من أوراق الأيام

News image

صناعة اللّحوم، كيف تحولت الى أداة للتخريب؟

News image

في الأزمات الإقتصادية، مَنْ يُنفق على مَنْ؟

News image

الدول النامية تخسر اقتصاديات الدواء

News image

المظاهر السياسية للاقتصاد الريعي

News image

المشاريع الضائعة، وعدم التهاون

News image

كيف انتهى مصير الفلاحة في ظل العولمة؟

News image

لماذا لا نطلب الاقتصاد.. ولو كان في الصين؟

News image

يوجد غذاء بوفرة، فلماذا يوجد جياع؟

News image

مناجم الشمس.. ثروة إلى يوم القيامة

News image

ما السبيل الى إطعام العالم دون الإضرار به؟

News image

كيف أصبحت الثروة السمكيّة في العالم مهدّدة بالانقراض؟

News image

من يقف وراء تدهور اقتصاد الزراعة في العالم؟

News image

خرائط وحروب المياه الإسرائيلية القادمة

News image

الدولار، نهاية اسطورة عمّرت ستة عقود

غرناطة... أجمل الاحتمالات في طريقك نحو البهاء! PDF طباعة إرسال إلى صديق
الثلاثاء, 11 أكتوبر 2011 22:15
د. محمد نعيم فرحات - ليس هناك مدن لا تحتاج إلى زيارتها، غير أن ثمة مدن بعينها لا تحتاج لفعل ذلك كي تعرفها، لأنها مبنية في الخيال والجمال والذائقة، مدن شيدت نفسها في فضاء الرمز حجراً فحجراً، وتكونت في ضباب الروح والمعنى. ضباب اعتاد على أن يَحُلَ في رحاب المدى والذاكرة محملاً بالمدينة. وعندما تعيش حدثاً بحجم تصفحها حاضراً فماضياً فمعنىً فصعداً، يحصل أن تصلها جسداً بقطع المسافة نحوها، بينما يكون خيالك قد حل في فنائها الفسيح بكامل عدته. وقليلة هي الأمكنة التي يسبقك الخيال ويحملك ويواكبك ويقودك وأنت تدخل حرمها المهيب. 
في هذه اللحظة بالذات، تلتقي كل العناصر في إطار نديٍ ونادرٍ ومفعمٍ يفيض عن كل وصف ممكن، فتنام وتصحو فيها كمن يعيش استسلاما جميلا يسلمك لما هو أجمل. استسلامات تجري عن طيب خاطر وعن إرادة وعن حاجة وعن اختيار، وكأنها نداء يقودك إلى هناك، حيث تتمنى البقاء فيها، فعليا ومجازيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. هنا بالضبط تصاب بالقدرة المدهشة للصمت وجبروته، وهذا بعض ما تغدقه غرناطة من خير عليك وفيك. 
في رواية الناس عن الناس يقولون بأن هناك بشراً ألوفين وأنيسين وحميمين، غير أن أمكنة بعينها هي كذلك وأكثر. أما غرناطة فهي مكان يشكل الحنان بعداً جوهريا في عبقريتها. ويفيض منها كرم يعلو ويتجلى في: المشهد والنظرة والشارع والجبل والأفق والقصر والجار والمرأة والمدى والمشارف والضباب والأطراف والأعلى والقاع والقادم ومن كل حيث. وكأنها عبق تسرب من واد ومن ماضٍ ففاض خيراً وزيتوناً وأنسا. 
وتلك مسألة ترتبط بسيرة المدن والأمكنة وصيرورتها وخصالها الموروثة والمكتسبة وسياق تشكلها الطويل وخبرتها الوجودية وخياراتها وأقدارها وروحها. مسألة بالكاد يفضي التورط في أعماق سوسيولوجيا المدن والفضاءات أن يوصلك إلى خارطتها. غير أنك تفعم وبامتلاء، بما تراه وتعيشه كمسلمة ثقافية وجمالية واجتماعية سليلة أصل وفرع رفيعان. امتلاء يريح القلب والخاطر والخيال والوعي معاً.
* * *
في فناء البحر الأبيض المتوسط، ثمة مدينتان تتبادلان الإحالة: غرناطة والإسكندرية، مدينتان صنعتهما أيادي الناس ثم ارتفعتا رمزاً، لهما سيرة مختلفة عن المدن التي ولدت رمزاً وسرت في وجدان البشر وتصعدت أو تلاشت في ذمة الزمن وخيالات الناس وهي كذلك. هما رمزان كونتهما عبقرية اللقاء والامتداد والخيال والفتح،وبينما ذهب التاريخ الذي أنتجهما بما له وما عليه، فقد ظلتا تستولدان دلالات خاصة بهما، تعيدنا لأنفسنا وللماضي والى المستقبل ونحن مفعمون بذخر مستديم. 
على أن للطبيعة والتاريخ والمعنى تدابيرها الخاصة، حيث دمشق وحلب والكوفة والقيروان وغرناطة وقرطبة ومراكش... وفاس، وبما هي نصوص على هيئة مدن، تتبادل الإحالات بصورة تشي بسر عظيم، سر يربك البحر ويرتبه وينظمه أو يحيله بدوره إلى خيال لامتداده وشاهداً عليه وشريكاً.
* * *
هنا غرناطة، هنا الأندلس: من أجمل وأعلى الاحتمالات في طريقك نحو البهاء، جمال تتداوله البلاد مع المعنى بكامل الحفاوة والأناقة والرشاقة والتماثل العذب ويتحول إلى أريج آسر. هي غرناطة وهي الأندلس: مكافأة تتعب قدرة الروح ولياقتها وهي تحاول الاتساع لجمالاتها المترامية. أرض فسيحة كما الرحمة يطوي كتابها الزيتون والمعنى سطراً فسطراً، إلى آخر المدى الذي يطل على أول الأفق. زيتون كما المعنى تلقته الأرض في رحمها ليثبت أصله حيث قُدرَ له، قبل أن يمتد في كل اتجاه كوعد جميل يبشر ويروي عن غرناطة والأندلس.
ولا يتعلق الأمر هنا بشجر سرح نفسه في أرض شهمة جدلته أيدٍ لها خيال خصيب، ونثرته على جيد غرناطة وصدرها. فترامى كخطاب مذهل حيثما وليت وعيك. خطاب يسلمك على نحو رقيق ومباغت في أمان الله إلى حيز غرناطة، ولأغراض احتياجات المعنى تعين حصول زلزلة ما، فانشقت الجبال على نفسها وانشطرت احتراما، كي يمر الندى والضباب وغرناطة إلى غرناطة ومنها. ويحصل أن يتجه نظرك غرباً فترى أفقاً وكأنه يخفي وراءه بحراً بأكمله أو يشي به. بحر تمت دعوته على مهل كي يكتمل المشهد. هنا بمقدورك أن تعاين تحالفا بديعا تم بين وعد السماء وكرم الأرض وعبقرية الناس، فكانت غرناطة نصه وروحه وخيره وعقده.
* * *
...هنا غرناطة أو هنا تأتي الريح إلى المدينة كي تداعبها وتحنو عليها وتباركها، فتذهب الريح راضية مرضية، كي تأتي بهيبة المعنى وتضعه بين يدي سلطة غرناطة الطاغية في الزمن، طغيان الغواية والاحتواء الجميل.
...من هنا مر الفاتحون وعبرت الجيوش، وركب العلماء والأغنياء ومشى عراة وحالمون ونساك وعاشقون ومغامرون، وسار التجار والشُّطار والفجار والفخار المعتق بالنبيذ. وهنا جالت الدعوات في تخوم الوعي والخيال والجبال وسنابك الخيل. وإلى هنا عاد المنتصرون على أنفسهم وعلى خصومهم أو مضى عابرون إلى قدرهم أو حتفهم لا فرق. وإليها وصل من حملهم اجتماع غاشم لصدفتين تسلمت غرناطة خواتيمها، فكانت نهاية الطريق تعويضا غير متوقع عن وجعها. 
....في كل زاوية أو فِناء في المدينة تقوم أنصاب وخيالات تحكي روايتها عما ترك: محب وفارس وفقيه ومهندس وفلاح وفنان وراهب وورع وفاسق وصعلوك وظريف وعابر سبيل وعبقري وشاعر وعاشقة وسفير وجارية كان لها سلطة على قصر السلطان. ومُلكٌ وملوكٌ تقلب وتقلبوا في الزمن، وذهب وذهبوا بعد أن تركوا لنا، شواهد تدعونا على نحو بهي، كي نرسم الصور و نقتفي ونستعيد: كيف كانوا؟ وكيف عاشوا؟ وبأي مزاج؟.
..هنا غرناطة: فيض ناعم ولذيذ إلى حد الإحباط، ينساب من نظر رقيق أو هكذا خلقه الله واختار لنفسه وروضته المدينة بتعاليهما. نظر مشحون بكرم وعطف وسمو يطويك أسيراً، ثم يمضي في حال سبيله وكذا يفعل الناس أيضا. أما غرناطة فتظل بالغة الصحو واليقظة وهي تجمع جمالاتها التي زرعتها في كل نحو، وتخبؤها في سرها الذي يعود ليفصح علنا عن خاطره. إنها وديعة من جمال تركها الزمن والخيال بعهدة المدى كأمانة، فتوارثها البشر جيلا تلو جيلا. 
* * *
...غرناطة انتصار حاسم ولائق على الوحشة والبشاعة والوحدة، فيها لا يقلقك العثور على قلبك وسط لا هوادة الحرير. ومنها قد تنشغل بقطع المسافة وأنت تحاول أن تحصي انزلاقات خيالك هناك. أو تتأمل في عاصفة من شعر هدَّله عليك نعاس أطاح بجيدها كما لا يستطيع حشد من العتاة في ترويض الجمال أن يفعل ذلك. خير وفير أهداه النوم والنعاس والليل والاستسلام لفتنة الطريق وأمان غرناطة لكلتا يديك. 
...تنتهي الطرقات من غرناطة إلى أخرى، قد تشتبك أو تتفرق كأيادي سبأ، لكن فؤادك يعرف طريقه إليها.أما غرناطة فلا تنتهي إلا من معنى لمعنى، هناك في أعلى عروش الذاكرة المستديمة والندى: مِنْ، إلىْ، عَنْ! تحيلك إلى ملكوت غرناطة أو غرناطة بعينها. هي هي، أو حيث يُدهَشُ الذي أمن فيستحيل عشقا.
 
د. محمد نعيم فرحات، كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين.
 
 

المزيد من ثقافة

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب