|

إنصاف قلعجي - يزخر العدد الأول من مجلة"حروف" الإلكترونية (تصدر عن مؤسسة السياب للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة في لندن، والمشرف العام هو الأستاذ جواد المظفر)، بموضوعات قيمة متنوعة تحت عناوين: في النقد(دراسات)، في النقد(قراءات)، النقد(شهادات)، الشعر، والقصّ. وتقول الدكتورة بشرى البستاني رئيسة التحرير، والشاعرة العراقية المعروفة صاحبة" ما بعد الحزن" و" أقبّل كفّ العراق" و"ما تركته الريح" و"مكابدات الشجر" و"أندلسيات لجروح العراق" و"مخاطبات حواء" و"مواجع باء-عين" وغيرها من الدواوين الشعرية الجميلة، والأستاذة في جامعة الموصل، تقول في افتتاحيتها للعدد الأول بعنوان"حروف وأروقة النور" : "ونحن على العتبة، لا بد من تساؤل مشروع.. ماذا نريد من حروف، وماذا تريدون أنتم منها..؟ نريد لحروف أن تسهم في إشعال أروقة الضوء ليتوهج عبير الفتنة.. حروف تحلم بترويض غواية الدم بغواية الحب، وبشاعة القبح بفتنة الجمال، وثرثرة الضجيج ببهاء الجلال والتأمل.. حروف تريد دحض الصدأ برواء الخصب، ودحض القطيعة بملامسة القلوب للألفة، بالحرف الطالع من نبع، والكلمة الذاهبة إلى صميم الروح..
نريد عراقا تجري فيه الأنهار المبجلة زلالا، لا الدماء البريئة ظلما، وتتألق فيه الجداول المستلقية بالحنين على أرض الأنبياء والعلم والكنوز.. حروف تريد وطنا عربيا تتواصل أمته بحبها وتاريخها ومعطياتها المعرفية، وليس بأمزجة القلة فيها.. وتريد إنسانا حرا معافى من الخوف في أرجاء العالم كله، لتكون العولمة وإلكترونها العجيب نعمة لتواصل الخيرات الإنسانية وتناسل الحضارة النبيلة وليس حضارة الخطر المعاصرة بهيمنتها وعدوان طغاتها".
ما لفت نظري في هذه الموضوعات القيمة، مقالة للمبدعة الروائية والقاصة والمترجمة، وكاتبة للمسرح، الكاتبة لطفية الدليمي بعنوان" إزاحة الأنثى من فضاء الأسطورة" حيث تركز الكاتبة على الهزيمة الأولى للمرأة في صراع السلطة بين الآلهة في قصيدة الخليقة البابلية "إينوما إيليش". ففي هذه الملحمة تحدث الصراعات بين سلطة الأمومة متمثلة بشخص"تيامات"(إلهة الغمر المالح)، وبين سلطة الأبوة متمثلة بالإله مردوخ ابن الإله إيا والذي هو ابن تيامات. تقول الكاتبة:" إن قصيدة الخليقة البابلية"حينما في العلى-إينوما إيليش" احتلت الصدارة في قيمتها الأدبية وأهميتها في الفكر الأسطوري الرافديني لأنها تحدثت عن الإله مردوخ، شفيع بابل زمن ازدهار الحضارة البابلية"... وتحدث فوضى كما تقول الكاتبة بين جيل الآباء الآلهة وجيل الآلهة الشابة بعد قتل إيا لأبيه آبسو لأنه أراد قتل أبنائه ليسود السكون ويتمكن من النوم، وحيث تقف الأم مع الأبناء وتقول: لماذا نبيد نحن ما خلقناه؟ لنظل لطفاء معهم مهما كان سلوكهم مزعجا. لكن الإله إيا كان يسعى إلى السلطة. وتسأل تيامات: لماذا نبيد أبناءنا من أجل السلطة؟". تقول الكاتبة:"هذا التساؤل كان مفتتح اللحظة التاريخية في الأسطورة البابلية، ونقطة التحول في المواجهة التي سوف تترسخ بين السلطة الأمومية والسلطة الأبوية، بين الذكورة المقاتلة القاتلة والأمومة المنجبة مجددة الحياة، الذكورة التي تضحي بالحياة وبالأبناء من أجل المكانة والسلطة والأنوثة التي تعمل في مدى استيلاد المستقبل وترفض الإبادة مهما كانت مسوغاتها". وتذكر الكاتبة بأن آبسو كان يرغب بإزاحة سلطة تيامات عن أبنائها، ليتفرد بالتحكم في مصائر الأبناء"باعتبارهم ملكية له وليسوا ذواتا لها استقلالها وحقها في الحياة ومبرراتها في الاختلاف"، وتضيف" يشكل قتل آبسو أول حدث دموي في قصيدة الخليقة وأول جريمة لقتل الأب في الأساطير الرافدينية. وعلى الضد من النظرية الفرويدية حول العقدة الأوديبية، حصلت جريمة قتل الأب من أجل السلطة وليس للاستئثار بحب الأم.."
الآلهة الغاضبة أقلقتهم قدرات الإله مردوخ الذي أطلق الرياح والزوابع في وجه تيامات، فأخذوا يطالبونها بالثأر لزوجها، وكانوا يسعون للتخلص من سلطتها التي تهددهم لامتلاكها لوح المصائر."ولأن مردوخ هو أشد الطامعين بالسلطة تحسبا لما سوف تأتي به الحرب مع سلطة الأم الأولى، فقد اشترط على مجمع الآلهة أن يمنحوه سلطة مطلقة إذا أرادوا أن يخلصهم من هيمنة الأم الكبرى الرهيبة." وبعد اشتباكات كثيرة بينه وبين تيامات، أطلق سلاحه القدير " الطوفان":
"ثم شق جسدها إلى نصفين مثل سمكة مجففة
نصف سقف به السماء
ونصف صنع منه الأرض"
....
تقول الكاتبة:" هكذا انتهت سلطة الأم الأولى التي ضحى بها الأبناء ليخلقوا العالم من جسدها الممزق، واستولى مردوخ على لوح المصائر...هكذا قضت سلطة مردوخ على أم المياه الأولى، وهي التي فجعت بالأبناء مرتين: مرة عندما تناسوا موقفها ورفضها إبادتهم، ومرة عندما دبروا مؤامرة الحرب لإزاحتها عن السلطة نهائيا، ليتكرس النمط الدموي الذكوري في العهد البابلي الأخير، ويواصل في العصر الآشوري في تغييب كامل لسلطة الأنوثة بحلول الآلهة الذكور محل عشتار، ويصبح مردوخ وآشور إلهي الحرب والدم لاحقا"....
فشكرا لرئيسة التحرير الدكتورة بشرى البستاني على هذا العدد القيم من مجلة حروف الإلكترونية، وأتمنى لها النجاح المتواصل.
إنصاف قلعجي، كاتبة وأديبة أردنية |