من أوراق الأيام

News image

صناعة اللّحوم، كيف تحولت الى أداة للتخريب؟

News image

في الأزمات الإقتصادية، مَنْ يُنفق على مَنْ؟

News image

الدول النامية تخسر اقتصاديات الدواء

News image

المظاهر السياسية للاقتصاد الريعي

News image

المشاريع الضائعة، وعدم التهاون

News image

كيف انتهى مصير الفلاحة في ظل العولمة؟

News image

لماذا لا نطلب الاقتصاد.. ولو كان في الصين؟

News image

يوجد غذاء بوفرة، فلماذا يوجد جياع؟

News image

مناجم الشمس.. ثروة إلى يوم القيامة

News image

ما السبيل الى إطعام العالم دون الإضرار به؟

News image

كيف أصبحت الثروة السمكيّة في العالم مهدّدة بالانقراض؟

News image

من يقف وراء تدهور اقتصاد الزراعة في العالم؟

News image

خرائط وحروب المياه الإسرائيلية القادمة

News image

الدولار، نهاية اسطورة عمّرت ستة عقود

هل يكمن الحل في اللغة؟ PDF طباعة إرسال إلى صديق
السبت, 30 أكتوبر 2010 11:13


محمد الحمّار - كلمات مفاتيح من الإسلام مثل "الله أكبر" و"صلى الله على محمد" و"حسبنا الله ونعم الوكيل" و" لا حول ولا قوة إلا بالله" و"إنا لله وإنا إليه راجعون"، وغيرها من درر الأثر القرآني والسني تعتبر في نظري من العلامات المضيئة في النظام التواصلي البديع للإسلام.
لكن من المفارقات الكبرى في حياة المسلمين اليوم أنّ تلكُم العلامات ومثيلاتها بقيت، بينما النظام اندثر ولم يعد له أثر في الواقع. ومن الدلالات على اندثار النظام تشبث المسلمين بتلك العلامات نطقا بها دون أن يكون النطق مصحوبا بالعمل بها.
هكذا فعلى عكس ما تشدّد عليه النظريات الدينية، نحن في الواقع نكرّس مفهوما عكسيا مفاده أنّ الإسلام ليس دين عمل وسلوك. وعلى عكس النظريات الألسنية المعاصرة نحن نكرّس في الواقع مفهوما خاطئا مفاده أنّ الكلام ليس فعلا و سلوكا. فماذا لو اعتزمنا تصحيح الخطأين مُجتمعين، وذلك بمحاولة تكريس المفهوم الصحيح الذي مفاده أنّ المسلمين مجبولون على العمل وحُسن السلوك، وفي نفس الوقت، بيان أنّه ما دام الكلام فعلا و سلوكا، إذن فالكلام ينبغي أن يكون إسلاما؟
إنّ ما هو أخطر من اندثار النظام التواصلي في المجتمع العربي الإسلامي أنّ في غياب التفعيل الضروري لتلكم الأقوال المتبقية، وهي ركائز عقدية وسيكولوجية تدل على نجاة الإيمان العفوي، قد تمّ الزج بالأقوال وبالناطقين بها معا في غياهب اللاتواصل وبالتالي في صنف من التراجيديا السادية. ولا زلتُ أذكر الصورة التلفزيونية للجنود المسلمين المنساقين إلى المشاركة في تسديد الضربة على العراق ( في سنة 1991) ضد إخوانهم في الدين وفي اللغة. ولا زلتُ أذكر عبارة "الله أكبر" وهي تنقدح من أفواههم بكل تواقت مع انقداح الذخيرة الحية من أفواه المدافع. دفع الله ما كان أعظم.
إنّ هذا الانزياح الحاصل في معاني الوصل بين المسلم وذاته وبين المسلم والمسلم الآخر وبين المسلم و غير المسلم، وما تلاه من ارتباك في العلاقات بين المسلم وأخيه المسلم، ومن تقلب في المشاعر تجاه بعضهما البعض، يبرز في ظواهر وسلوكيات وأحداث تاريخية عديدة أخرى. وأقوى الأمثلة على بلوغ النظام التواصلي الإسلامي ذروة التقهقر الحرب العراقية الإيرانية ثم أحداث 9/11 ثمّ تداعيات احتلال العراق في سنة 2003، وما كلف هذا الحدث الأخير من سوء تفاهم مرير بين العربي والعربي وبين العربي والمسلم وبين المسلم والمسلم، ناهيك سوء التفاهم الأزلي بين الغرب والشرق.
 قد يكون كل ما حدث داخلا في إطار الشكل الجديد من التواصل الهدّام. وإن كان كذلك فهو يعدّ أبلغ مثال يجسّد النظرة الجديدة لـ"صراع الحضارات" (صراع في داخل كل مجتمع لا بين مجتمع وآخر) كما تنبأ بها الألماني ستيفن فايدنر، مُطوّرا بذلك النظرية الأم لصامويل هنتغتن.
لكن هل تخفي الأيام للعرب والمسلمين نظاما تواصليا أكثر فوضى من الذي آلت إليه الأمور؟ أعتقد أنه من الخطورة بمكان أن يكتفي المثقف العربي المسلم بالفرجة إزاء ما يحصل من تدجين ذاتي لأواصر الألفة والتقارب والتضامن بين الشعوب ذات اللغة الواحدة والدين الواحد. وأخطر منه تمادي النخب في بلداننا في التركيز على الواجهة السياسية في محاولتها لإيجاد الحلول الملائمة لهذا الصنف من المشكلات من دون إيلاء أي اعتبار للواجهة التواصلية.
والبعد التواصلي عند معشر العرب خاصة والمسلمين عموما موثوق الربط باللغة وبالدين ممّا لا شك فيه، مثلما برز لنا ذلك في تشبث المسلمين بكلمات ذات دلالة إيمانية إسلامية. إذن فالحل يكمن من جهة في تحديد الصورة القاتمة التي أصبح عليها المسلمون ثم في تصور المشهد الوجودي الذي ينطوي على بوادر التحرر التواصلي.
ويكمن الحل من الجهة الأخرى في إيجاد التلاقي بين ما هو ديني وبين ما هو لغوي في خلل الاحتباس التواصلي الموصوف. وفي السياق الذي شاهدنا فيه الدرر الناطقة، من صنف "الله أكبر" و"صلي على النبي"، وهي في وضع يستعملها فيه أصحابها كقُبلة الحياة وقارب النجدة، أنّ اللغة (عند المسلمين عموما وعند الناطقين بالعربية خصوصا) تبحث عن توازن مع الدين، دين الإسلام. ومن هنا أفترض أنه من الممكن تأسيس قراءة للواقع (التاريخي ثم الحالي) من منظور تكون فيه اللغة، كنشاط إنساني وكعلم وكإيديولوجيا، مخلّصا للمسلمين من أزمة الاحتباس التواصلي، ويكون فيه الكلام إسلاما.
 أبدأ بالصورة القاتمة للوضع التواصلي للمسلمين اليوم. إنها تذكرنا بصورة ما قبل الإسلام، إن لم نقل إنّ الصورة الحالية إسقاط للصورة القديمة على واقع اليوم، أو إعادة إنتاج لها. فالمسلمون في هذه الصورة يزجّون بوعيهم في عصر غير العصر الذي هُم فيه؛ العصر الحاضر. وبالرغم من إسلامهم إلاّ أنهم يَبدون حريصين على ارتداء عباءة ما قبل الإسلام.
 و تُذكرنا رداهات هذه الصورة بما كان يحصل في الجاهلية من اقتتال بين القبائل والطوائف المنتمية إلى نفس الثقافة العربية آنذاك. والذي يلفت الانتباه ويستدعي أكثر من مجرد وقفة تأمّل أنّ الأمر لم يعد يتعلق بأزمة طارئة أو بظاهرة مآلها الزوال بطبيعتها لكن يتعلق بمعتقد وبموقف من التاريخ منبثق من ذلك المعتقد. المعتقد هو أنّنا لسنا مسلمين بعدُ. أمّا الموقف فيتمثل في الانزياح بالوعي إلى حقبة ما قبل "الشيء" (الإيمان بالإسلام دينا) لا بالاضطلاع بالشيء في زمن حدوثه بناءا على أنه (الإيمان) حاصل لا محالة.
إنّ عقلية ما قبل الإسلام، الفارضة نفسها على واقع المسلمين اليوم هي التي تمارس الضغط تلو الضغط على وعي هؤلاء بأن ينادوا بالخلاص؛ والدليل على ذلك الصراعات الدموية العربية عربية وكذلك الإسلامية إسلامية. ولمّا لا يمكن لمسلمٍ أن يتصور خلاصا من دون إسلام وفي غير الإسلام، ترى المسلمين ينادون به من جديد، لكأنه ليس دينهم بعدُ. لكأنه دينهم وليس بدينهم في الآن ذاته؛ وهذه ذروة الفصام.
و بالتالي فإنّ عقلية ما قبل الإسلام عقلية تذعن للإيمان بـ"العودة" إلى الإسلام أكثر من إيمانها بالكدح إلى ربها كدحا (كما جاء في محكم التنزيل)، في توجه أمامي مبنيّ على مسلّمة علمية وفلسفية ثابتة: استحالة العودة إلى الوراء وما فيه من أوضاع سابقة.
والوقوع في مثل هذا الفخ (الذاتي)، فخ ارتداء عباءة ما قبل الإسلام، فضلا عن كونه كارثة سيكولوجية، تسبَّبَ وما يزال يتسببُ في تفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية وحتى الفكرية والعقدية. فهذه الذهنية كانت مسئولة عن تكفير الحكام وعن محاولات عديدة وفاشلة لأسلمة المجتمع وأخرى للانقلاب على النظم الحاكمة (في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي). وهي اليوم مسئولة عن التحجر الفكري وعن الاستبداد والانفراد بالرأي، وعن التعلق بالمظاهر والشكليات على حساب الظواهر والجوهر في ما يتعلق بقضايا العرب والمسلمين، وعن رواج العقلية السحرية، وعن التفريق بين العلم والحياة، وبين الدين والحياة (من شدة الخلط بينهما خطأً)، وبين الدين والعلم (من شدة استخدام العلم كوسيلة لاختراع الأسلحة الفتاكة وقتل المسلمين بها).
على صعيد آخر، لم يكن ذنب التموقع خارج التاريخ حكرا على الإسلاميين الأصوليين. فالحداثيون أيضا اقترفوا نفس الخطأ. فقط كان الاختلاف بين هؤلاء وأولئك في اختيار الوجهة التاريخية وكذلك في تصوّر مسلك الخلاص. ويتمثل الفرق في كون الأصوليين اتخذوا "ما قبل الإسلام" عقيدة وملاذا لهُم مع إقرار طريقة إسقاط الإسلام (المصدري) على الواقع المعيش، بينما أصاب الحداثيون في إدراك الزمن الصحيح الذي نعيشه (ما بعد الإسلام) لكنهم توخّوا طريقة غريبة لمعالجة المشكلة: اخترعوا مفهوم "قراءة جديدة" (ومعاصرة) للإسلام.
والحقيقة في نظري أن لا الإسقاط كان مُجديا ولا "القراءة الجديدة " للإسلام مُمكنة. ودون إسهاب في بيان فشل الإسقاط (وهو يتلخص في تراجع الإسلام السياسي وعدم وصوله إلى السلطة)، يمكن القول، بخصوص الفكر الحداثي، إنّه فشلَ في"إعادة قراءة" الإسلام، وإنّ عدم استطاعته القيام بذلك راجع إلى طبيعة ومتطلبات حقبة ما بعد الإسلام، وذلك رغم إيمانهم بها. لماذا، لأنّ من متطلباتها أن لا يقع الانفصال بين الذات من جهة وثنائية التاريخ والإسلام من جهة أخرى. أمّا الذي حصل لدى الحداثيين هو مغالاتهم بالوعي التاريخي (التاريخانية) على حساب الوعي الإسلامي. وانفصال فكرهم، هكذا، عن الوعي بالإسلام وعن إمكانية استبطانه من خلال كل حقب التاريخ، الذي يؤمنون به، إنما هو ذنب يساوي ذنب الأصوليين. والحجة أنه لمّا تنفصل الذات عن الوعي بالإسلام يضعف الإيمان فتتغشى البصيرة ثم تكون النتيجة أن لن تقدر هذه الأخيرة على تلبية حاجيات التاريخ والواقع المعيش.
 حتى وإن افترضنا جدلا أنه بالإمكان إعادة قراءة الإسلام فبأية بصيرة سوف يتمّ إنجاز ذلك؟ أن يقال أنّ المطلوب هو قراءة جديدة للإسلام لا يعتبر محاولة للمصالحة مع الواقع ومع التاريخ بل إفسادا له. بل إنّ ذلك من قبيل التفكير ما قبل إسلامي، حتى وإن كان ذلك صادرا عن جهابذة الفكر الذي يدعي التقدمية وصحة الوعي التاريخي. فإنك لمّا تذعن لضرورة "قراءة جديدة" للإسلام كأنك تذعن لخلق "إسلام" من جديد، معاذ الله. وإذعان مماثل أقوى دليل على أنّ الراغب في "قراءة جديدة" للإسلام يفكر بآليات ما قبل الإسلام. وهي نفس الآليات التي يشتغل بها الفكر الأصولي الإسلامي. من هنا نفهم أنّ في الحقيقة ليس هنالك فَرق بين الخصمين. إنهما من معدن واحد، معدن تسبب فيه انشطار الوعي ونتج عنه انقسام الفكر واغتراب الذات. هكذا يكتمل مشهد الحالة الفصامية، وهي في الوقت ذاته حالة انفصامية، تعيش فيها الذات العربية المسلمة.
بعد أن استعرضنا قتامة الصورة الحالية للوضع التواصلي عند المسلمين يمكن افتراض أنّ المشهد التواصلي الصحي والمنشود يستلزم فعلا قراءة جديدة ومعاصرة، لكنها قراءة للواقع لا للإسلام. فعملية الخلاص كلها تبدأ، مثلما رأينا، بالإيمان أننا في ما بعد الإسلام. و من منظور الروح ما بعد إسلامية فإنّ المطلوب إنجازه هو الشروع في إعادة قراءة الواقع الحالي، الحداثي وغير الحداثي، وذلك من خلال الموروث، كل الموروث الصالح بما فيه الإسلام، مع الاستئناس بالاستدلال بالنص الديني. وتتم إعادة قراءة الواقع بفضل إعادة تدوير كل المقومات والمكونات الممكن تقصّيها لكلا البعدين الاثنين الأساسيين التاليين حسب تأثيرهما في حركة تطوير المجتمع: الطبيعة من جهة، و الشخصية العربية الإسلامية.
فإذا لم تتشبع الذات العربية المسلمة بالوعي ما بعد الإسلامي، مستبطنة لفكرة أنّ ما يتخلد بذمتها اليوم ليس مسئولية قلب اتجاه التاريخ نحو اللاتاريخ وإنما هي مسئولية الاضطلاع بالـ15 قرنا كاملة من الإيمان بالله وباليوم الآخر و بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، وبالـ15 قرنا المطبوعة بالإنجازات وبالصراعات وبالنضالات وبما تخللها وما تلاها من تحولات. و تلك المسئولية تملي على الذات أن تتمَوْضَع في النقطة الحاسمة من السيرورة، وهي نقطة لا تقبل بالهروب لا إلى الخلف ولا إلى الأمام، ولا تقبل بالانحياز لا إلى اليمين ولا إلى الشِمال؛ نقطة الوسط والوسطية.
وليست الوسطية، من هذا المنظور، اعتدالا ولا إفراطا في التسامح ولا تفريطا في الحقوق السليبة. كما ليست الوسطية مغالاة في التديّن. إنما الوسطية نتيجة طبيعية لكل تموضع صحيح للذات المسلمة؛ نتيجة لكل تموضع تواصلي طبيعي. (*)
 أن أؤمن بأني مسلم وسط، شاهدٌ على حقبة ما بعد الإسلام، ليس معناه أني طلقتُ الإسلام، معاذ الله، أو أني أصبحت إسلاميا أو تحولت إلى علماني، أو أني انقلبتُ إلى ماركسي، أو أني أضحيت فوضويا. أن أؤمن بأني من مسلمي ما بعد الإسلام هو أن أتعهد بتكميل رسالة الإسلام أين توقفت. وقد توقف المسلمون عن الإحساس حتى بالحاجة إلى الاضطلاع برسالة الإسلام، ربما عندما فهموا خطأ موقف الخليفة العباسي المتوكل (847-861 م) لمّا قفل باب الاجتهاد وقال:" ما قرره الخلف لا يرفضه السلف. "
أن يكون المرء مسلما وسطا يعني بالتالي، لا فقط أن يعي أنه من هؤلاء الخلف الذين قصدهم المتوكل، وإنّما أيضا أن يؤمن أن ليس هنالك مانع يحول دون ممارسته للاجتهاد، وأن يؤمن بأنّ اجتهاده لا يرفضه السلف. فيبدو لي، هكذا، أنّ المتوكل غلق باب الاجتهاد لكنه فتح باب اجتهاد. وقد يكون الذي حدث لدى أجدادنا طيلة ما يفوق الـ11 قرنا هو أنهم فهموا الصدر ولم يفهموا العجُز؛ أو لنقلْ إنّ العجُز كان ينتظر أن تتوفر شروط فهمه؛ وقد تكون توفرت اليوم.
في ضوء ذلك، أن أواصل الاضطلاع بمسئوليات الرسالة الإسلامية يعني أن أندرج في نظام تواصلي جديد يعكس اندراجي في منظومة الاجتهاد التي قد تكون توفرت شروط فهمه. وهي منظومة خاضعة لقوانينها الخاصة التي تسنّها حاجة التزامن مع الواقع، واقع ما بعد الإسلام.
 والآن وقد رأينا أنّ المسلمين أساؤوا للتاريخ لمّا تجنبوا قراءة سُننه، وكيف تمّ عزل الوعي الإسلامي عن التاريخ، كنتيجة حتمية لذلك، يحق التساؤل كيف يمكن للغة أن تتبوأ مكانة المنقذ من الهلاك، بناءا على أنها قارب الإغاثة (بالرغم من أنه مهشم ومهمّش) الذي ظلوا متشبثين ببعض شظاياه (بفضل تلك العبارات والمقولات الفعالة الدالة على حرص المسلمين على النجاة)، وبناءا على أنّ اللغة ظلت ماسكة بناصية الوعي بالقدر الذي يخوّل لأصحابه أن يحافظوا به على حدّ الكفاف وسدّ الرمق من علاقتهم بالإسلام.
أعتقد أنّ الخلاص بواسطة اللغة ممكن شريطة أن تستبطن فلسفة الإنقاذ وعمليته انقلابا فكريا وسلوكيا يكون مرسوما في الاتجاه التالي: الانطلاق من حركة بناء الكلام والانتهاء إلى تجسيد الإسلام؛ نمذجة السلوك الإسلامي بواسطة استراتيجيات الكلام.
 وتجسيد الإسلام، بالنسبة لأناس مثل العرب والمسلمين، ذوي مخزون إسلامي غزير ومتنوّع، لا يعني التأسلم من جديد، وإنما يعني بناء الفعل المنطوي بطبعه على العنصر الإسلامي، وهو فعل ستكون اللغة المحرّك الأساس لدفع عجلة التاريخ بواسطته. فليس هنالك عائق أمام الكلام ليصبح إسلاما. و "الكلام إسلام" يعني أن يسلك المرء سلوك المسلم من دون إشهار وضوضاء أواستئثار بعواطف ومشاعر الغوغاء. والذي سيمكنه من السموّ إلى تلك المرتبة العليا من المساهمة في بناء المنشآت الرمزية و المادية للشخصية العربية الإسلامية هو البناء اللغوي الصحيح، لِما يوجد بين اللغة والإسلام من تشابه واشتراك في الخصوصيات والمهام والوظائف.
ويمكن إنجاز مشروع تجسيد الإسلام في العمل والسلوك بالشروع في ما يلي:
- بناء حركة لغوية متينة ترمي إلى استعادة التزامن بين القول والعمل. والمسلّمة الساندة لهذه العملية هي أنّ الإسلام دين عمل وليس أفضل من اللغة الصحيحة عاملا لإضفاء المصداقية على العمل.
- إصلاح المناهج والطرق التعليمية في اللغات وخاصة في العربية حسب أصول التدريس العصرية التي تتبنى المقاربات الفطرية الولادية لغاية تحقيق هدف التزامن بين اللغة والعمل عند المسلمين، طبقا لنماذج سلوكية جذابة وناجحة بفعل تناغم عنصرَي المعاناة والخلاص فيها.
- إصلاح المناهج والطرق التعليمية في كل مواد الدراسة وتوظيفها من أجل تحقيق الغاية الأوسع التالية: تكميل التزامن لغة/عمل ببلوغ التزامن بين الفكر (لغة مع عمل) والواقع.
طالما أنّ اللغة، مثلما رأينا، تمتلك قابلية التوظيف لخدمة الإسلام والمسلمين فإنّ صفتها الأصلية كمِلكٍ للناس أجمعين، بصرف النظر عن جنسهم ولغتهم المحلية ودينهم، تؤهلها لأن تصبح مظلة لإيديولوجيات العالم المنفتحة على الإسلام في هذا العصر، عصر ما بعد الإسلام.

 

محمد الحمّار، مفكر تونسي وباعث "الاجتهاد الثالث": الكلام إسلام.
الهوامش:
(*) أعتقد أنّ الوسطية نتيجةٌ لظروف وملابسات. وقد يكون هذا المعنى هو نفسه الذي ذهب إليه عبد الرحمن حللي، بمنهج مغاير، والذي انتهى به إلى القول إنّ، من المنظور القرآني، "(فـ)وسطية الأمة نتيجة فعل لا مشروع عمل"، في حديث تحت عنوان "الوسطية متلونة بألوان الطيف الإسلامي"، نشر على موقع 'الملتقى الفكري للإبداع' بتاريخ 27-01-2010.
 

 

المزيد من ثقافة

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب