|
الاثنين, 28 نوفمبر 2011 22:28 |
د. عدوان نمر عدوان - يتساءل الكثيرون عن صعوبة أشعار محمود درويش لا سيما دواوينه الأخيرة. حتى أن أحد الذين حضروا أمسية من أماسيه قال: أنا حضرت أمسيات لدرويش، لكني لم أفهم كل ما كان يقوله ومع ذلك كنت حريصا أن أحضر كل أمسياته المتيسرة لي، لأن إحساسا معينا ربطني بالشاعر وشعره، فقد كنت أحس أن في هذا الشعر ذاتي الوطنية.
وهذا التساؤل المشروع جاء بناء على قضية حقيقية يواجهها المستمع أو القارئ، وهي قضية التعمية في بعض مقاطعه الشعرية، فمن أين؟ وكيف تزاحمت هذه النقاط العمياء في نصوصه؟
ثمة ثلاثة أسباب، في رأيي، لتزاحم هذه النقاط في دواوينه وهي أولا: أنه شاعر خصب من طراز رفيع، يوظف ثقافته وخبراته الواسعة والمترامية الأطراف في شعره، فقد قرأ كثيرا، وطاف المرافئ، وعاش مع الفدائيين والأدباء والشعراء ما لم يتيسر لشاعر فلسطيني آخر، وصاحب ياسر عرفات مجسدين حالة القائد والشاعر حق تجسيد في نضالهما، كل ذلك إضافة لحسه المرهف أكسب شعره دفقا ايقاعيا فنيا ورؤية موضوعية فلسفيه خاصة.
وثانيا: لأن الفن بطبيعته يمتلك كلية القراءة أما المتذوق فيمتلك جزئية القراءة، الفن يقرأ الجميع فيما المتذوق يستطيع أن يفهم جزءا من هذا الفن فقط؛ لأن فهم النص كشف له، وإذا فهمنا كل شعر درويش قتلناه، فلا يمكن الإمساك بحصان المعاني؛ لأن في ذلك انتحاره، إننا نحس بالشعر ولا نفهم المعاني كلها، لذا أبقى درويش ترانيم خاصة لمن سيأتي بعده من العاشقين لأنغامه، وهذا هو الفن، الفن في قدرته على مغازلة أكبر كم من المحبين والمعجبين ومنح كل منهم حالة خاصة ولو كانوا في غير زمنه،إن قيمة لوحة الموناليزا تكمن في قدرتها على التناغم مع الحالات النفسية والإحساسية لقرائها المتعددين، وقيمة القصيدة الدرويشية في حملها لأكثر من معنى بل في حملها لمعان متعددة ومتناقضة في الآن نفسه، فالحقائق لها وجهان، والثلج أسود كما قال.
وثالثا: لأن في شعر درويش درجة عالية من التوحد والانسجام فهو مثل رقص يصاحبه غناء، إنه موسيقى حركية، وإيحاء عبر عنه بلغة قابلة للتأويل فلقد داعب درويش الفكر والإحساس معا، وجعلهما يتراقصان مثل لهيبي النار، فمثلما تورط في شعرية الشعر إلى أقصى حد ممكن أمعن في لعبة المعاني في تجلياتها وغموضها، فكلما علا إيقاع شعره وسطع فنيا وفلسفيا عتمت مراميه، فشمس معانيه من عمقها وشدة سطوعها يحدث أن يحجبها أحيانا جدار من الغموض والتعمية، غير أن أشعتها تبقى تتوهج في أفق المتلقين والمتذوقين لإيقاعه، وفي هذا تكمن بصيرة محمود درويش ونبوءته الشعرية.
يستحق درويش أن يكون هوميروس الشعب الفلسطيني مجسدا لملحمته التاريخية مع آخر المستعمرات الكولونياليه على هذا الكوكب، هوميروس الضرير حاول جاهدا أن يجعل شعره مبصرا واضحا في ملحمتيه، أما درويش المبصر فقد أعميت عنا بعض مقاطعه من شدة سطوعها وسطوع فكره؛ لذا لا يكون أمام المتذوق سبيل سوى أن ينساق خلف قلبه ومشاعره لعبور هذه المقاطع العمياء، ولا يكون أمام القارئ المبدع سبيل سوى أن ينساق خلف فكره ليقرأ هذه المقاطع العمياء ويؤولها، فحسب بول دي مان فإن في أشد نقاط النص تعمية تكون البصيرة، وربما تكون هذه المقاطع العمياء بصيرة مستقبلية، وأرضا بكرا للقراء المكتشفين، أو ثقوبا سوداء تنقل شعره من أزمنه حقيقية لأزمنه مجازية خالده.
د. عدوان نمر عدوان، كاتب وأستاذ جامعي فلسطيني
|