت فكرة ارتباط الأدب بالمجتمع وتفاعله معه وفهمه من خلاله، وهو ثانيا نبه إلى فكرة حرية الباحث وتجرده، وبالغ في هذا التنبيه أمدا... عرضه لكثير من المتاعب، وهو ثالثا قدم طرق وأساليب الغرب في دراسة الأدب والنقد فصور ما ذهب إليه "سانت بوف" من ترتيب شخصيات الأدباء للأمة في فصائل وأنواع على نحو ما يرتب علماء النبات الفصائل النباتية، ورسم في دقة ما ذهب إليه "تين" من أن الأديب إنما هو ثمرة حتمية لقوانين الجنس والزمان والمكان. وأوضح كيف أن "برونتيير" طبق على فنون الأدب وأنواعه نظرية داروين في التطور والنشوء والارتقاء)(29). فخرجت بنتيجة التشكيك في وجود شيء اسمه الشعر الجاهلي، وإنما هو منتحل. يعتبر ذلك نواة "طه حسين" وأهم الركائز النقدية في مشروعه، بل أهم أطروحاته المفاهيمية. لم يعرف "طه حسين" بشيء أكثر مما عرف بموقفه هذا من الشعر الجاهلي. ولعل اشتغاله بالأدب الجاهلي، يندرج في إطار مشروع متكامل، لقراءة تاريخ الأدب العربي.
كيف سيبلور طه حسين منهجه التاريخي هذا إذن ؟ وما هي أهم المحددات المفاهيمية التي سيؤطر بها منهجه ؟ يقول " طه حسين" وهو يتحدث عن الأدوات المنهجية التي يجب توفيرها لمؤرخ الأدب : (وإذا الباحث عن تاريخ الآداب ليس عليه أن يقتن علوم اللغة وآدابها فحسب، بل لابد له أن يلم إلماما بعلوم الفلسفة والدين، ولابد أن يدرس التاريخ القديم والحديث وتقويم البلدان درسا مفصلا، وإذ الباحث عن تاريخ الأداب لا يكفيه من درس اللغة حسب البحث عما في القاموس واللسان وما في المخصص والمحكم، وما في التكملة والعباب، بل لابد له مع ذلك من أن يدرس أصول اللغة القديمة ومصادرها الأولى، وإذا الباحث عن تاريخ الآداب لابد له من أن يدرس علم النفس للأفراد والجماعات إذا أراد أن يتقن الفهم لما ترك الكاتب أو الشاعر من الآثار وإذا باللغة العربية وحدها لا تكفي لمن أراد أن يكون أديبا ومؤرخا للآداب حقا إذ لابد له من درس الآداب الحديثة في أوروبا، ودرس مناهج البحث عند الفرنج بلغة ما كتبه الأساتذة الأوروبيون في لغاتهم المختلفة)(28). في هذا النص الطويل، يحدد إذن الإطار المنهجي الذي يجب على مؤرخ الأدب التحرك داخله، وكذا الشروط المعرفية الواجب توافرها فيه، والتي نختزلها في شرط معرفي وأحد هو : "الموسوعية المعرفية". للإلمام بالظاهرة الأدبية، وبكل معطياتها. فلابد إذن، لهذا الباحث أن :
1/ يتقن علوم اللغة من بلاغة، عروض، النحو، الصرف وفقه اللغة...
2/ الإلمام بعلوم الفلسفة، علوم الدين، علم النفس وعلم الاجتماع...
3/ الدراية الكبيرة بالتاريخ القديم والحديث، ثم المعرفة المفصلة والدقيقة بالمعطيات الجغرافية.
4/ الاطلاع على اللغات الأجنبية، وذلك لمعرفة الآداب الأخرى، الوقوف عند لغة واحدة لا يكفي بالنسبة لمؤرخ الأدب.
5/ معرفة أصول اللغات القديمة، ومعطياتها الأولى.
6/ معرفة المعطيات النفسية، للأفراد والجماعات، والذين ينكب مؤرخ الأدب على دراستهم، وذلك من أجل فهم آثارهم الفكرية والأدبية...
تلك إذن أهم الشروط، التي حددها "طه حسين" بالنسبة لمؤرخ الأدب، والتي كانت متأتية لطه حسين نفسه، لذا كان مؤرخا للأدب بامتياز، ذلك أنه إذا استقرأنا هذه الشروط وجدناها متوفرة في شخصية "طه حسين"، كما عكسها بين ثنايا اشتغالاته الفكرية. فمن المؤرخ إلى الناقد، ثم الروائي وكذا المترجم، إلى الأديب بمفهومه القديم، حيث يجمع بين التكوين اللغوي القديم ـ مع الإلمام الواسع بالمعطيات الثقافية المعاصرة. لقد توفر لطه حسين ـ كل ذلك بفعل تتلمذه على مدرستين، أحدهما يمكن القول بأنها تهتم بالثقافة القديمة وبالتالي سيكون منهجها في قراءة الآداب العربية قديما كذلك وأخرى حديثة، تتمثل في المنهج الذي أحدثته الجامعة المصرية، في دراسة الآداب العربية، ونقصد بالاتجاه الأولى، ما تلقاه "طه حسين" عن أستاذه "سيدي علي المرصفي"، أحد أهم أساتذته في الأزهر، ويدين له طه حسين بالكثير، حيث يقول في حقه : (أستاذنا الجليل، السيد علي المرصفي أصح من عرفت بمصر فقها في اللغة وأسلمهم ذوقا في النقد وأصدقهم رأيا في الأدب وأكثرهم رواية للشعر ولاسيما شعر الجاهلية والإسلام )(29). فالأستاذ "سيد علي المرصفي جسد المرجعية النظرية والفكرية، لفهم الآداب العربية. (فالمرصفي علم طه حسين كيف يقرأ النص العربي، كيف يفهمه، وكيف يتمثله،وكيف يحاكيه،علمه إذا كيف يقرأ النص العربي قراءة صحيحة وسليمة في لغته وعروضه وكيف يفهم ألفاظه ومعانيه ومستغلقاته اللغوية والنحوية وكيف يتذوقه كلغة ومعان شعرية عربية قديمة وأساليب ستمد "طه حسين " برصيد هام في كتابته الأدبية) (30). والأستاذ "علي المرصفي" من بين الرموز الفكرية التي عملت على تطوير النقد والأدب العربيين، وهو تطور حدث في الأزهر : (على يدي كل من الشيخ سيد المرصفي، والشيخ حمزة فتح الله حين اتبع الشيخان نفس أساليب دارسي الأدب القدماء وفي مقدمتهم " المبرد" و "القالي" و"الجاحظ" حيث العناية في الدرس تتجه أولا إلى جمع النصوص الشعرية والنثرية المختارة بالإضافة إلى طائفة من الحكم والملح والأخبار والأمثال،ثم يتناولان ذلك تناولا يعني باللغة والبلاغة والتذوق وما إلى ذلك)(31). وكانت هذه أول الخطوات الأساسية في تطوير العناية بالآداب العربية، ستعقبها خطوات تجلت في أعمال، جورجي زيدان، ومصطفى صادق الرافعي، ثم جهود عباس محمود العقاد. ثم الأبحاث التي خرجت من الجامعة المصرية والذي درس بها بعض المستشرقين من أمثال " كارلونلينو"و"فييت"....
والرافد المعرفي الثاني بالنسبة لطه حسين، الذي فتح أعينه على المنهجيات الجديدة في قراءة الآداب العربية، يتمثل في التأثير الذي أحدثه المستشرق كارلونلينو، وهو التأثير الذي سيفيده في استخراج علم جديد إسمه :"تاريخ الآداب". وتبلور القراءة الخارجية للنص العربي. يقول "طه حسين " عن هذا المنهج الجديد إن : (المذهب الذي أحدثته الجامعة المصرية في درس الآداب بمصر نافع النفع كله لاستخراج نوع من العلم لم يكن لنا به عهد مع شدة الحاجة إليه وهو تأريخ الآداب تأريخا يمكننا من فهم الأمة العربية خاصة والإسلامية عامة فهما صحيحا، حظ الصواب فيه أكثر من حظ الخطأ ونصيب الوضوح فيه أوفر من نصيب الغموض) (32). ولعل في كل ذلك، ومن خلال تأثير الرجلان على فكر"طه حسين" يتحقق الفهم المنهجي، الذي أعطى لتاريخ الأدب في المشروع النقدي لطه حسين، بتأسيس المنهجية التاريخية على نظرة متكاملة تحاول الإحاطة بكافة معطيات الظاهرة الأدبية، "فالمرصفي" كان بالنسبة لطه حسين مرجعا لغويا مكنه من فهم الاشتغالات الداخلية للنص، مكوناته اللغوية والأسلوبية، ونحن نعرف جيدا متانة النص العربي القديم من حيث بلاغته وتركيبه اللغوي المكثف، مما يجعل من الصعوبة اختراقه، مادمت لا تتوفر على تكوين لغوي قوي. وقد تأتى هذا الشرط لطه حسين بفضل تتلمذه على شيوخ الأزهر وخاصة المرصفي : (لقد علمه إذا كيف يقرأ النص العربي قراءة صحيحة وسليمة في لغته وعروضه وكيف يفهم ألفاظه ومعانيه ومستغلقاته اللغوية والنحوية وكيف يتذوق كلغة ومعان شعرية عربية قديمة وأساليب ستمد "طه حسين" برصيد هام في كتابته الأدبية (...) وتعتبر هذه القراءة أساسية في العملية النقدية التي سيتعامل معها "طه حسين" في دراسته للنص الأدبي، كما تعتبر ثابتا أساسيا سيوجه مشروع كتابته النقدية عندما يحاول البحث عن قراءة جديدة وصحيحة للنص العربي القديم) (33). أما الأستاذ "كارلو نلينو" فقد كان بالنسبة لطه حسين، الرافد الآخر في تشكيل منهج قراءته. وهذه المرة سيأخذ طابعا مغايرا عن قراءة "سيد علي المرصفي"، حيث يحاول الإحاطة بالظاهرة الأدبية في معطياتها الخارجية، والإلمام بسياقها البراني : (وستكون هذه القراءة للنص العربي قراءة من الخارج، إذ سيمده بالمنهج الذي سيقدم به طه حسين قراءته الأولى للناس في صياغة جديدة تكشف عن أشياء ذات بال كمال قال، حتى يتمكن الناس من فهمها وتكون قريبة إليهم ولا يشعرون بالاغتراب إزاءها كما حصل لطه حسين)(34).
تكاملت النظرة إذن بالنسبة للمشروع النقدي "عند طه حسين"، وبالتالي بقي وفيا للبرنامج المنهجي الذي خطه لكل دارس لتاريخ الأدب. قراءة لا تنفصم، ولا تجيز الاهتمام والانكباب على جانب دون آخر، إنه تصور متكامل.
وفي نص لطه حسين سيقر بأن ما تلقاه على يد "سيد علي المرصفي" و "كارلونلينو"، شكل بالنسبة إليه الأساس النظري والمنهجي، وكذا الأرضية الفكرية بالنسبة لكل ما سيأتي من بعد. أو بمعنى آخر، مشروع طه حسين النقدي، وأفقه الفكري والمنهجي، سيتحدد من خلال اشتغالاته المنهجية، المؤسسة على فكر الرجلين. يقول في هذا الإطار : (أحدها علمني كيف أقرأ النص العربي القديم وكيف أفهمه وكيف أتمثله في نفسي، وكيف أحاول محاكاته. وعلمني الآخر كيف أستنبط الحقائق من ذلك النص وكيف أصوغها آخر الأمر علما يقرؤه الناس فيفهمونه ويجدون فيه شيئا ذا بال. وكل ما أتيح لي بعد هذين الأستاذين العظيمين من الدرس والتحصيل من مصر فهو قد أقيم على هذا الأساس. الذي تلقيته منهما في ذلك الطور الأول من أطوار الشباب. بفضلهما لم أحس الغربة حين أمعنت في قراءة كتب الأدب القديم، وحين اختلفت إلى الأساتذة الأوربيين في جامعة باريس وحين أمعنت في قراءة الأدب الحديث) (35). وعلى هذا الأساس، سيتخذ مشروع تاريخ الأدب عند "طه حسين"، باعتباره تصورا شموليا للمعطيات المحيطة بالظاهرة الأدبية، ومحاولة مقاربتها من مختلف الزوايا، وكذا الحيثيات الإشكالية للمعطى الأدبي. مؤرخ الأدب حسب "طه حسين" لا يكتفي، فقط بالوقوف عند حدود التاريخ للأدب، وإنما يضطر إلى الإحاطة بالمعطيات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وكذا اللغوية... للحظة التاريخية، التي يريد العمل على موقعتها، فهذه المباحث الإنسانية الأخرى، تعتبر مكملة لعمل المؤرخ الأدبي. ولعل هذا الفهم الذي أعطاه "طه حسين" لعملية التأريخ الأدبي سيدفعه إلى تجاوز التأسيسات المنهجية والمعرفية التي تنهض عليها بعض عمليات التاريخ الأدبي. أهمها :
* استحضار المقياس والبعد السياسي في عملية التأريخ للأدب :
من أكبر تجليات هذا الفهم : اشتغال هذا الربط بين السياسي والأدبي في الثقافة العربية، حيث لازلنا نؤرخ للأدب بالدولة السياسية، وهكذا نقسم العصور الأدبية على حسب العصور السياسية. ويتم ربط ازدهار وانحطاط اللحظة الأدبية، بالاستقرار السياسي أو انحطاط الحياة السياسية. فالأدب كان راقيا في عصر بني أمية، وفي العصر العباسي، لأن الدولة العربية في تلك الفترة كانت قوية سياسيا، وتميزت كذلك بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، أو على العكس سينحط الأدب، حينما تفككت هذه الدولة وضعفت....
ينتقد "طه حسين" هذه الرؤية، ويرفض تحديد الأدبي انطلاقا من السياسي، فالمسألة غير مؤكدة. يقول "طه حسين" في هذا الشأن : (إن الحياة السياسية لا تصلح مطلقا لأن تكون مقياسا للحياة الأدبية وإنما السياسة كغيرها من المؤثرات. كالحياة الاجتماعية، كالعلم، كالفلسفة، تبعت النشاط في الأدب حينا آخر، فلا ينبغي أن يتخذ واحد من هذه الأشياء مقياسا للحياة الأدبية)(36). لكن هذا لا يعني أن "طه حسين" يتغاضى أو ينكر الصلة بين الأدبي والسياسي، وإنما يؤكد على ضرورة التعامل مع تداخل المفهومين بنوع من النسبية.
* تحديد عملية تأريخ الأدب بنوع من الدوغماطيقية :
وتجلت هذه المسألة تاريخيا في التأسيسات المفاهيمية للمشروع النقدي لرواد القرن 19 فنحن نعلم أن الهم المعرفي، الذي أعطى المسوغ النظري، لرموز نقدية، مثل : "تين"، "سانت بوف"، "برونتير"... بتأثير من العلم الطبيعي، هو تحويل تاريخ الأدب إلى "علم موضوعي" يتوخى تحقيق نتائج، تخلو من الاعتبارات الشخصية والذاتية. وقد حاول كل ناقد تحقيق هذا الهدف بطريقته.
إلا أن "طه حسين" يرفض هذا الفهم، من خلال إيمانه بالخصوصية المعرفية والمنهجية لكل حقل من الحقول النظرية، جازما بأن : (تاريخ الأدب لا يستطيع بوجه من الوجوه أن يكون "موضوعيا" صرفا، وإنما هو متأثر أشد التأثر وأقواه بالذوق، وبالذوق الشخصي قبل الذوق العام) (37). مما يجعل مسألة "العلمية"، تأخذ فهما جديدا ومغايرا داخل حقل تاريخ الأدب، عن اشتغالاتها في العلوم الأخرى.
* المقياس الأدبي :
في سبيل تجاوز الاشتغالات السابقة، يقترح "طه حسين"، فهما منهجيا يؤسس ذاته على رافدي العلمية، وكذا الفنية، أو بمعنى آخر؛ أن ينهض تاريخ الأدب على إطار نظري يمكنه من استيفاء حدود العلمية، التي تمكن له حيز "الموضوعية". ومن جهة أخرى التعبير عن الطبيعة الذاتية للعمل الفني ؛ الذي يتطلب استحضار مقولة الذوق، حيث رهان المعطى الأدبي على ذاته. ولعل في هذا النموذج الأخير، تتحدد رؤية "طه حسين"، للإطار النظري المحدد لعمل مؤرخ الأدب.
 
د. سعيد بوخليط، كاتب مغربي ويمكن الوصول اليه عبر العنوان التالي:

هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
 

 

 

 

هــوامــش:
1- مجلة فصول، اتجاهات النقد العربي الحديث، المجلة 9، العدد 3/4 فبراير 1991، ص 56.
2- نفسه، ص 57.
3- نفسه، ص 57.
4- محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، دار النهضة. مصر للطباعة والنشر القاهرة، ص 11.
5- مجلة فصول، مرجع سابق، ص 58.
6- نفسه، ص 59.
7- نفسه، ص 59.
8- نفسه، ص 60.
9- نفسه، ص 60.
10- نفسه، ص 60.
11- نفسه، ص 60.
12- نفسه، ص 60.
13- نفسه، ص 61.
14- غالي شكري : محمد مندور، الناقد والمنهج. دار الطليعة للطباعة والنشر. بيروت 1981، ص 33.
15- نفسه، ص 34.
16- عمر محمد الطالب، مناهج الدراسات الأدبية الحديثة. دار اليسر للنشر والتوزيع. ط2، 1992، ص 148.
17- نفسه، ص 149.
18 - نفسه، ص 150
19- سامح كريم، ماذا يبقى، من طه حسين؟ دار العلم، بيروت. الطبعة2، 1977، ص 62.
20 - طه حسين: في الأدب الجاهلي. دار المعارف. مصر، الطبعة 10، ص 68.
21- نفسه، ص 68.
22- أحمد بوحسن، الخطاب النقدي عند طه حسين، المركز الثقافي العربي، ط1، 1985، ص 113.
23- سامح كريم، المرجع نفسه، ص 65.
24- نفسه، ص 66.
25- نفسه، ص 66.
26 - نفسه، ص 67.
27- نفسه، ص 109/110.
28- نفسه، ص 109.
29- أحمد بوحسن، المرجع نفسه، ص 49.
30- نفسه، ص 39.
31 - سامح كريم، المرجع نفسه، ص 108.
32- أحمد بوحسن، المرجع نفسه، ص 49-50.
33- نفسه، ص 39.
34- نفسه، ص 39.
35 - نفسه، ص 38.
36- طه حسين : في الأدب الجاهلي، ص 39.
37- نفسه، ص 46.

 

المزيد من ثقافة

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب