من أوراق الأيام

News image

صناعة اللّحوم، كيف تحولت الى أداة للتخريب؟

News image

في الأزمات الإقتصادية، مَنْ يُنفق على مَنْ؟

News image

الدول النامية تخسر اقتصاديات الدواء

News image

المظاهر السياسية للاقتصاد الريعي

News image

المشاريع الضائعة، وعدم التهاون

News image

كيف انتهى مصير الفلاحة في ظل العولمة؟

News image

لماذا لا نطلب الاقتصاد.. ولو كان في الصين؟

News image

يوجد غذاء بوفرة، فلماذا يوجد جياع؟

News image

مناجم الشمس.. ثروة إلى يوم القيامة

News image

ما السبيل الى إطعام العالم دون الإضرار به؟

News image

كيف أصبحت الثروة السمكيّة في العالم مهدّدة بالانقراض؟

News image

من يقف وراء تدهور اقتصاد الزراعة في العالم؟

News image

خرائط وحروب المياه الإسرائيلية القادمة

News image

الدولار، نهاية اسطورة عمّرت ستة عقود

يوم وقعتُ بـ "كلتا" PDF طباعة إرسال إلى صديق
السبت, 30 أكتوبر 2010 21:49

علي الصراف - يحتال المرء على نفسه أحيانا، فتغلبه، ربما لأنها أمّارةٌ بالجهل أيضا.
تحتاط، فتحتاط عليك، حتى تقع. ووقعت بما لم يكن أقل من "كلتا". إذ حاولت جرها بحرف من حروف الجر، إلا أنها لم تُجر لا بالرضا ولا عنوة.
وكنت أزمع أن أكتب عن "فوضى التنقيط" التي تسود عالم الكتابة العربية الراهنة. فغلبتني الخشية، من أن مَنْ يخطئ لا يملك الكثير من السلطة لإصلاح ما يرتكب الآخرون.
فالكثير من كتّابنا، بمن فيهم الذين لا يخطئون باللغة، يخطئون بالتنقيط. فالفواصل والنقاط صارت تُكتب من دون نظام. وهناك من يُسرف في استخدام علامات التعجب والإستفهام، من دون أن يقول لك لماذا، ومن دون أن يستند في إسرافه على قاعدة. فمرة يعطيك ثلاث علامات استفهام لسؤاله، ولا يقول لماذا ثلاث علامات وليس أربع. ومرة يضع خمس علامات تعجب ربما ليقول لك إن لديه منها الكثير، وإنه لا بد أن ينفق مما رزقه الله. أما الفواصل والنقاط، فحدث ولا حرج، فهذه تزيد وتنقص وتتماوج، مبتعدة عن الكلمة ومقتربة منها من دون حساب ولا قاعدة.
ورأتني إمرأتي مبتسما، فخشيت على عقلي، وسألت "ما الذي يجعلك تبتسم بمفردك، يا علي، راح تتخبل يا علي". فقلت، لا، إنما أحفر حفرة، واضعا في الحساب طه حسين، لأقول إن هذا الأديب البصير، لم يخطئ بالتنقيط بمقدار ما يفعل الكتاب "المبصرون"، فعلى الأقل يمكنهم أن يبصروا كيف تُكتب الأشياء ويقوموا بتقليدها. وتقليد الصواب، خيرٌ من "ابتكار" الخطأ.
فقالت: وهل لا تخطئ أنت؟ قلت، بلى، ولكن ليس الى حد العمى. وإذا حدث، فسهوا، لا منهجا. فنقطتي تجلس جنب الكلمة، وكذلك الفاصلة، وإذا سألتُ سؤالا وضعت له علامة استفهام واحدة. وأحرص على أن أستخدم هذه العلامة (؛) في موضعها الصحيح، ولا أكتب (على) على هيئة (علي)، ولا أكتب (علي) على هيئة (على)، ولا أضع قوسين كهذين "..." قبل أسماء العلم، ولا أضع فاصلتين جنب بعضهما، ولا أنثر نقاطا على الصفحة لأجعل منها أكواماً متفاوتة الكثرة، ولا أضع فراغين بين الكلمة والكلمة، بل فراغا واحدا، وأحاول أن اقتصد في علامات التعجب لئلا أبدو وكأن على رأسي الطير من كثرة التعجب.
ولكن، كان لي من جهلي الخاص ما حفر لي حفرة أوسع. فانتقاد خطأ، لا يمر بعطف إذا سبقه خطأ.
أعرف جيدا، أن المرء يظل يُخطئ ويلحن، فالعربية التي تسحرك، هي ما يقتلك أيضا. وفي آخر المطاف، أقول مستشفعا، إن الخشية من تفشي الخطأ، هي ما حفظت لنا القرآن. فحتى عرب ذلك الزمان كانوا يقعون بالخطأ.
ولكن ذلك لا يغفر شيئا، ولا يزيل همّا. فالذين يغرقون بعالم الكلمات، غالبا ما يجلدون أنفسهم بسوطهم نفسه. فأن ترتكب خطأ يعني أحيانا ألا تنام الليل كله.
ولي صديقة، عطوفة مُحبّة، ما تزال تلاحقني بالهمزة، حتى علقتُ ورقةً على الحائط، أثبت فيها حرصي على الصواب وخوفي من الخطأ.
فلم يمض وقت طويل حتى وقعت "بكلتا"، إذ جررت ما لا يصلح فيه الجر.
تصببت عرقا، وقلت في نفسي، "أريد حلا". والحلول التي ابتدعتها، في حمى الخجل، كانت من قبيل قائمة الوعود التي يقطعها المرء على نفسه في اليوم الأخير من العام ويقول إنه سينفذها في العام المقبل، قبل أن ينساها بعد أسبوع. فقلت، لن أرسل مقالا إلا بعد أن يبيت ليلة. وقلت، لن أضع إضافات إلا بعد أن أراجعها سبع مرات. وقلت، لا، لا، لن أكتب أصلا حتى أتأدب.
وكنت قبل ذلك، أجبرت نفسي على تشكيل بعض الكلمات، على سبيل العناية والتأني، لا حباً بالتشكيل بحد ذاته. ولكن ذلك لم يكف ليشكل حلا.
ثم قلت: أنت بالأحرى لا تريد حلاً، وإنما تريد درساً، مثلك مثل كل إخوانك الذين يغرقون في فوضى النقط.
وأول الدرس هو أن تذهب لتعرف كيف أن حرف الجر، ذاك الذي يجر جبالا، لا يمكنه أحيانا أن يجر شيئا.
ففهمت أن "كلتا" تخبئ من جسمها حرفاً. وتعلمت من قوله تعالى "كلتا الجنّتين أتت أكلها"، أنها وإن كانت في هذه الجملة مبتدأ مرفوعا، إلا أن الضمة "قُدّرت على الألف المقصورة التي منع من ظهورها التعذر". وفهمت أن عزيزتي "كلتا" مثل قريبتها "كلا" لا تُعرب بالألف والياء، إلا إذا اتصلت بضمير متصل مثل قولك "كلتاهما" فتعرب، ساعتئذ، إلحاقا بالمثنى. وساعتها يكون المُعرب هو المثنى وليس أختي "كلتا" نفسها، لأنها ليست بحد ذاتها مثنى. فالمثنى يشترط أن يكون له مفرد من لفظه، وصاحبتي ليس لها مفرد.
فبهت الذي كفر.
وقال، عذرا. فلما رأته إمرأته غارقا بعرقه، قالت: مقصورة، ومستترة ومنع من ظهورها التعذر. فماذا كنت ستفعل لو أنها ظهرت؟
وانتهيت من المحنة الى إعراب جديد يقول: "كلتا" إسم مقصور، يُرفع بالضمّة المقدرة، ولا يُجر، ولا تستطيع أن تعمل له شيئا.
أما فوضى التنقيط، فستظل مستمرة كدليل على إنها جزء من الفوضى التي تعصف بكل شيء.
 

 

المزيد من ثقافة

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب