من أوراق الأيام

News image

سؤال الحرية كراهن تاريخي دائم

News image

شيئ عن أوهام الديمقراطية وسواها

News image

في مفهوم العولمة: التاريخ والمعنى

News image

قانون الولاء و"أسرلة" الأرض و"يهودية الدولة"

News image

ظواهر الهزيمة على المسرح وكواليسه

News image

اليقظة المتأخرة: هل يقرأ العرب؟

News image

الصحراء الغربية في الوثائق والمعاهدات الدولية

News image

فلسطيننا وخزعبلاتهم: كلام في يهودية إسرائيل

News image

الأصوليات.. وفتن التآويل الأخيرة!

News image

متى نتقدم؟ متى يكون الاقتصاد وطنيا؟

News image

رُويبضة العصر، ومبدأ حرية التعبير..!

News image

الدولة القومية والشركات العابرة للوطنية

News image

عندما تتحوّل الحياة العصرية إلى استعمارٍ للذات

News image

يهودية الدولة ومهمة طرد "الغزاة الفلسطينيين"!

مدونات عربية

بين غرامشي وسارتر: فلسفة الالتزام وأدب العمل PDF طباعة إرسال إلى صديق
الجمعة, 03 سبتمبر 2010 08:54

 

انطونيو غرامشي، فيلسوف الإلتزام

زهير الخويلدي - "ليست المسألة في أن نختار العصر الذي نعيش فيه بل في أن نختار كيف نكون في العصر"
ما من شك أن التفلسف ليس مطلبا استثنائيا أو موقفا ظرفيا يمارسه البعض من الصفوة في عزلة عن المجتمع وبعيدا عن الأضواء و عن عالم الحياة وإنما هو مطلب ملازم للوضع الانساني وعلى صلة حميمة بالوجود الاجتماعي وما تشقه من تناقضات ونزاعات وهو كذلك تجربة تفكير حاذقة يتوجه إليها الجميع ويراهن عليها كل من يبحث عن تأصيل علاقته بنفسه وبالأغيار وبالمحيط الذي يحيا فيه.
كما أن الفيلسوف ليس ذلك الكائن الملائكي الذي ينعم بالصفاء والسمو ويحيا على هامش المجتمع والتاريخ ويعشق الثبات والأبدية والمطلق ويكتفي بالإقامة داخل تجربته التأملية ونسقه النظري المجرد مترفعا عن الأعمال المضنية ومتعففا عن كل ضروب التغير والنسبية وإنما هو ذلك المثقف العضوي الذي يمارس مهمة النقد والخلخلة لأشكال الاغتراب وطبقات الميراث، وهو تلك الشخصية المفهومية التي تعارض المألوف وتلتفت إلى مشاكل عصرها وتسعى إلى معالجتها وتهتم ببيئتها الفكرية وتطمح إلى تغييرها.
أضف إلى ذلك أن الفلسفة كمعرفة حذرة وتساؤل جذري ترتبط بحيرة وجودية تنتاب الفكر وبقلق علمي يلازم الذات وإنها لتنبع من الاستعصاء الذي يجده المرء أمام وضعيات قصوى مثل الموت والحب والعنف وتقتضي التسلح بجرأة غير عادية على البديهيات وببعض الوقاحة تجاه القيم التقليدية والمخاطرة.
إن الغني عن البيان أيضا أن الفيلسوف لا يمكن وصفه بأنه ذلك الإنسان الذي يستطلع الوجود ككل ويتأمل جميع الأزمنة فقط طالما أن الغاية الأولى والنهائية من وجوده هو أن ينتصر على عمره الزمني لكي يتحول إلى موجود أبدي غير زمني يسرق النار من الآلهة ويترك آثار خالدة وبصمات في حياة الآخرين.
بيد أن هذه المنزلة الرفيعة لن تتحقق له ذلك سوى بالالتزام والنقد والحرية والانتصار على كل أشكال العنف والتعصب، وهذا الدور الرسالي لن يلعبه الا عندما يفرض منطق الحق والسلم في الفضاء العمومي الذي ينتمي إليه ويصدر عنه موقف طليعي يشهد به على عصره رغم المشاكل والتحديات التي يواجهها.
أليس التفلسف بالمعنى الحقيقي للكلمة هو فن التفكير في المبادئ الكلية والأشياء الجوهرية وذلك بتطبيق منهج عقلاني ومنطقي والبحث عن مسالك ووضعيات لممارسة هذه الأشياء والالتزام بهذه المبادئ؟ وهل نقول مع الفلاسفة إن من شأن الفلسفة هو أن تهتم بقضايا عصرها وتتدخل في سياسة مصالح الناس مادام هدف الفيلسوف هو أن ينخرط في دفاتر الحياة اليومية وأن يترك أثره على وجه التاريخ ويملك زمام المبادرة؟ فما المقصود بالالتزام؟ وماهي مصادره وينابيعه؟ كيف يتحول هذا المنهج العملي إلى تجربة فلسفية بالمعنى الحقيقي للكلمة؟ وما الذي يدعو الفلاسفة إلى الانخراط في مثل هكذا تجربة؟ وماهي العوائق والمخاطر التي تعترض الشخصية الملتزمة في طريقها نحو العلم بالحق والعمل به؟ ألا يمكن أن نتحدث عن مسالك وشروط يجب أن يتقيد بها الفيلسوف لكي يعطي هذه المسلكية حق قدرها ويستوفي جميع مقوماتها؟ ثم ماهي الرهانات والمقاصد المرجوة من الالتزام الفلسفي؟ وهل الأمر يتعلق بمقاومة العبودية وسوء النية أم أنه يتوقف على التدرب على الصراحة والقناعة؟
ما السبيل إلى رفع اللبس عن التقاعس عن تجربة الالتزام من طرف العامة والخاصة على السواء؟ وكيف نقدر على التفكير في الالتزام بطريقة حاذقة حتى لا نسقط في الأخلاقويةmoralisme و لكي نتفادى النشاطويةactivisme؟ لكن ماهي الشروط التي يجب أن تتوفر في حياة المرء لكي يكون حكيما ويمثل منارة تضيء الدرب للآخرين؟ وكيف يمكن تطوير طرق في الحياة والتفكير والفعل تستجيب مع قيم الخير والحق والجمال؟ ألا يمتلك بعض الناس المؤثرين والناجحين فلسفة حياة أكثر تجسدا وتجذرا في التاريخ من تلك التي يتحدث عنها الفلاسفة بشكل نظري ويدفنوها بين طيات الكتب؟ ثم كيف نستطيع أن نتفلسف دون أن نخوض تجربة التزام؟ ألست الفلسفة دون فعل مثل الطريق الذي يؤدي إلى متاهةlabyrinthe؟ وهل تكون تجربة الالتزام ناتجة عن حظ سيء وتكليف خارجي أم عن تصميم داخلي وضرورة تاريخية؟
إن ماهو في ميزان الفكر وما يحتاج إلى تحقيق ميداني بالنسبة العرب والمسلمين هو تفادي أن تمارس فلسفة الالتزام وأدب العمل باسم مبادئ مقدسة ومطلقة ومن أجل قضايا نموذجية وعادلة فحسب وإنما يلزم أن تتم في الزمان والمكان وتجاه جميع الناس من جميع الملل والنحل وفي كل الأحوال وذلك في إطار من التسامح المتوازن واحترام حرية الآخرين والاعتراف بمشروعية قناعاتهم. لكن ألا يضعنا كل التزام في ورطة الإيديولوجيا واحراجات الأخلاق وغبار السياسة ومآزق المجتمع؟
1- دواعي الالتزام:
"إن الإنسان وقد حكم عليه أن يكون حرا يحمل على عاتقه ثقل العالم بآسره فهو مسؤول على العالم وعلى نفسه بوصفه كيفية في الوجود" .
إن الأمر الأساسي الذي يمكن أن نتعلمه من الفلسفة وتثبته لنا الحياة اليومية بشكل ملموس هو ضرورة تعلم كيفية التعلم والسير في سبل إنتاج العلم وتوصيله وليس فقط الاكتفاء بحصول التعليم والتمتع بثمار العلم، والأمر الثاني هو أن يكون رجال التعليم والعلم ملتزمين بما يعلمونه ويعلمونه وبالتالي أن يصيروا أوفياء للحقيقة ومخلصين لأفكارهم ومتمسكين بمبادئهم الكونية ومتحملين لمسؤولياتهم في كل حالة رغم المخاطر والتحديات.
اللافت للنظر أن تجويد تعليم الفلسفة في النظم التربوية يقتضي استثمار تجربة الالتزام في الدرس الفلسفي نفسه عبر توظيف عدة متون فلسفية وشخصيات نموذجية والاشتغال على سير ذاتية في هذا الشأن وذلك بتوضيح مزاياها وإبراز رهاناتها وحاجة المجتمع إليها، ويستوجب أيضا تمكين المتعلمين من الآداب والمسالك الإتيقية التي توفر لهم مناخا ملائما للإقبال على الأفكار الفلسفية والانخراط في المناخ الأنطولوجي والابستيمولوجي الدقيقين دون إحساس بالغربة أو الضجر.
غير أن السؤال الذي يطرح هاهنا هو: ماهي الدواعي والمبررات التي تدفع إلى تناول تجربة الالتزام من الناحية الفلسفية؟
- مبرر أنثربولوجي:
الإنسان كائن علائقي قذف به إلى العالم ووجد ضمن ثلاثة مستويات هي علاقته بنفسه وبالآخر وبالكون ولذلك نراه يبحث عن البقاء بالمعنى البيولوجي ثم بالمعنى الاجتماعي وأيضا بالمعنى الرمزي ولذلك يبدي نوعا من الالتزام تجاه هذه الدوائر الثلاثة ويحاول على قدر طاقته تحمل المسؤولية ومن أجل ذلك نراه يطرح جملة من الأسئلة ولكنه شخص له كرامة ينتمي بها إلى دائرة البشرية وتميزه عن بقية الكائنات فأنه يبذل الجهد لإيجاد أجوبة وإضفاء المعنى على وجوده في العالم. من هذا المنطلق:"الإنسان هو شخص وبالنسبة اليّ الشخص هو كائن مسؤول وقادر على تقديم أجوبته" على الرغم من حالة الهشاشة fragilité والعطوبيةvulnérabilité والجوازcontingence والتناهيfinitude التي تسم طبيعته وتقذف به نحو الموت والعدم.
- مبرر فلسفي:
لا يقتصر وضع حد جامع مانع للفلسفة على الجانب النظري والمعرفي لأن ذلك يجعل منها تقيم في عالم المجردات والأنساق بل يستوجب الانفتاح على الآخر والإقامة في العالم والاغتناء من تجارب التاريخ وعبره بالاهتمام بالممارسة وتدبير أمور الفعل البشري والنزول نحو عالم المعيش وأرض التطبيق. من هذا المنطلق حقيق علينا أن ننخلع عن الصورة النمطية عن الفيلسوف التي تجعله يسبح في عالم الملائكة يعيش في السحاب لا صلة له باليومي ونحاول الإبانة عن صورة مهملة ترسم الفيلسوف كشخص معنوي مثل بقية الناس ينتمي إلى الواقع والتاريخ ويحس بهموم مجتمعه ويعكس فكره تطلعات عصره.
- مبرر تربوي منهجي:
حاجة محب الحكمة في مرحلة من مراحل نمو شخصيته إلى الاقتداء بنماذج إنسانية تاريخية والى مثل عليا تجسدها تلك الشخصيات الملتزمة مثل سقراط وابن رشد واسبينوزا وسارتر عبر تجربتها الفكرية والسياسية والعلمية تؤشر له عن مجموعة من القيم التي تساعده على بناء مواقف ورؤى تخرجه من مجال التلقائية والعفوية نحو حالة من الرشد أو النضج الذي لا ينفك يتبلور.
علاوة على أن تحقيق مطلب التجديد في المناهج والأساليب الملائمة لأفق انتظار دارسي الفكر الفلسفي يمر لا محالة عبر التمرس على فن قراءة السير وتأويل التجارب الوجودية لبعض الشخصيات الفكرية والتدرب على استنتاج ملامح الفرادة والطرافة وتتبع كيفية تبلور الأفكار والقيم والمعارف لدى هؤلاء المفكرين والعلماء بالنظر في التوازي بين حياتهم الشخصية ومسارهم الفكري وما أفضى إليه من توقيعات وبصمات وآثار جعلت من تاريخ حياتهم منارة تهتدي بها الأجيال اللاحقة.
- مبرر إتيقي:
إن الارتقاء بالفلسفة إلى منزلة الرسالة الإنسانية الشاملة والتعامل معها بوصفها المنظومة القيمية يتوقف على استثمار الحياة العادية للناس وتعمل على الارتقاء بها من مستوى الرتابة والمحافظة وإكسابها درجة من الوعي والمعقولية، كما تتضمن جدلية بين التفكير والعمل وتحدث مراوحة بين الشجاعة والحذر وبين الحرية والمسؤولية وبين مطلب الوفاء للحقيقة ومقتضى الاضطلاع بالحياة وباليومي.
 لكن ماذا نقصد بمفهوم الالتزام الفلسفي؟ وماهي مختلف دلالاته؟
2- دلالات الالتزام:
"الالتزام ليس مجرد استدعاء للقيم انه بالتحديد مفهوم يجب أن يتجسد" 
لا نستطيع أن نتفلسف بالوجه المطلوب دون أن نكون ملتزمين لذلك هناك فرق بين الالتزام engagement والإلزام obligation، فالإلزام هو الواجب والإكراه ويتضمن ثلاثة معان:
1- في اللغة نجد ألزم فلانا الشيء أي أوجبه عليه ويقال ألزمه المال والحجة وغير ذلك.
2- الإلزام هو الرابطة الحقوقية التي بها يكون فعل الشيء، أو عدم فعله، واجبا على الشخص تجاه الآخر فهو إذن علاقة حقوقية بين شخصين يسمى أحدهما بموجبها دائنا والآخر مدينا. فإذا نظرنا إلى هذه العلاقة من جهة الدائن كانت إلزاما لأن من حق الدائن أن يلزم المدين بوفاء المال المقترض، وإذا نظرنا من جهة المدين كانت التزاما لأن المدين يلتزم أي يوجب على نفسه وفاء الدين في أجله، فالدائن إذن ملزم أما المدين ملتزم والدين ملزوم. لكن أكثر الحقوقيين ينظرون إلى العلاقة من جهة المدين وحده لأنه المثقل بحمل الإلزام لا بل هو الملتزم بوفاء الدين عند الاستحقاق.
3- الإلزام الخلقي: لا ينشأ عن عقد بل عن طبيعة الإنسان من حيث هو قادر على الاختيار بين الخير والشر وبين الحسن والقبيح وبين النافع والضار.
أما الالتزام فإنه يفيد معنيين:
1- نقول عن فكر انه ملتزم إذا كان يأخذ بعين الاعتبار الاستتباعات الأخلاقية والاجتماعية التي يتضمنها من ناحية أو إذا كان يقر بوجوب وفائه بعهده وبضرورة محافظته على حق الأمانة في تأدية رسالته.
2- يرتبط الالتزام في الفلسفة الوجودية بتعديل الحاضر لبناء المستقبل ولا يتحقق إلا بالحرية.
هكذا" يدرك الكاتب الملتزم أن الكلام عمل ويعلم َأن الكشف نوع من التغيير وَأنه لا يستطيع الكشف عن شيء إلا حين يقصد إلى تغييره."
كما يمكن أن نميز بين الالتزام الانفعاليpassif الذي فيه إكراه ودفع ومحافظة على الموجود والالتزام الفاعلactif الذي فيه مقاومة للسائد وإضافة للقديم وتجسيد للمنشود على أرض الواقع.
الملتزم هو الذي يلاحظ التجربة المعيشة من الخارج، وينهمك في تجارب الحياة العملية وهو مثقف بالماهية والجوهر وليس على نحو عرضي مثل المثقفين التقليديين. لهذا يتسلح الملتزم بالوعي والعمل ويبنى مشروعا ويسعى إلى تغيير العالم وفي هذا يقول سارتر:" لم نعد بعد- مع أولئك الذين يريدون تملك العالم ولكن مع من يريدون تغييره. وإنما يكشف العالم عن أسرار وجوده بمشروع التغيير نفسه" .
إن الالتزام هو واجب يقوم به الإنسان عن حرية اختيار وفعل إرادي ويقصد منه كشف الحقيقة في العالم والانتصار إلى الوجود الانساني المنفتح. كما أن حرية الاختيار هي أساس المطالبة بالالتزام. حول هذا الموضوع يقول سارتر: " إنما أسمي الكاتب ملتزما حينما يجتهد في أن يتحقق لديه وعي جلي وكامل بأنه مبحر بدرجة كافية أي عندما ينقل لنفسه ولغيره ذلك الالتزام من حيز الشعور الغريزي الفطري إلى حيز التفكير ".
 من جهة ثانية أن المعاني الإنسانية المطلقة هي الأفق الذي يعقد على ضوئه الملتزمون مواقفهم في جو من الثقة المتبادلة وينشدون إيقاظ الوعي العالمي وإحياء قيم العدل والمساواة. زد على ذلك أن مستلزمات الالتزام هو ضرورة الاختيار رأي حصيف من بين الآراء المختلفة والمخاطرة بإتباعه وتحمل تبعات ذلك.
 هكذا يكمن معنى الالتزام في إرادة الحرية وإتمام الفعل وتحمل المسئولية. لكن هل يقدر كل إنسان أن يحيط بدلالة الالتزام نظرا وعملا؟
3- عوائق الالتزام ومخاطره:
" الصراع باق إذن وهو الأصل فيما استطيع أن اسميه تقلبات الكاتب وشقاء ضميره"
إن أهم التحديات التي تقلل من المصداقية الفلسفية للإنسان الملتزم هي الانحدار من الالتزام الإتيقي وما يقتضيه من تحلي بروح الحوار والنقد والتسامح والتواضع والتعقل إلى الالتزام الإيديولوجي وما ينجر عنه من تعصب وانغلاق وعنف وإقصاء وتمركز على الذات وتحزب. من هذا المنطلق:" كان الكاتب يعد نفسه قائدا ورئيسا روحيا ويواجه التبعة فيما ينتج عن موقفه. وكانت صفوة القوم في الحكم يغدقون عليه نعمهم يوما ليسجنوه في اليوم التالي ولضيق أعصابهم لمر الزمان... وحياته المجيدة المعوقة بما يخترقها من قمم مشمسة ومن مهاو تصيب الرأس بالدوار هي حياة المخاطر."
العمل هنا على نقد الاتجاهات غير الملتزمة وبيان مواطن تقصيرها.مثل الهروب من العصر وملازمة الصمت والتعالي عن الواقع الاجتماعي سواء اتخذ الشكلية أو الأسلوبية أو الذهاب إلى الحد الأقصى وهو خيانة الكاتب لقضية ثقافته وعلمه والتخلي عن قضيته التي تخصه. في هذا السياق يصرح سارتر:" "أكثر الناس يمضون وقتهم في إخفاء التزامهم على أنفسهم. ولا يترتب عن هذا أنهم يحاولون دائما الهرب من الحقيقة إلى الباطل والى الجنان المصطنعة أو إلى الحياة الخيالية."
هكذا يجب أن نتفادى الخلط بين الالتزام والإلزام وبين طلب الحرية والتنظير للفوضى وأن نتنبه إلى المخاطر الناتجة عن التمرد والعصيان والانقلاب من جهة وعن الخضوع والاغتراب والتفويض من جهة أخرى ونحرص على تأصيل علاقة تجربة الالتزام بالعواطف القومية والمشاعر الدينية والبواعث الاجتماعية. من البين أن الخوض في تجربة الالتزام لا يعني الانخراط في معارك إيديولوجية ضيقة والانسياق وراء التشنج الفكري وإنما تقتضي انجاز خطوات استراتيجية في الطريق نحو التعقل والتحاور والفعل التواصلي والتشاور بين الكائنات العاقلة والمواطنين الأحرار.
لا ينبغي أن يكون الالتزام مسكونا بهاجس الخوف من التنظير والريبة من الفعل ومصاب بعدمية القيم بل يجب مجابهة العبث ومقارعة الفراغ بالبحث عن المضمون وبالتركيز على الخلق والإبداع والدفاع عن القضايا الإنسانية العادلة وطلب الصفح والغفران ومحاربة المفاسد ودرء النزاعات المؤدية إلى المهالك.
على هذا النحو يطلب من الشخصية الملتزمة أن تتجنب الكذب وعدم الاكتراث وتتحلي بالمسؤولية والصدق وتردم الفجوة بين الفكر والقول والفعل وكما يقول سارتر في ما الأدب؟:" الكتابة طريق من طرق إرادة الحرية فمتى شرعت فيها – إن طوعا وان كرها فأنت ملتزم" .
بين إذن أن الغرض من الالتزام ليس تنصيب الكاتب نفسه حارسا على القيم المثالية بل الاشتراك في الصراع السياسي والاجتماعي بغرض حماية الحرية في شؤون الحياة اليومية. إن الجواب عن سؤال: بم نلتزم؟ هو حل لغز سؤال ثان هو: لمن نكتب؟
علاوة على ذلك يلزم أن تتفادى هذه الشخصية الارتهان إلى النزعة الأنانوية الذاتوية الموقعة في التحيز واللانزاهة وعلى خلاف ذلك هي مطالبة بأن تلعب دورا سلبيا في ثقافتها ومجتمعها وأن تؤثر المصلحة الشخصية المادية على المصالح المشتركة المعنوية.
 إن الكاتب غير الملتزم هو سجين سوء النية يتحدث "ما شاء عن العزلة وبدل أن يواجه التبعة في أمر الجمهور الذي اختاره لنفسه عن مواربة ويزعم أن المرء إنما يكتب لنفسه أو لله فيجعل من الكتابة مهنة ميتافيزيقية أو صلاة أو حاسبة للضمير أو أي شيء آخر سوى أنها عملية اتصال بالناس."
 على هذا النحو ينبغي على الملتزم أن يطرح خلفه مظاهر الضعف ووجوه الشقاء والإسفاف وأن يتحلى بروح المغامرة والشجاعة ويوفر الشروط اللازمة لبلورة التزام حقيقي وأن يحصن نفسه من الالتزام الاستعراضي والمعرفة الترفيهية.
أليس من التناقض أن يلتزم الناس بقضايا غير عادلة وتبدو مفيدة للبعض وضارة للبعض الأخر؟ وماهي معايير الالتزام إذا ما تجاوزت الأحداث القيم التي نعلم على تطبيقها من أعلى؟
4- شروط الالتزام ومسالكه:
"في اللحظة التي أشعر فيها بأن حريتي مرتبطة بحرية الآخرين من الناس رباطا لا ينفصم لا يمكن أن يتطلب مني أن أستخدمها في تصويب استعباد بعضهم لبعض."
من شروط الالتزام أن يكون له غاية اجتماعية أو قيمة خلقية وأن يكون مبنيا على مبدأ يقبله المرء بإرادته العاقلة وينجزه بملكاته الفاعلة. زد على ذلك أن السعي نحو الارتقاء إلى مستوى الالتزام الوجودي يتطلب مناهضة الموقف الطبيعي الامتثالي والموقف المثالي الكسول والموقف الانتظاري التبريري ويسعى أن يكون الوجه الآخر لهذا الوجود الزائف.
يمكن الانطلاق من أن التفكير لمجرد التفكير يصبح عقيماً وأن المعرفة لمجرد المعرفة هو أمر غير مجدي إن لم يشارك الإنسان المفكر العارف في صناعة القرار بشأن إقامته في العالم ويتحمل مسؤولية الوجود في الكون ومستقبل الحياة على الأرض. كما يجب الإيمان بأن هدف الفلسفة هو الكشف عن كينونة الإنسان من خلال وجوده في العالم ومن خلال البحث عن علاقته بالمجتمع أو بالآخرين ولذلك ينبغي أن يرتبط الفكر بالأرض والفيلسوف بالشعب والفلسفة بالأمة وأن تكون رسالة خالدة ومرآة عاكسة لمتطلبات المرحلة التي تمر بها.‏
إن المبدأ الإتيقي الأول لتجربة الالتزام هو الحرية والتي تتراوح بين بذل الجهد من أجل التحرير والتوجه الذاتي نحو التحرر وفي هذا السياق يقول سارتر:" لا أستطيع أن أكون حرا إن لم يصبح الجميع أحراراً، فكيف أكون حراً إذا كانت هناك شعوب تعاني من نير الاستعمار والامبريالية؟"‏
من نافل القول التعامل مع المحنة التي يتعرض لها المرء على أنها وضعية قصوى يعيش فيها المرء تجربة الالتزام وفاء للحقيقة وتمسكا بالمبدأ وصونا للحق من كل أشكال سوء النية والتزييف. عندئذ يمكن الاعتبار من الأزمة أو المحنة على أنها حدث وجودي يدعو إلى اليقظة ووضعية قصوي تفترض القيام بمنعرج أنطولوجي من أجل العود على بدء وافتتاح منظور جديد للعالم. في هذا الصدد يتحدث سارتر عن الالتزام الإيديولوجي الذي يجمع بين الفعل السياسي والنضال النقابي بقوله:"العمال يعرفون جيدا أن للنقابة بمساعدة الحزب أو دون مساعدته هدفا أساسيا هو تغيير العالم" .
على هذا النحو يمنح التزام المرء شخصية وتفردا واستقلالية تتأكد باتخاذه موقف نقدي تجاه قضايا مجتمعه ومشاركة فعالة في صنع مستقبل مشرق وبالتالي انه يمنح لحياته مجموعته معنى ويرسم لها جملة المقاصد والأهداف ويفتح لها أفقا تستشرفه خاصة وأن الإنسان لا يكون إلا ما صنعت يداه.
لا يقتصر الالتزام على الفلسفة وإنما يشمل الأدب والفن والاجتهاد الديني والسياسة والعلم والتقنية...‏ وفي هذا السياق يقول سارتر:"يكون الأدب في جوهره هو الذاتية لمجتمع في ثورة دائمة. وفي هذا المجتمع يتجاوز الأدب التناقض بين القول والعمل."
لقد كان العمل وحده خلاص الإنسان في مواجهة العبث الوجودي.. فالعمل هو السبيل والملجأ الأخير لإعطاء معنى لحياة الإنسان. فالكائنات الآدمية لا تكون كذلك إلا عندما تختار التزامها الحر بشكل ذاتي. من هذا المنطلق فإن "العامل عندما يتمرد فإنه يرفض اللاإنساني" .
لقد آن الأوان أن يتضمن العمل أكثر من القول ويفضي إلى أنواع من العيان وافتراضات ومشروعات ويسمح للمرء إلى تحقيق الوعي بالذات وبلورة مشروع. هكذا يكون العالم موضوع مشروع الشخصية الملتزمة يتجاوز حدود الذاتية ويخلق بفعل العمل انقلابا في نظام الأشياء وحركة في عقول الأشخاص ويبدع قيما جديدة تجهز على السائد والمعتاد.
 اللافت للنظر أن الكاتب الملتزم ينظر إلى نفسه على أنه وسيط بين الفكرة والواقع وبين المبدأ والتطبيق. وكما يقول سارتر:" الكاتب لا يخترع تأويلات لشرح أنواع ما يعاني من ضيق إلا حين يكون موزع النفس ساخطا ولا يتوافر ذلك إلا في المجتمعات غير المستقرة."  إن الكتابة هي جوهر الالتزام لأن الكاتب هو الذي يملك موضوعاً وحيداً هو الحرية، والكتابة عبارة عن دعوة موجهة من حرية الكاتب إلى حرية القارئ، وهي في النهاية مسؤولية.
إذا كان الالتزام السلبي مقترنا بسوء النية والتملق والانتفاع من الأزمات والبحث اقتناص الفرض من أجل صيد الغنائم والإثراء السريع على حساب حرمان الطبقات الفقيرة من حقوقها فإن الالتزام الايجابي يتطلب التضحية والنضال من أجل الخير العام ومعايشة وضعية قصوى مثل الثورة والموت والمرض والحرب.
أما المبادئ التوجيهية التي ترتكز عليها تجربة الالتزام عند الفيلسوف فهي الكشف والتغيير والعمل والكلام والحلم والقصدية وإبداء الرأي والنقد واتخاذ موقف عند الضرورة وقول لا ضد كل أشكال وصاية والتمييز والإقصاء والكتابة الساخرة والتحلي بالقيم الاجتماعية والإنسانية والتطلع والمسؤولية.
إن جوهر الالتزام هو الاقتناع بعدم جدوى إضفاء صفة الإطلاقية على القيم والأهداف التي يسعى المرء إلى انجازها في حياته وتجسيمها في الواقع والاعتراف بضرورة إشراك الآخرين في دعم وإسناد هذه القيم ويجب أن نتعلم الالتزام بقضايا غير نموذجية ونسبية إذا لم نتوفر على قيمة القيم في وضعية الأزمة.
من هذا المنطلق"يجب أن ألتزم ضد كل ماهو غير محتمل وغير معقول، فوق ذالك فإن الالتزام يتم في الزمان ويتعلق الأمر باعترافي بما أنا مدين به وبإعادة إيجاد تراتبية القيم الذي يمر عبر هذه القدرة على الاستدانة والتي تمثل أحد الأشكال التي يتخذها الاعتراف بالآخر."
غني عن البيان أن أدب العمل هو أن يختار المرء أسلوب حياته بنفسه لأن:"الحياة عندها هي أن يختار المرء مهنته ويمارسها عن ضمير بل عن شغف وأن يحتفظ في العمل بشيء من الاستقلالية وأن يراقب مراقبة فعالة ممثليه السياسيين وأن يعبر في حرية عن شؤون الدولة وأن ينشئ أولاده تنشئة كريمة." 
هكذا يناقض أدب العمل أدب الاستهلاك والتبديد ويفيد التوجه نحو الإنتاج والخلق والعطاء والإنصات للناس وبناء مذهب ثوري و"يساعد المظلوم أن يصير على وعي بنفسه وبذا تم التوافق بين جوهر الأدب ومطالب الموقف التاريخي" . لكن ماهي الثمار التي يمكن أن تجنيها الشخصية الفكرية من الانخراط في هذه التجربة الصعبة؟ وماهو المغزى العميق للالتزام؟
5- مقاصد الالتزام ورهاناته:
"الحب هو كفاح والالتزام ليس موهبة وإنما هو أمر حيوي يكاد يكون لا غنى عنه. والرهان من كل التزام هو البقاء الرمزي" 
تعرف الفلسفة على أنه نظر وعمل وأيضا معرفة وممارسة ولذلك يعتبر الالتزام هو العماد العملي للفلسفة ويتمثل هذا العماد في التزام الفلسفة بالواقع وذلك بالنظر إلى أن الفكر هو جزء من المجتمع وأن الثقافة تسير بشكل مواز مع السياسة تعبر عن أحوال المجتمع وتبحث له عن حلول حقيقية لمشاكله العويصة.
من هذا المنطلق "لا يمكن إذن فصل الفلسفة عن السياسة بل يمكن البرهان أن اختيار تصور للعالم ونقده هما أيضا حدث سياسي."  فإذا كان هدف الفلسفة هو قهر صدفية العالم أو نفى العنصر الطارئ فيه فإن هدف ومعنى الالتزام يتحدد باستقلالية الإنسان في الحكم إذ "ما أن يفهم أضعف الناس أنه بإمكانه أن يحافظ على قدرته على الحكم فإن كل سلطة خارجية تتهاوى أمامه" .
اللافت للنظر أن الغرض من تجربة الالتزام هو تحمل المسؤولية والانخراط في الإصلاح الأخلاقي وأن القيام بذلك يشترط اتصاف المرء بالأخلاق في أقواله وتصرفاته وتجسيد الالتزام الأخلاقي على أحسن ما يكون لأن من لم يكن حكيما على نفسه ليس له الحق أن ينصب نفسه حكيما على الآخرين.
إن مطلب الثورة والتحرير لا ينفصل عن فلسفة الالتزام وأدب العمل المصاغ على هذا النحو:"في حركة المقاومين وفي اللحظة التي فيها نكشف في فن الكتابة الحرية بمظهريها من سلبية وتجاوز خالق يبحث هو عن تحرير نفسه، وفي الوقت ذاته عن تحرير كل الناس من الاضطهاد تحريرا أدبيا. ولأنه مضطهد فإن الأدب بوصفه سلبية يستطيع أن يعكس له موضوع غضبه في الصور الأدبية ولأنه منتج وثائر فهو أصلح موضوع لأدب العمل. ويربطنا به واجب الجدال والبناء وينادي بحق صنع التاريخ في اللحظة التي نكتشف فيها إحساسنا التاريخي."
إن الثمار التي يمكن أن يقتطفها الملتزم من هذه التجربة فهي تجاوز الأخطار وإجلاء الغموض وتحطيم اليقينيات الجاهزة وكل أشكال التردد وتحقيق الشهرة وإحراز النجاح في الحياة واثبات الوجود وتحمل تبعية الأفعال بكل اقتدار والتمتع بحالة من الحرية.
إن المسؤولية مبدأ كوني يتأسس عليه الوجود المشترك ويعمل على تجسير الهوة بين الأنا والآخر وتحقيق إنسانية الإنسان. أضف إلى ذلك أن الإنسان مسؤول عن نفسه و عن الآخرين في نفس الوقت؛ فمسؤوليته ذاتية و جماعية في آن واحد.ويعني الفعل الإرادي المسؤول هنا ابتعاد الإنسان عن فعل الشر وتخليف الضحايا، والتسلح بالصفح وعدم الإضرار بالآخرين. لهذا تستوجب المسؤولية القول بحرية الإنسان وقدرته على الانتصار ضد الحتميات الطبيعية والاجتماعية والسياسية، بشرط أن تحتم الحرية لمبادئ الإنسانية والواجبات الأخلاقية التي تكفل مصالح العباد على السواء.
بيّن إذن أن المقاومة بماهي انتصار للحياة على إرادة التخريب والعدم هي تجسيد لفعل الالتزام وضرورة تحمل المرء مسؤوليته تجاه مستقبل وجوده في الكون وتجاه مصير أمته، كما أنها لا تعني العصيان بل الرغبة في إثبات الوجود وانتصار لمبدأ الأمل.
إضافة إلى الالتزام الأخلاقي الذي يجعل الوسائل المتبعة من جنس الغايات المستهدفة هناك الالتزام السياسي والنقابي وهما يبرران استعمال الوسيلة الأنجع لتحقيق الهدف الأسمى بأقل التكاليف وفي أسرع الأوقات، ولكن هناك أيضا الالتزام الوجودي وهو أن يؤدي المرء في حياته رسالة واضحة المعالم وأن يشارك الآخرين في مشروع وجود اجتماعي متوازن ويتجاوز منطق الربح والخسارة وينقد البرغماتية.
حول هذا الأمر نجد ما يلي:"حرية الكتابة تستلزم حرية الوطن. فالمرء لا يكتب للعبيد...فما يتهدد أحدهما يتهدد الآخر كذلك ولن يكفي الدفاع عنهما كليهما بالقلم، حين يأتي اليوم الذي يكره القلم فيه على التوقف وعلى الكاتب حينذاك أن يحمل السلاح. وإذن أي جانب سلكت وأيا ما تكن الأفكار التي تدعو إليها فسيزج بك الدب في الحرب." 
غاية المراد أن الهدف من الالتزام هو السعي إلى الإصلاح ما استطاع إليه الإنسان سبيلا وتصور نموذج للفعل الحسن يكون قدوة للآخرين. إن الغرض من معايشة المرء لتجربة الوفاء للحقيقة تأملا وعملا هو إصلاح هذا العالم بتصويره كما هو ولكن كما لو كان منبعاً للحرية والكرامة الإنسانيتين.
كما يقول ساتر:"ليس صحيح أن المرء يكتب لنفسه وإلا كان ذلك أروع فشل...ولو كان المرء يعيش وحده لاستطاع أن يكتب ما شاء فلن يخرج كتابه إلى الوجود عملا موضوعيا...ولكن عملية الكتابة تتضمن القراءة لازما منطقيا لها...فتعاون المؤلف والقارئ في مجهودهما هو الذي يخرج إلى الوجود هذا الأثر الفكري...فلا وجود لفن إلا بواسطة الآخرين ومن أجلهم" . فهل يساعد الالتزام على التمسك بمبادئ من قبيل الحرية والتسامح والعدالة أم أنه عائق أمام التوصل وسبب مباشر للوقوع في مصيدة التعصب العقائدي والانغلاق الإيديولوجي؟
خاتمة:
"إن تعقد العلاقة بين الفرد والنوع والمجتمع والثقافة والأفكار هو شرط الحرية فكلما ازدادت تعقيدات الثالوث الانساني ازدادت نسبة الاستقلالية الفردية وإمكانات الحرية" .
صفوة القول أن البراكسيس هو مبدأ الفلسفة وهو متوقف على الموقف الثوري من العالم ويرتبط البراكسيس الفردي بالبراكسيس الجماعي ولكنه يظل مستقلا عنه. إن الهدف من الالتزام هو السعي إلى الإصلاح وتصور نموذج للفعل الحسن يكون قدوة بالنسبة إلى الآخرين وإن الغاية هي إصلاح هذا العالم لا بتصويره كما هو، ولكن كما لو كان منبعاً للحرية الإنسانية.
إن أحسن الوسائل الممكنة للإعلاء من قيمة الفلسفة والإشادة بدورها في الحياة الإنسانية هو العمل على جعلها في علاقة وطيدة بالإنسان والنظر إليها كمصدر للقيم والمعايير التي تنظم السلوك وتوجه الفكر.
إذ اقترنت الفلسفة منذ الإغريق بالحث عن الفضيلة من أجل تحصيل السعادة وارتبطت المعرفة بالالتزام والتضحية واستلزم البحث عن الحقيقة المغامرة والوفاء وتلازم المطلب المعرفي بالملكة الأخلاقية وبالشجاعة والوعي الثاقب والإرادة الحازمة. لكن تجربة الالتزام تتوقف على الزهد في المتع الدنيوية والصبر على المحن ونوائب الدهر والسمو على الأهداف الجزئية والتنزه عن المصالح الشخصية الضيقة والتنحي عن البحث عن الجاه والشهرة والسلطة والمنفعة واللذة والتحلي بالصبر والمثابرة وإيثار المصالح العامة والأهداف المشتركة وتقتضي تحمل المسؤولية تجاه النفس والآخر والعالم والإيمان بالاختلاف والحوار ورفض العنف ونبذ التعصب ومصارعة تمركز السلطة والإفراط في استعمال القوة وتحرير القوى الإبداعية في الكائن البشري وتحريضه على مقاومة السائد والحلم بعالم أكثر انفتاح واستقامة.
ميزة الموقف الفلسفي في العموم هو رفض المنفعة المادية كقيمة عليا والتحرر من النظرة الاستعمالية للأشياء والاستعمالية للأشخاص والشروع الجدي في التساؤل عن شيئية الأشياء ووجود الموجودات. عندئذ تبدأ الفلسفة من الدهشة أمام غموض أبعاد الكون اللامتناهية وتمر من اليقين الحسي إلى عدم الطمأنينة عبر تغذية روح الشك في المتخيلات الظنية والمدركات الغامضة ولكنها تصل إلى درجة الوعي بالذات عندما تصير فعالية نقدية للفكر الرتيب وتعرف الذات على عالمية الفكرة التي تكونها عن ذاتها والتزامها بمنظومة القيم التي تشرعها مع الآخرين بعد مناقشة عقلانية حول المشترك العمومي.
هكذا يتحول التفكير الفلسفي من معرفة ماهو موجود إلى استنطاق ما وراء الظواهر ثم بعد ذلك يرتقي إلى قدرة على الفعل من خلال الكلمات ويقفز إلى تجربة التسامي التي يصعد فيها من الواقع إلى الحق ومن الفكرة إلى المبدأ ومن النظرية إلى الممارسة ومن المعرفة إلى القوة.
إن المسيرة الفلسفية تتوقف عندما تفرغ حمولتها في محيط العلم وتسلم نفسها لمعاول المخابر التجريبية والحساب الرياضي وان الفلسفة تموت عندما يتوهم أحدهم أنه قادر على معرفة ذاته منذ الوهلة الأولى والتفكير بطريقة صحيحة وأن المنهج الذي يعتمده هو المنهج الفلسفي الأخير. بيد أن الأمر الذي يبقيها على قيد الحياة دوما هو الالتزام بمحاربة الأوهام وخدمة قضايا الإنسانية ومعالجة المشاكل المستعصية.
تستوفي تجربة الالتزام حقيقتها عندما يتم توحيد المعرفة والممارسة وحينما يحصل تماسك تام بين النظر والعمل وذلك " إما أن ننشئ على أساس عمل معين نظرية إذا طابقت العناصر المقدمة للعمل واتحدت به...وإما أن ننظم بناء على موقف نظري معين عناصر العمل الضرورية لتحقيقه. فتوحيد النظر والعمل فعل نقدي يبرهن به على أن العمل عقلي ضروري أو أن النظر واقعي ومعقول."
غاية المراد أن الشخصية الملتزمة تظل شخصية حالمة ممنية النفس في تحقيق حياة سعيدة في عالم أفضل وبالتالي فهي لا تفقد رغبتها الدائمة في ممارسة عمل صالح ذي أثر عالمي في نطاق مجتمع عادل، إلا تعبر هذه الآية الكريمة بلغة الضاد عن جوهر فلسفة الالتزام وأدب العمل في حضارة اقرأ عندما تؤكد على اقتران الإيمان بالمواءمة بين القول والفعل:"يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" ؟

زهير الخويلدي، مفكر وكاتب فلسفي تونسي
المراجع:
Alain، Propos sur des philosophes، éditions، PUF، 1961.
Hubert Hausemer، philosophie de l’engagement، Melun – 26 aout 2006.
J.P. Sartre، l’être et le néant، éditions Gallimard، 1943
J.P. Sartre، situations، VI، Ed. Gallimard. N.R.F.1964.
أدغار موران، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، ترجمة هناء صبحي، صدر عن كلمة، أبو ظبي، الطبعة الأولى، 2009،
أوليفيي مونجان- رئيس تحرير مجلة فكر Esprit في مقال له عن بول ريكور- ترجم إلى العربية من قبل مجلة أوراق فلسفية، عدد8
جان بول ساتر، ما الأدب؟، ترجمة محمد غنيمي هلال ـ مكتبة الأسرة –الهيئة المصرية العامة للكتاب، ( القاهرة ) سنة 2000 م.،
جاك تكسيه، غرامشي دراسة ومختارات، ترجمة ميخائيل إبراهيم مخول، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق، 1972،

 

 

المزيد من ثقافة

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب