|
الأربعاء, 14 ديسمبر 2011 00:05 |
حوار : محمد القذافي مسعود
* هل مازال المثقف العربي يفتقد للقنوات التي تشد الجماهير إلى ما يدعو إليه؟
ـ لا أقول "يفتقد"، بل زاد افتقاده للقنوات التي يتصل بها بالجماهير، سواء بأفكاره أو أعماله، أو إبداعه.. مع انفجار سكاني في اغلب البيئات العربية، ووجود طفرة ديمغرافية كبرى، وتضاعف عدد السكان لمرات عما كان عليه المجتمع قبل عشرين سنة.. فان ملايين الشباب اليوم لا علاقة لهم بالمثقف أو الثقافة! ليست المشكلة أحادية، وليست نخبوية.. إنها مشكلات معقدة متداخلة مع بعضها البعض.. منذ بدء الثورة الإعلامية المعاصرة مع بدايات تسعينيات القرن الماضي، والثورة تجتاح مجتمعاتنا بكل وسائلها الإعلامية المعاصرة على مدى ساعات اليوم، وهي كلها لا توظف نفسها للثقافة، ولم تمنح المثقف فرصته الحقيقية، ليقول ما عنده بالرغم من تضاءل حجم المثقفين العرب وانكماشهم.. وانشغالهم بالقضايا السياسية دون الإبداعية.. المثقف لا يمكنه أن يكون كذلك أن لم يبدع.. والإبداع إن يأتي لمجتمعه بشيء جديد من الأفكار والرؤى والنصوص الجديدة.. ولا يمكن للإبداع أن يكون كذلك إن لم يعترف به المجتمع، وتتداوله الألسن.. ويجد المثقف نفسه محاصرا لتقديم المزيد.. إن الزمن اليوم قد تغير.. فإذا كانت نخب المثقفين العرب السابقين تجد قنواتها إلى كل الجماهير متاحة عبر فلم أو رواية أو نص شعري أو مقال أو انجاز أو أي منتج إبداعي.. فان القنوات الإعلامية المتاحة اليوم، وهي كبيرة ومؤثرة، لا تعتني بالمثقف قد عنايتها بالسياسيين.. إن السلطات العربية في اغلبها تشعر بان المثقفين وباء أو أشتات من المقرفين الذين لا ترتاح لطروحاتهم أبدا.. فكان الإقصاء سبيلا حقيقيا للمثقفين العرب الأقوياء.. ونجد القنوات الحقيقية التي يطل فيها على الناس جملة كبيرة من المعممين ورجال الدين الذين لا عمل لهم إلا ترديد ما يقولونه! أما حصة الأسد، فهي من نصيب المسؤولين والسلطويين والسياسيين وأنصاف المثقفين.. الذين أصبحوا اليوم من مثقفي السلطة سواء كانت هذه الأخيرة سياسية أم إعلامية! إن الإعلام العربي ومؤسسات الثقافة والفكر لا يمكن أن تشكل ضمن أساطيل مرة تابعة لهذا، وأخرى تابعة لذاك! إن الإعلام العربي قد ساهم منذ خمسين سنة في سحق الإرادة وشل التفكير وشراء الذمم والتغني بالأكاذيب والترويج للانقسامات والتماهي مع الهزائم.. الخ إن المثقف الحقيقي لا يمكنه أن يكون بوقا لهذا أو ذاك! انه يجد نفسه ربما مهمشا، وربما غير فاعل، وربما محبطا.. أو يمضي للمشاركة هنا أو هناك على استحياء!
* هل يمكن بناء تصور جديد "لوظيفة المثقف العربي من خارج التاريخ الثقافي الوطني"؟
ـ لقد فوجئت بهذا السؤال الذكي.. إذا كنت تريد بناء هكذا " تصّور " جديد لوظيفة مثل هذا المثقف العربي من خارج اسيجة التاريخ الثقافي الوطني، فان الجواب لا يمكن أن يأتي بهذه السرعة.. وبأقل ما يمكن من الكلمات.. ولكني دعني اختزل بعض تصوراتي عن هذه " الوظيفة ".. خذها قاعدة أن لا يوجد مثقف عربي له قوته الحقيقية إن لم يجد وظيفته من داخل التاريخ الثقافي الوطني أو خارجه معا.. إن التاريخ الثقافي الوطني سواء كان قد استوعبه أو لم يستوعبه، فهو تاريخ مستهلك في اغلبه، وان هذا العصر قد تجاوز تاريخنا الثقافي الوطني كثيرا، ولم يعد هذا التاريخ يلبي حاجات أساسية في الثقافة الحديثة، نتيجة ما تضمنه هذا التاريخ من هزائم وانتكاسات وما شكله من أكاذيب ومن هلوسات وتعداد أمجاد بعض منها لا أساس له من الصحة، فضلا عن انه تاريخ مشوه لمجموعة تناقضات وتقاليد لأفكار مسروقة من هنا ومنتحلة من هناك.. ولكن لا يمكن لأي مثقف عربي حقيقي أن يختزل الطريق مباشرة كي يصطف خارج تاريخه الثقافي الوطني قبل أن يتشّبع به تماما.. ذلك انه ضرورة بالنسبة للأساسيات التي يمكن الانطلاق منها.. أن المثقف العربي الحقيقي لا يمكنه أن ينفصل أبدا عن تاريخه الثقافي الوطني مهما حمل من سلبيات، ولكن لا ينبغي التعويل عليه في هذا العصر! ليس هو عبئا عليه، إن وجده صعبا، فليس تاريخنا الثقافي بسيطا أو تافها.. انه معقد وشمولي وكبير وغني وملئ بالسلبيات والايجابيات، لكنه غير مدروس نقديا البتة .. إنني لا استطيع أن أجد مثقفا عربيا ملتزما بقضايا متنوعة في بيئته أو مجتمعه إن لم يكن له رصيد من الركائز القوية في تاريخه الثقافي والتمييز بين مساحاته، وقراءة نصوصه بتمكن نقدي.. بمعرفه مفاصله بموسوعية. إنها مسألة حيوية بالنسبة لي في أن اصنع من الآخرين مثقفين لهم وظيفة أساسية خارج التاريخ الثقافي العربي، شريطة أن يكونوا قد سيطروا منذ البداية على ذلك " التاريخ " ومشاكله.. كي يكونوا مؤهلين لأية مهمة خارجة عن إطاره.. وعليه، فأنني لا أعول على أبناء وأحفاد الجاليات العربية الذين لهم وظائفهم الثقافية خارج تاريخ ثقافتهم الأم، كونهم مفتقدين إياها. إذن، هم لم يعودوا يخدمون الثقافة العربية كونهم انفصلوا عنها.. عكس مثقفين آخرين نجحوا بمزاوجة وظيفية رائعة بين الاثنين وارتقوا على كل التناقضات.. وقدموا للثقافة البشرية روائع نادرة.
*كيف تقيم الخطاب السائد في هذه المرحلة؟
ـ الإبداع قليل، بل نادر جدا مقايسة للنمو الديمغرافي العربي.. الثقافة العربية في حالة انحدار مستمر منذ خمسين سنة! الخطاب السائد استطيع وصفه بخطاب اجتراري ليس في عباراته وكلماته ومصطلحاته، بل حتى في مفاهيمه وأفكاره! الخطاب السائد عربيا اليوم هو إعلامي وشعاراتي أكثر منه ثقافي وايديولوجي.. انه مزدحم بالتناقضات الدينية والسياسية بعد أن اختفى فجأة الخطاب القومي أو اليساري الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية.. لقد عشنا مرحلة ثلاثين سنة 1979 – 2009 ازدحم فيها حقا، خطاب التناقضات وهيمنت الانشائيات الدينية ولم تزل، وخصوصا عندما بدأت منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، شعارات خطاب ثورة ولاية الفقيه من طرف وخطاب الصحوة الدينية من طرف آخر.. وقد وصلت كل منهما إلى حالة التصادم.. إنني لا أجد في كل من الخطابين ( ثقافة ) حقيقية، بل إنهما خطاب انجرف الملايين لتأييدهما بسذاجة بالغة.. اليوم نحن عند مفترق طرق صعب.. خطابنا العربي في اشد حالات البؤس والشقاء والضياع، إذ لم يعد له تأثير بالغ كما كان سائدا في السابق، وذلك بفعل ابتذال الكلمة وميوعة مقول القول.. الخطاب اليوم إعلامي وإنشائي ودعائي، وفي أسوأ درجة من مقول القول وتلقي المتلقي.. سواء على شاشات الفضائيات الهزيلة، أم على مواقع الانترنيت المبتذلة. صحيح انه مغرق بالسياسة، ولكنه ليس بخطاب سياسي حقيقي، وهو بعيد عن تلبية أية حاجات اجتماعية وحضارية.. لم يعد الخطاب يشكّله أناس محترفون أو بالأحرى مهنيون.. لم يعد الخطاب يتميز به فلاسفة جادون.. لم يعد الخطاب مكتنز بالشعراء والأدباء.. لم يعد الخطاب خطاب الثقافة والإبداع، بقدر ما هو اليوم خطاب السياسة المشوهة والتسابيح الإملائية.. لم يعد الخطاب خطاب علم ومعرفة، بقدر ما هو خطاب الشعارات والشائعات.. هناك بقايا خطاب رائع يحمله أبناء جيل سابق ممن تربى على روعة الكلمة وأداء مقول القول.. إن الجيل الجديد لا يعرف من الخطاب، إلا ما يجده على الويب من دون أن يتعب نفسه في مكتبة أو مركز ثقافي أو ردهات جامعة.. الفنون كجزء معبر من الخطاب لم تعد كما كانت سابقا.. الغناء مبتذل جدا، الطرب منعدم أو يكاد ينعدم.. مات الموشح.. مات المسرح الغنائي.. المسرح الملتزم اختفى.. التشكيل اختلط أمره على كل من هب ودب.. الأدب اضمحل جدا، ولم يبق إلا بضعة أدباء أقوياء تأكلهم الأمراض والاسقام.. السينما العربية غدت تافهة جدا، والناس غدت تنتظر المسلسلات الرمضانية سنويا وكأنه تقليد أعمى لقتل الزمن! إننا نعيش خطابا يتوزع بين الوعظ الديني، ومشاحنات الاتجاه المعاكس.. وتفاهات البرامج التلفزيونية ولم أقف إلا على النادر من البرامج الحية.. إننا نعيش خطاب مقالات الصحف البائسة.. إن النقد كواحد من مقومات الخطاب لم يعد أدبيا، ولا فلسفيا، ولا إبداعيا.. انه مجردا من كل المقومات. إن الخطاب الحقيقي هو مقول قول حياتنا التي ينبغي أن يكون خطابها اليوم ليس مشاركا البشرية مشاكلها حسب، بل أريده أن يكون ذلك الخطاب الذي يعبّر عن إرهاصات مجتمعاتنا نحو بناء المستقبل وليس ما تريده من المتعة الآنية، بل ما يمكن أن يكون تحديا لها كي تستجيب له بعد أن يتغّلب الوعي عندها، فالوعي مغيّب تماما، والتفكير مشلول.. بالرغم من الدعوات المستمرة للإصلاحات والتغيير.. ولعل أهم ما قدم في السنوات الأخيرة وثيقة الإسكندرية للإصلاح.. والتي لم يأخذ بها احد حتى الآن!
* حاليا من تراه قادر على تحقيق الديمقراطية - من بيده ذلك؟
ـ الديمقراطية لا يمكنها أن تبنى من فوق أبدا! الديمقراطية لا يمكنها أن تؤسس من قبل زعماء وحكام وقادرة ورؤساء يزعزعون من خلالها عروشهم وكراسيهم! الديمقراطية لا يمكنها أن تفرض فرضا على المجتمعات! والمجتمعات غير مؤهلة لها أبدا! الديمقراطية لا يمكن أن تتفق أبدا مع الشورى في الإسلام أو البيعة في تاريخ الإسلام! الديمقراطية، أسلوب حياة، ونظام تربوي، وضرورة اجتماعية لتلبية مطالب مدنية حقيقية تؤديها سياسات وأساليب ونظم وتقاليد وأفكار وممارسات وصناديق اقتراع.. لابد أن يتربى عليها أكثر من جيل لتنمو وتتطور.. إن المجتمع لا يمكن أن يبدأ تفكيره بالديمقراطية، إن لم تكن هناك جماعات معلمين مفكرين، ونخب مثقفين، وفئات نقابيين.. ومن ثم موجات جماهير تطالب بالديمقراطية على أسس وطنية ومدنية ودستورية.. ذلك إن المطالب الدينية شيء والمطالب المدنية شيء آخر، فالمتدينون الذين يشتغلون سياسة لا يمكنهم ممارسة الديمقراطية، وإلا فهم سيتساوون مع العلمانيين، ومع الشيوعيين ومع القوميين ومع الملحدين ومع كل الألوان وهم يعتبرون أنفسهم أعلى بل أنظف وأسمى واطهر وهذا ما لا يتفق والديمقراطية.. فضلا عن أن الديمقراطية ليست وليدة أي دين، بل إنها من اختراع الإنسان عبر تطور حاجته للحكم والعدالة.. فالديمقراطية يمارسها المدنيون فقط، الذين يحتفظون بعلاقتهم الدينية بينهم وبين خالقهم سواء في السر أو العلن.. أما سياسيا، فهم مدنيون لهم القدرة على أن يفصلوا بين الدين والدنيا، وان يجعلوا الدولة في خدمة المجتمع، وان يجعلوا المجتمع في طاعة الدستور المدني.. إذن الديمقراطية تنمو مع فكر الإنسان منذ استقلاليته وصبوة تفكيره.. لا أن آتي لشيخ طاعن في السن لا يعرف إلا إصدار الأوامر واجعله مقيّد بالقانون! هنا تأتي مهمة الدولة في أن تكون مهمتها ليس تطبيق الديمقراطية وهي ذات نظام ثيوقراطي أو أوتوقراطي أو ولاية فقيه.. الخ بل نطالبها بالتغيير في أن تكون مدنية وبقوانين مدنية حتى تسمح بولادة فكرة الديمقراطية وتغّير مناهج التعليم وتنهج نهجا إعلاميا مدنيا.. عند ذاك سينشأ جيل متقدم مشّبع بالأفكار المدنية ويدرك قيمة القانون ويعتني بالإنسان وحقوقه وواجباته والمرأة والطفل.. عند ذاك، سيبدأ شعور وطني بأهمية المستقبل للمجتمع وان يتساوى أبناء المجتمع في حقوقهم وواجباتهم من خلال تشريع دستور مدني يكرس الديمقراطية على أسس وطنية لا يفرق بين الطوائف والملل ولا يفرق بين أبناء المجتمع لا على أساس ديني ولا على أساس شوفيني عرقي ولا على أساس محلي أو جهوي.. فهل سيتبلور ذلك في المجتمعات العربية؟ لقد ضيّع العرب ومعهم شعوب كبيرة من العالم الإسلامي أكثر من مائة سنة على إيديولوجيات سياسية وأحزاب دينية لا يمكن أن تقودهم أبدا إلى الديمقراطية.. والى حد الآن لا يمكنني أن اتصّور كاتبا إسلاميا يروّج للديمقراطية، وهو يدرك إنها ليست جزءا من تاريخه أبدا! فهل سنشهد متغيرات جديدة في التطور الديمقراطي لدى العرب والمسلمين في القرن الواحد والعشرين؟ هذا ما ستسفر عنه العقود الزمنية القادمة ومن خلال ثلاثة أجيال قادمة..
* منذ سقوط بغداد وحتى الآن، إلى أي حد ترى أن سقف الحريات يعلو أو يتراجع؟
ـ إن الحياة البشرية تتقدم لدى مجتمعات وتنتكس لدى مجتمعات أخرى.. إن سقوط بغداد بأيدي الاميركيين وقوى التحالف عام 2003 وحتى اليوم تعيش تحولات صعبة جدا لا يمكن تخيلها أبدا.. ربما لأنها خرجت من تاريخ عمره قرابة خمسين سنة كان قد امتلأ بكل الأوضار والأحاديات وحكم المليشيات ودكتاتورية الزعماء وحركات التمرد وموجات الانقلابات ومسلسلات الحروب والانتفاضات.. وهجمة الحصارات وسطوة أجهزة الأمن والمخابرات.. الخ ولكن العراق ويا للأسف الشديد لم يدخل عهد نقاهة تاريخية أمدها لا يقل عن عشر سنوات بعد السقوط.. يداوي فيها قروحه وجروحه التي لم تندمل.. بل انفتحت أبواب جهنم على مصراعيها أمام العراقيين وخصوصا من خلال الانفلات الذي أراده الأميركيون الذين اعتمدوا على أحزاب وقوى غير مؤهلة للحكم ولا لاستيعاب الفراغ ولا لتقبل المجتمع لها.. سقف الحريات الذي ننشده طار فجأة ليرى العراقيون أنفسهم مباشرة من كونهم في قمقم مغلوق عليه إلى أن يكونوا في غابة فيها كل الوحوش.. لم يعد هناك أي سقف للحريات منذ خمس سنوات.. هناك انفلات واستهتار وموجات عنف وتهتك وعصابات خطف وتوحش وقتل للناس! إننا أمام مشهد دموي محزن في فراغ سياسي وامني كبير.. يقال انه بدأ يتحسن اليوم شيئا فشيئا ولكنه مخلفا المزيد من التناقضات.. وكما قلت قبل أكثر من ثلاث سنوات ذلك إنني كنت أخشى السلطة والدولة قبل العام 2003، أما اليوم فإنني أخشى العصابات والمجتمع!
* كيف تفسر "تقدم الفكر الإيديولوجي على الفكر النقدي في الخطاب الأبوي المستحدث "؟
ـ أراك عزيزي تنقلني من موضوع قريب إلى موضوع بعيد أو ابعد من البعيد.. لقد ضاع من عندنا الفكر النقدي نحن العرب، ورحل عنّا النقاد الحقيقيون ولم يعد احد يهتم بنقد الحياة أو الواقع، فكيف بنقد النصوص.. أرى الجميع وقد استسلموا للمباهاة والمداراة والتمجيد والتسبيح والتحميد والمديح الفارغ.. أرى الجميع لم يعد يجد في الفكر النقدي لا غاية ولا ضرورة ولا حتى وسيلة للتقدم، بل ولم يعد احد يقرأ في الفكر النقدي من اجل تشكيل خطاب المعرفة. المعرفة مغيبة تماما.. بل ومات الالتزام والأدب الملتزم ليس بسبب رحيل الاشتراكية والفكر الاشتراكي، بل بسبب ما مر في حياتنا السياسية على امتداد أكثر من خمسين سنة.. مرحلة الانقلابات العسكرية وما يسمى بالمد القومي الذي طبع نفسه بالاستبداد وولادة أكثر من دكتاتورية عربية باسم القومية العربية قمعت الفكر النقدي، وقمعت كل الأنفاس الحرة وخلقت شراذم مؤدلجين أو محاولين الادلجة ضمن سياقات ما يسمى بالاشتراكية والثورية في حين نجد أبعادا حقيقيا للمثقفين والمفكرين الملتزمين اليساريين العرب وولدت المرحلة ذات المد الديني على أعقاب مرحلة المد القومي منذ ثلاثين سنة، وهنا انتشر العقم والتزييف والجمع بين السيئات كلها، بل وطغت التناقضات في ثلاثة عقود على كل أبناء مجتمعاتنا ، ولم نعد نجد المثقفين الحقيقيين إلا وقد انكمشوا، أو هاجروا، أو انتحروا، أو ماتوا بائسين من قنوطهم أو سكوتهم أو دمار أفكارهم في بحر من سلطة لا الدولة القومية بل سلطة المجتمع الديني أو الطائفي وبدأت حتى الأنظمة ذاتها تصفق لتلك السلطات المحلية الدينية التي استحوذت على الشباب وجعلت منهم قنابل موقوتة ضد الحياة نفسها. إنني لا أؤمن أبدا بوجود فكر ايديولوجي اليوم، فالايديولوجية معناها باختصار : " المذهب السياسي " وأنا لا أجد اليوم أي مذاهب سياسية، بل أجد أحزابا دينية أو شراذم طائفية تسيطر على خناق المجتمعات، وتريد أن تستحوذ على السلطة والدولة بقوة تأييد الناس وعبر الصندوق الانتخابي، أي باسم الديمقراطية، وهي ابعد ما تكون عن الديمقراطية!
* ما رأيك في كل ما قيل عن نظريات ابن خلدون من مؤيدين ومعارضين وهنا أعطيك بعض الأمثلة : فمثلا خالد الدخيل قال : " نظرية ابن خلدون لا تصلح لتفسير تاريخ الجزيرة العربية " والدكتور خلدون النقيب قال " المرحلة التي نعيشها الآن تمثل صحة فرضيات ابن خلدون "؟
ـ ابن خلدون سبق عصره طويلا، واعتقد من خلال اطلاعي على تراث هذا الرجل انه كان وما زال ليس " معجزة عربية " ـ كما وصفه ايف لاكوست، بل هو " أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم " ـ كما قال عنه ارنولد توينبي. إن فلسفته وما وراء فسلفته لم يكشف عن أسرارها حتى يومنا هذا.. انه مفكّر من طراز أول في تحليل الواقع، وكشف التناقضات على مستوى علاقة الدولة بالمجتمع والأطوار التي تمر بكليهما.. لم تزل العقد التي كشفها سارية المفعول في مجتمعاتنا العربية، وخصوصا مسألة العصبية وثنائية البداوة والتمدن.. لم تزل البداوة مترسخة في العديد من مجتمعاتنا، ليس بأشكالها التي نعرفها، بل إن آثارها موجودة حتى في المدن ويحملها من لم ينفصل عن ارثه حتى اليوم! اليوم نحن رجعنا متأخرين جدا عن نظرية الرجل في التمدن.. هناك مجتمعات عربية وإسلامية لم تزل تحمل " العوارض " التي قالها ابن خلدون وبشكل مضاعف.. إن مفهوم العمران البشري نحن من البعد الكبير عنه، فهو ـ كما قال ـ خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة هذا العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن الكسب والعلوم والصنائع من سائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال ".. ويلامس ابن خلدون نظرية النشوء والارتقاء، ولكنه لم يتعمّق فيها! انه لم يسبق عصره حسب، بل سبق عصرنا أيضا.. انه يؤمن بالظواهر وبأسبابها ونتائجها.. انه يؤمن بأن الإنسان لا يستطيع العيش بمعزل عن أبناء جنسه حيث إن " الاجتماع الإنساني ضروري " فالإنسان عنده " مدني بالطبع " فهو إذن يرسخ مبدأ المدنية الذي يعتبره معنى العمران. وعنده العمران البشري أمر آخر موضحا اثر البيئة في الكائنات البشرية مرسخا بداية حقيقية لكل من علم الاتنولوجيا وعلم الانثربولوجيا.. ويؤمن بسلاسل الأجيال، إذ يؤمن بأن " اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش.. ". ماذا بعد هذا كله؟ هل تجد مثل هذه الأسس في مناهجنا نحن العرب وشعوب العام الإسلامي اليوم؟ هل دساتيرنا مدنية؟ هل تتبلور ثرواتنا من خلال الكسب والعلوم والصنائع..؟ هل يسود الانسجام والتعايش والتضامن وحقوق الإنسان في دولنا ومجتمعاتنا بدل ما يسود اليوم من توحش وعصبيات ونعرات وقرابة محسوبيات ومنسوبيات وتغلبات وتناقضات؟ ارجع كي اشدد القول بأن أفكار ونظريات ابن خلدون لم تزل بعيدة عن تفكير ليس عموم الناس، بل حتى عن المختصين والمؤرخين وكبار المثقفين العرب والمسلمين. لماذا؟ ليس لصعوبة ما قاله الرجل، بل لأنها تتقاطع مع من هو راسخ في التفكير الراهن، ولأنها تختلف مع من لم يفكر تفكيرا مدنيا!
* في رأيك ما الذي يجعلنا نتحول " من ورثة طبيعيين للخطاب الغربي إلى ورثة فاعلين "؟
ـ ورثة فاعلين لمن؟ كنت أتمنى أن يكتمل السؤال.. ولكن دعني أحدد بعض ما لدي من قناعات وما كنت قد استفدت من تجاربي الفكرية المتواضعة منذ قرابة أربعين سنة، خصوصا عندما بدأ تشكيل الوعي التاريخي عندي ومن خلال قراءات متنوعة وتجارب نقدية وتحليل أفكار وتفسير نظريات وإلقاء محاضرات.. نحن لسنا ورثة طبيعيين للخطاب الغربي.. نحن مجرد مقلدين لهذا أو ذاك من أوجه الخطاب الغربي! الخطاب الغربي لسنا ورثة له لا بطبيعيين ولا غير طبيعيين! نحن لم نؤسس حتى يومنا هذا أي خطاب يعّبر عن واقعنا تعبيرا حقيقيا مع استفادتنا من مصادر أخرى! نحن دخلنا حياة هذا العصر منذ بدايات القرن التاسع عشر، وتسلسلت أجيالنا لأكثر من سبعة أجيال ونحن ننتقل من مرحلة زمنية إلى أخرى تبعا لتأثير ما يسود في الغرب من خطاب من دون أن ندرك أن واقعنا بحاجة إلى خطاب يختص بنا، وبإمكانه أن يقف جنبا إلى جنب خطابات ثقافات ومجتمعات أخرى! اليابانيون وغيرهم من الشعوب تأثروا بالخطاب الغربي، ولكنهم لم يستنسخوه ويروجوا لمفاهيم بعيدة عنهم! إنهم ما كانوا بمنغلقين على تراثهم من ناحية ويروجون لأفكار الغرب وخطابه! دعني استعرض لك حالات الصراع بين واقعنا المنكود وبين خطابنا المشوّه.. جيل التأسيس بدأ عندنا مع الثورة الفرنسية وولدت أفكار من دون إن تؤسس ثورة في التغيير بمجتمعاتنا.. أفكار حملها السلطان سليم الثالث في تركيا العثمانية ووالي مصر محمد علي باشا.. ثم ولدت مرحلة جديدة أسموها بالتنظيمات الخيرية بدفع أوربي واضح سعت إلى مقاربة الأقليات.. ثم مرحلة المطالبة بالدستور، فولد عهد الأمان بتونس وعهد المشروطية عثمانيا من دون أي تغيير حقيقي.. ثم جاءت مرحلة الاستنارة الفكرية وترجمت الفلسفة الإغريقية مع الاعتماد على الاستعمار والماسونية ووصلت الظاهرة الاستعمارية إلى أقصى توحشها، ثم ولدت المرحلة الليبرالية وتأسيس الكيانات الجديدة بعد مؤتمر فرساي عام 1919 وساد خطاب تقليدي بحت مع حكومات علمانية في السر ولكنها إسلامية دستوريا، وتأثر العرب بالنازية والفاشية وبدا حتى الشباب يتمثلون شارب هتلر.. ثم جاءت مرحلة المد القومي الثوري اليساري الاشتراكي لما بعد الحرب العالمية الثانية وشغلت الجماهير بمجموعة دعايات وأكاذيب وتجارب كلها تقليدية للعالم الشيوعي.. وانتهت بمجموعة هزائم نكراء وجاءت مرحلة المد الديني سواء بما اسمي بتصدير الثورة الشيعية من إيران، أو بالصحوة الإسلامية السنية من العرب، وولدت الحروب والصراعات الطائفية والمذهبية وروج لخطاب انقسامي اشاعه الغرب منذ زمن طويل.. واليوم نحن على أعتاب مرحلة جديدة، ربما أدرك طبيعتها لثلاثين سنة قادمة، ولكن دعني من عدم الإفصاح عنها لسوء طوالعها مع الأسف.. على امتداد أكثر من قرنين من الزمن الصعب، كان العالم منشغل بتحديث آلياته وأساليبه وأفكاره ونظرياته ونظم الحكم وتنمية التفكير.. الخ في حين مرت مجتمعاتنا من انتكاسة إلى أخرى ليس بسبب هجمة الاستعمار أو تأسيس إسرائيل التي اعتبرهما قميص عثمان بالنسبة لتخلف العرب، بل لأن عوامل الانشداد نحو الوراء كامنة في ضمائر ليس الجماهير حسب، بل حتى لدى النخب وأنصاف المثقفين وجملة عريضة ممن يسمون أنفسهم بمفكرين.. ناهيكم عن صناع القرار الذين ليس باستطاعتهم الخروج عن ارث مزدوج شكل تناقض رهيب في الواقع، فهم يقلدون الغرب من جانب، ولكنهم ليس باستطاعتهم الخروج من عباءة ماضيهم من جانب آخر! إن العرب وشعوبا أخرى مشاركة لنا أن أرادوا أن يكونوا فاعلين ومؤثرين بخطابهم في العالم.. فما عليهم إلا أن يباشروا مشروعا أساسيا في التغيير مستفيدين من تجارب غيرهم.. في التمدن الاجتماعي والمناهج التربوية والتفكير السياسي .. في القانون والخضوع للدساتير المدنية وحقوق الإنسان.. في المجتمع المدني وتقديس المال العام واحترام الزمن.. في التعايش والإنتاج والعمل.. وان تكون الدولة في خدمة المجتمع ويكون التعبير في خطاب يعّبر حقيقة عن واقعنا لا واقع غيرنا!
* ما رأيك في مراكز ومؤسسات الدراسات والأبحاث المختلفة في العالم العربي وما تقدمه من جهد ودعم للباحثين والمشتغلين في الحقل العلمي والبحثي كافة _ هل هو كاف بدرجة الوصول إلى نتائج علمية وميدانية تقوم عليها الخطط والمشاريع المستقبلية للدول والشعوب؟
ـ نعم، هناك عدد من مراكز ومؤسسات بحوث ودراسات في عالمنا العربي.. ولكن لي تقييم خاص لها، فهي إن كانت رسمية، فهي مرتبطة بالسلطة في أي مكان أو بلد عربي، وقد يصل الارتباط إلى حد أن تغدو تلك المراكز بؤرا مخابراتية ، أو أنها مجردة من أي فضاء حر، ولكنها تتحدث باسم المعرفة.. وربما نجد مثل هذه الأساليب في دول أخرى، وحتى في أميركا.. ولكن المشكلة في مراكز عربية رسمية كهذه في بلداننا .. أنها لم تقدم ما هو نافع وحقيقي لصّناع القرار.. وثمة مراكز بحثية ترتبط بالجامعات العربية، وهي مرتبطة بنفس المناخ العام لتلك " الجامعة " أو ذاك البلد.. ولم تنل أية عناية، فالجامعات العربية قد وجدت في عالمنا للتدريس فقط، في حين إن مراكز البحوث في العالم والمنبثقة عن جامعات ومؤسسات أكاديمية لها شخصيتها وكوادرها وتمويلها الكبير من اجل البحث العلمي والمشاركة في التأهيل والأنشطة وحصيلة الخبرات، واستطيع القول إن هناك مركزين اثنين أو ثلاثة أكاديميين عربيين لهما سمعة جيدة في الأوساط العلمية. أما إن كانت مؤسسات بحثية أو مراكز دراسات غير رسمية، أي أهلية، فهي تتواجد في عواصم محددة ومعروفة، ومنها بيروت التي أجد فيها أكثر من مركز دراسات وبحوث، ولكن جميعها مرتبط بشكل أو بآخر بنظام عربي أو إقليمي غير عربي معين سواء من ناحية التمويل، أو من ناحية الأداء، أو من ناحية نشر أفكار معينة ضمن أجندة متفق عليها.. هناك ( دور نشر وما يسمى بمراكز بحوث عربية ) مرتبطة مع إيران ارتباطا جذريا، وهناك ما هو مرتبط بالسعودية ارتباطا علنيا.. الخ ونجد الجميع، كل يعمل على هواه من دون أي برامج مشتركة، ومن دون أي استقطاب علماء حقيقيين، وهو يتأثر بالسياسات ومناخ السلطات في هذا البلد أو ذاك، فما يجري كله تابع لعلاقات شخصية ومحسوبية ومنسوبية وسرقة أموال.. أو انه يسّوق باسم الإسلام وتاريخ الإسلام والحفاظ على بيضة الإسلام.. وكل هذه المراكز لها أجندتها السياسية وعلاقاتها السرية المريبة، فضلا عن أدوارها الطائفية والمذهبية في نشر هذا الفكر أو ذاك.. وترويج مفاهيم لهذا الطرف أو ذاك
* هل تغير مفهوم العقل بحيث أصبح خاضعا للايدولوجيا متشكلا حسب ما تتطلبه حاجاتها وشروطها؟
ـ لا ادري هل سؤالك عزيزي هو عام لكل الجنس البشري، أم تقصد مفهوم العقل في منظومتنا العربية؟ دعني أجيب مسترسلا : إن العالم كله ليس باستطاعته الخروج من أثوابه الايديولوجية كلها، فثمة ايديولوجيات خفية لا تستطيع الكشف عنها إلا بعد تسويقها.. بشكل عام عصر الايديولوجيات يقال انه رحل مع نهايات القرن العشرين، وإنا أقول : لا لم يرحل ولن يرحل بسهولة.. فلا يمكن القضاء على أي ايديولوجيا سواء للدولة او المجتمع.. انظر نظرية صدام الحضارات التي غدت ايديولوجيا معينة سكنت الفراغ الذي أحدثه زوال المنظومة الاشتراكية! إنني اعتقد أن مفهوم العقل قد تحرر كثيرا من مأزق الايديولوجيات اليسارية، ولكنه وقع أمام خطوط حمراء لا يمكنه اجتيازها بسهولة! انظر إلى العالم الإسلامي الذي اعتقد انه لم يأخذ بمفهوم العقل لإثراء الإسلام الحضاري والتقدم إلى العالم بكل فخر واعتزاز.. بل انحرف ليأخذ طريق الإسلام السياسي منذ زمن السلفية الحديثة، وانتقالا إلى حركة السيد جمال الدين الأفغاني ومرورا بالاخوانية الإسلامية أو التحرير الإسلامي وأيضا بولاية الفقيه الخمينية ووصولا إلى الأصولية وابن لادن! وكلها ذات ألوان متعصبة وتلغي كل الحياة المدنية بمن عليها! وانظر الى الايديولوجيات القومية عند العرب، كيف أنهم استندوا إلى ايديولوجيات غيرهم، وخصوصا، تأثرهم بالنازية والفاشية ليغدو حالهم على أسوأ ما يكون من خلال تجاربهم السياسية المتصارعة التي لم تعرف إلا منطق الدم والصراع القومي وتأليه العرب! وانظر إلى الايديولوجيات الماركسية والشيوعية كيف عاشت انقسامات رهيبة بين لينينية وماوية وتيتوية وكاستروية.. وثمة تجارب قد أعادت تأهيل نفسها اليوم، وبعض آخر انزوى بتاريخ نضالاته وكبت شعاراته.. وبعض لم يزل ينادي بحكم البروليتاريا وصراع الطبقات! مفهوم العقل في العالم يتّغير شيئا فشيئا، وان الحاجة والضرورة تجعله يسلك مسالك التغيير.. ولكن المنظومة العربية والإسلامية لم تشعر حتى يومنا هذا بضرورات الحياة ومستلزمات المستقبل للأجيال القادمة.. لم تفكر بما يمكن فعله كونها تؤمن إيمانا قاطعا بأن هناك " مدّبر " فلا " تفّكر "! وان هناك من يرزق، وان هناك من يغفر! كل ذلك صحيح، ولكنها قراءة عوراء للحياة وقراءة عاطفة لا مفهوم عقل.. أنهم لا يقرأون " وقل اعملوا.. " ولا يقرأون " أفلا يتدبرون.. "، ولم يقرأوا : " فاسعوا في مناكبها " ولم يفكروا بالمعنى العظيم لكلمة " اقرأ ".. لقد أطبقت عليهم عواطفهم وجرفتهم الأوهام والاعتقادات الخاطئة.. ولم يجدوا من الحكام من يأخذ بأيديهم نحو الخلاص.. إنهم لا يفكرون بمستقبلهم، ومستقبل أولادهم وأحفادهم، بل يفكرون بشهواتهم وحورياتهم وبطونهم وأجهزتهم التناسلية.. إنهم مأخوذون كونهم أفضل امة أخرجت للناس.. وعليه، فهم يستصغرون الأمم والشعوب الأخرى ولا يتعلمون من تجارب الآخرين! ان مفهوم العقل عندنا مسجون في قلعة عاتية لا يمكن اختراقها بسهولة.. في حين تحرر العقل لدى شعوب أخرى، وبدأت حياتها تتغير نحو الأحسن فعلا.
* في رأيك من هو الشريك الحقيقي للمثقف العربي اليوم؟ وهل هو في حاجة لشراكة من خارج بيئته؟
ـ وهل هناك ثمة شريك حقيقي لهذا الذي يسمونه ( المثقف العربي )؟ ابحث لي عن شريكه الحقيقي.. سوف لا تجده، لأنه هجر الثقافة الحقيقية منذ زمن طويل. المثقف العربي ـ كما يسمونه أو كما يسمّي نفسه ـ في حالة بائسة، فهو إما مسحوق أو مقهور أو مبتلى أو مسجون أو مأسور أو مهاجر أو صعلوك أو بوق سلطة! المثقف العربي لا يتمتع بأية حريات في أسوار منظومته العربية.. المثقف العربي لم يعد يدرك ما الثقافة في العالم؟ لم يعد يبدع ويساهم في رفد ثقافته نفسها. المثقف الحقيقي هو المبدع الحقيقي الذي يخلق الأشياء الجديدة ويبدع المعاني الجديدة.. هل يستقيم عدد المبدعين الحقيقيين مع هذا الركام السكاني اليوم في كل عالمنا؟ كانت للمثقف العربي قبل خمسين سنة شراكته من خارج بيئته.. كان متابعا لما يجري هنا وهناك.. كان يتواصل مع الأدب الروسي والفلسفات الفرنسية والأفكار السكسونية والمؤدلجات الاشتراكية والفن الايطالي.. الخ كانت الترجمات ممتازة لروايات عالمية مشهود لها بالصنعة الثقافية. ماذا ترى اليوم؟ كان يتابع الفلسفات الجديدة.. كان يقرأ الشعر الحديث.. كان يعتني بأفكار العصر.. اليوم أخذته الموجات الطاغية وهو في لجات العتمة سرقه الماضي وأصبح لا يفكر إلا بالأوهام والماضويات العتيقة باسم الأصالة! انزل الى اقرب معرض للكتاب العربي.. فستجد حالة بائسة ومزرية.. سنة كاملة تمضي ولن تجد الا غثاء السيل من دون أن تقع على تشيؤات إبداعية ومثقفة حقيقية. انظر الى المسرح العربي انه في حالة بائسة باستثناء أصوات من هنا وهناك.. المهرجانات الفوضوية لأغنيات سمجة تسحق الذوق.. إن أي امة لا تقرأ، فهي لا تنتج أي مبدع، والأمة التي تتيبّس ولم تلد المبدعين من بينها.. فسيندر مثقفوها.. والأمة التي يندر المثقفين من بين ملايينها، لا يعرها احد في العالم أي اهتمام!
* دعني أسأل : لماذا ندر الرائع من المثقفين العرب او غيرهم في منطقتنا؟
ـ أقول : لأن السياسات التي اتبعتها الأنظمة الحاكمة قد سحقت كل المثقفين الأحرار، وتيّهت المبدعين، وحاربت المستقلين.. بل ان المؤسسات الثقافية العربية ووزارات الثقافة العربية ـ باستثناء النادر منها ـ قد أصبحت بأيدي مسؤولين لا يدركون أي معنى للثقافة، ولا يميزون كما قال احد الأصدقاء الشعراء بين التمثيلية التلفزيونية وبين المسرحية.. وان اغلب المسؤولين والحكام والمتسلطين لم يقرأوا كتابا واحدا في حياتهم.. فكيف يمكن للمثقف ان يعيش؟ وكيف له ان يتنّفس؟ وكيف له أن يمارس إبداعه؟ وتسألني هل هي مشكلة الدولة والنظام السياسي لوحده؟ أجيبك : لا إنها مأساة النظام الاجتماعي ايضا.. إذ ولدت سلطات جائرة فيه تحاسب الإنسان أيا كان على سكناته وحركاته.. على ألبسته وأسلوبه الشخصي في الحياة، فكيف بها تقبل أي مثقف ينادي برأيه ويعبّر عن طموحاته وأفكاره بمنتهى الحرية؟ ان مجتمعاتنا قد تردّت أوضاعها كثيرا بفعل الموجات العاتية للقوى التي تسلطت على المجتمع باسم الإسلام السياسي وباسم سعة انتشار الأصوليات التي تلاحقك بما يجوز أو لا يجوز.. تأثرت منها الأقليات الدينية ايضا.. وسحقت القيم السمحة والتقاليد والأعراف القديمة. ان مجتمعات عربية كانت لها فسيفسائها الاجتماعي الخصب على مر العصور، تأثرت ثقافيا وإبداعيا بشكل مباشر من جراء الغلواء والتعصب الذي اجتاحها على مدى ثلاثين سنة، ومنها مصر والعراق والجزائر.. ناهيكم عن أوضاع الحروب الأهلية التي مرّت في لبنان واليمن.. او المآسي التي عانى منها الفلسطينيون. فهل لك بعد هذا وذاك ان نسأل عن ندرة المثقف الرائع وهو يسحق هنا او هناك؟
* "يصعب على العقل العربي ببنيته الراهنة إنتاج الديمقراطية لكني لا أعتقد بأن هذا العقل ثابت أزلي أنا أقبل بنموذج ناجح بحدود 30 بالمئة " كما يقول صادق جلال العظم. ما تعليقك على هذا الموضوع؟
- أنا مثله اقبل، ولكن رأيه إن العقل العربي الراهن لا يمكنه ممارسة الديمقراطية.. ولكن من يوفر لي وله نسبة 30 بالمئة من انموذج ناجح؟ الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع وتشكيلات حزبية تضم البلداء والوصوليين والمصفقين والمنافقين والكذابين من اجل السلطة.. الديمقراطية تربية ووعي وأداء ونظام وحريات شخصية قبل ان تكون حريات سياسية وحرية فكر قبل ان تكون مناشير حزبية! الديمقراطية لا تشتغل مع عقل ثابت أزلي لا يتحرك! صحيح ان الديمقراطية توفر الحريات للجميع، ولكن لمن يؤمن أصلا، فكيف يمارسها من يؤمن بغيرها؟ كيف نقبل بأن يجعلها مطية من لا يؤمن بالحريات والديمقراطية الحقيقية، لكي يأتي على صهوتها، ويقمع الناس بأساليبه الماكرة وتناقضاته العجيبة؟ انني اتقّبل الديمقراطية او أي نموذج ناجح لها، ولكن من خلال النسب ولكن من خلال الوعي بالديمقراطية.. فلا يمكن للإسلاميين مثلا ان يمارسوها كونهم يؤمنون بالإسلام السياسي، فإما يكونوا ديمقراطيين وأما يكونوا مبايعيين شوريين ( من مبدأ الشورى ) فالديمقراطية هي ليست الشورى! والديمقراطية لا تؤمن إلا بالحياة السياسية المدنية والأحزاب المدنية وليست الدينية.. وإذا كانت هناك مجتمعات أخرى لها أحزاب دينية وهي تمارس الديمقراطية فثمة أسباب تفصل بينهم وبين الإسلاميين، فهم لا شورى او نظام سياسي ديني لديهم، فضلا عن ان النظام السياسي عندهم مدني قبلوه فقبلهم، لا مثل ما يجري في تجاربنا الإيرانية والعربية يستخدمونه لمصالحهم.. علما بأن الاتراك في تجربتهم الإسلامية أكثر تحررا ومقاربة للنظام المدني والعلماني من نظام الايرانيين مثلا!
* هل ترى إن نموذجا بهذه النسبة يكون ناجحا وفي إمكانه تحقيق نسبة عالية من الديمقراطية؟
ـ اعتقد إنني أجبت على هذا السؤال من خلال المضمون الذي تحدثت عنه في إجابتي على السؤال الذي سبقه، ومع ذلك فدعني استرسل قليلا لأهمية هذا " الموضوع " الذي اعتبره خطيرا جدا.. إننا لا خيار لنا إلا أن نبدأ خطواتنا حتى من درجة تحت الصفر.. فبقية الأمم، صحيح إنها كانت اقل تناقضات فكرية وعقائدية من منظومتنا الإسلامية، ولكنها بدأت الطريق الطويل. إن الضرورة تحّتم في البداية تطوير آليات عمل ووعي من قبل النخب التي اعترفت بعجزها قبل قليل، فالمطلوب عصر تنوير ووعي وقطيعة.. لا يمكن ان يصنعه المثقفون، فالمثقفون حتى وان كانوا في أعلى درجات الإبداع، فمسؤولياتهم ثقافية وليس لهم إلا أقلامهم أو أصواتهم أو إبداعاتهم.. ولكن التغيير الديمقراطي بحاجة الى قرارات وقوانين وتربويات وإعلاميات.. الديمقراطية لا تصنعها الغوغاء، ولا تصنعها الفوضى، ولا تصنعها الشعارات واليافطات، ولا تصنعها لوحة فنان او قصيدة شاعر.. هؤلاء جميعا لا يمتلكون صنع القرار.. القرار يمتلكه صاحب سلطة تشريعية او تنفيذية او عليا.. التغيير بحاجة الى عقل والى قانون والى إعلام ذكي والى تربية خاصة والى مناهج خاصة في مدارس وجامعات ومؤسسات والى وعي ثقافي سياسي له مصداقيته ونماذج من أناس لهم حركتهم وأنشطتهم من دون المساس بهم أبدا .. نموذج الديمقراطية لا تصنعه أحزاب دينية ولا أحزاب شوفينية ولا شعارات ولا خطابات ولا لافتات ولا تظاهرات ولا تكتلات ولا تحالفات.. الخ انني اعتقد ان الخطوات الأولى تأتي من فوق وليس من تحت كما يعتقد الجميع، ان كرومويل كان صاحب قرار.. وان ابراهام لنكولن كان صاحب قرار، وان أتاتورك كان صاحب قرار.. وان غاندي صاحب قرار، وان غورباتشوف كان صاحب قرار، وان سوار الذهب كان صاحب قرار، وان نيلسون مانديلا صاحب قرار.. الخ فمتى سيولد عندنا صاحب قرار من اجل ولادة جديدة للتاريخ ينفتح فيه العقل ويمارس فيه انموذج الديمقراطية؟
* نأتي إلى موضوع العلمانية في العالم العربي: يقول د. الطاهر لبيب : "إن العداء للعلمانية في العالم العربي قائم على تسميات لا تقابلها مسميات في واقع التاريخ الفعلي إنه تعبير عن "استقالة العقل التاريخي" ... ألا ترى معي بهذا أن الاتهامات الموجهة للعقل صارت كثيرة ومازالت تكثر...؟ من هو المسؤول عن العقل وإدارته؟ أليست تهم يطلقها أصحابها الذين هم ليسوا ببعيدين عنها...؟
ـ عندما تكثر التناقضات في أي مجتمع، وتزداد لكي تطفح بكل زبدها لتأكل الأخضر واليابس.. معنى ذلك غيبوبة للعقل الواقعي وليس استقالة للعقل التاريخي.. عقلنا التاريخي لا يشتغل منذ زمن بعيد، ولكن كانت لدينا تجارب نهضوية معاصرة في الثقافة والفكر السياسي والاعمار وحتى في القيادة السياسية.. فالكثير لم يتخذ قرار باستقالة العقل التاريخي، بل كان مزيفا ومنافقا وله القدرة على التلون واللعب على مئة حبل! إن الإخفاق قد ولد لمرتين مرة بعد الحرب العالمية الثانية عام 1949 بولادة الايديولوجيات اليسارية والقومية والتي حملتها الانقلابات العسكرية، واستمرت لثلاثين سنة، وبعدها، مرة ثانية بعد الحرب الباردة عام 1979 اثر سياسات الوفاق بولادة الايديولوجيات الأصولية والتكفيرية والطائفية والتي حملتها الثورة الإيرانية الشيعية والصحوة الدينية السنية منذ مطلع الثمانينيات وحتى اليوم.. لقد ساهمت التناقضات الأولى في وضع حدود خفية ليس للديمقراطية حسب، بل وللعلمانية أيضا بشكل صامت.. ثم ساهمت التناقضات الثانية في وضع خطوط حمراء هذه المرة إزاء التفكير الوضعي والحياة المدنية لكي يعاد كل شيئ في الحياة باسم الدين، والإسلام من ذلك برئ كل البراءة! فالإسلام متعدد الصور والإشكال والمضامين، ولا يعرف من هو الأصح في موجة التقلبات والتباينات التاريخية القديمة والحديثة، فانظر ماذا هناك على ارض الواقع وكما يتحرك أمامي وأمامك وأمام الجميع، فالتوصيف ليس من جيبي أنا، انظر ماذا نجد اليوم في بديات القرن الواحد والعشرين : الإسلام السني التقليدي، الإسلام الشيعي، الإسلام السلفي، الإسلام الوهابي، الإسلام الإصلاحي،، الإسلام القومي، الإسلام الثوري، الإسلام الأصولي، الإسلام التركي، الإسلام المغاربي، الإسلام الزيدي، الإسلام الاباضي، الإسلام التكفيري، الإسلام السياسي، الإسلام الحضاري، الإسلام الهندي، الإسلام الإيراني لولاية الفقيه، الإسلام الماليزي.. الخ هل ننكر ذلك كي نقفز على الواقع ونلغي كل هذه التناقضات.. وأين سيكون موضع العلمانية في بحر هذه الأمواج المتلاطمة التي لا يعرف اغلبها إلا لغة التفجير أو لغة الدم او لغة الاضطهاد أو على الأفضل لغة الإقصاء والتهميش؟ إذا ذهبنا لمئة أو مئة وخمسين سنة قبل اليوم وفحصنا تواريخ مجتمعاتنا ودولنا، سنجد هناك اسلامات اجتماعية روحية لا علاقة لها بسياسات الدول وتناقضاتها ومصالحها : سنجد إسلاما حنفيا أو شافعيا او حنبليا أو مالكيا أو شيعيا أو زيديا.. وباختصار إن الإسلام كان اثنين فقط أسلاما مذهبيا وإسلاما صوفيا، ولكل منهما عالمه في المجتمع وهو محل اعتزاز وتقدير من قبل الدولة..
* "المفارقة أن يسكت عن العلمانية والعلمنة مدافعون عن الديمقراطية وعن العقل في العالم العربي " كما يقول د. الطاهر لبيب * ما رأيك أنت وهل ترى أن العلمانية في أزمة؟
ـ صدق في قوله الصديق الدكتور الطاهر لبيب، وهذا ما نعرفه منذ زمن بعيد، بل وما كنت أتوقّعه منذ نهاية التسعينات، عندما نبهت إلى ذلك في كتابي ( العرب والأتراك : الانبعاث والتحديث من العثمنة إلى العلمنة، بيروت 1997 ). إن العلمانية في أزمة حقيقية، إذ غدت محتقرة من قبل التيارات الدينية قاطبة، بل وغدا الناس يحاربونها من دون ان يفقهوا طبيعتها.. وسكت عنها كل القوميين والليبراليين والراديكاليين.. بل وغدت أنظمة سياسية كانت تسمّي نفسها بـ " التقدمية " في ركب الهاربين ليس في تبنّيها، بل حتى في الدفاع عنها. ان الصراع ضد العلمانية بدأ منذ بعيد الحرب العالمية الثانية، إذ كانت مجتمعاتنا تتقبلها، وكانت معجبة جدا بتجربة اتاتورك التركية.. في حين كان الراديكاليون يعتبرونها تحصيل حاصل، فالشيوعيين ـ مثلا ـ قد تجاوزا فصل الدين عن الدولة، إذ إنهم يعتبرون الدين أفيون الشعوب كما قال ذلك ماركس.. أما القوميون، فقد كانوا يصّرحون بأنهم علمانيين إبان الخمسينيات والستينيات والسبعينيات.. أي خلال فترة المد القومي الذي ساهم الى بكل تناقضاته وصراعاته ضد التناقضات الشيوعية في كل من الفكر والممارسات السياسية العربية، فالقوميون منهم من أعلن بأنه علماني قح كحركة القوميين العرب، ومنهم بقي في الوسط يتأرجح بين الدين وفصل الدين كالبعثيين والناصريين ابان تلك المرحلة.. ومنهم من بقي متعلق مع الدين وكان اكثر انسجاما بين القومية والدين كبقية القوميين الإسلاميين.. علما بأن القوميين الاوائل كانوا قد تبنوا العلمنة صراحة ضمن مبادئهم وأفكارهم وممارساتهم.. كان ساطع الحصري ـ مثلا ـ علمانيا صريحا. لقد انتهى ذلك الجيل مع التنظيمات القومية لما بعد الحرب الثانية وعاش الجيل التالي بين تناقضاته المريرة وهوس شعاراته التي لم يجن المجتمع شيئا، بل ولم يحقق العرب أي تقدم يذكر.. المشكلة التي خلقت بعد ذلك وفي العقود الثلاثة الأخيرة، أي منذ العام 1979 هي التي اجتاحت كل الحياة المبدئية الوطنية و الفكرية الفلسفية والسياسية الايديولوجية مع انتشار الثورة الدينية من إيران، فكان العرب سباقين للتعلق بالدين، فوجدنا إعلانات عن الصحوة الدينية في الثمانينيات وهي تقابل موجة تصدير الثورة عند الإيرانيين.. ووجدنا البعثيون يتنصلون من علمانيتهم ليعزفوا على أوتار الدين.. ووجدنا الناصريين يركضون من اجل المؤتمر القومي الإسلامي.. كلهم تنصلوا من العلمنة والمضحك إن الشيوعيين أنفسهم (أو من يسموّن أنفسهم بالشيوعيين) لا يكتفون بالعراق بالصمت، بل يساهم سكرتير اللجنة المركزية بعضوية لجنة كتابة الدستور العراقي الذي يسبّح بحمد الدين، واللجنة يترأسها احد المعمميّن! بل وان الشيوعيين يباركون شراكتهم مع أحزاب دينية، بل ويتقبلون نصّا يقول : لا يمكن تشريع أي قانون يتعارض مع الإسلام! إن السلطة والنفاق السياسي سمحت لرجال الدين ان يشاركوا الشيوعيين العمل السياسي! والشيوعيون يسمعون ليل نهار السباب والشتائم ضد العلمنة والعلمانيين وهم ساكتون.. فماذا نسّمي مثل هذه الحالة العجيبة؟ إن العلمانية ليست في أزمة، ولكن كل الذين يعلنون عنها ولا يطبقونها.. وكل الذين يصمتون على شتمها.. وكل الذين يركضون وراء المتدينين وأصحاب العمائم لإرضائهم.. فهم في أزمة، بل وان الأزمة أخلاقية قبل أن تكون سياسية!
*وأخيرا: ما هي رؤيتك للمستقبل في عالمنا نحن؟
ـ دعنا نتفاءل، ولكن بعد ان يمر جيل كامل ودعني لا أفصح عن رؤيتي المستقبلية، اذ لا أريد ان اّسوق تشاؤمي للناس.. يكفي انني منحتهم قبل قليل إشارات وومضات، علهم يدركون حجم ما افكّر به.. إننا ان تّحرك وعينا قليلا، فسوف نمر بتحولات بطيئة يمكنها ان تأخذنا الى ثلاثين سنة أخرى يتكون أفضل حتما، ولكن ان لم نتحّرك منذ هذه اللحظة التاريخية.. فإننا مقبلون على زمن صعب جدا.. صحيح إننا سنرحل نحن أبناء القرن العشرين، ولكن ابناءنا وأحفادنا في القرن الواحد والعشرين سيكونون في مواجهة صعبة وحقيقية مع التحديات.. متمنيا لهم الانتصار باستجاباتهم لها وصناعتهم لمستقبلهم.. عند ذاك سيكون لكلامي هذا معانيه الخصبة في كيفية صناعة دور عالمي لمجتمعاتنا قاطبة.
محمد القذافي مسعود، شاعر وكاتب صحفي من ليبيا.
|