من أوراق الأيام

News image

صناعة اللّحوم، كيف تحولت الى أداة للتخريب؟

News image

في الأزمات الإقتصادية، مَنْ يُنفق على مَنْ؟

News image

الدول النامية تخسر اقتصاديات الدواء

News image

المظاهر السياسية للاقتصاد الريعي

News image

المشاريع الضائعة، وعدم التهاون

News image

كيف انتهى مصير الفلاحة في ظل العولمة؟

News image

لماذا لا نطلب الاقتصاد.. ولو كان في الصين؟

News image

يوجد غذاء بوفرة، فلماذا يوجد جياع؟

News image

مناجم الشمس.. ثروة إلى يوم القيامة

News image

ما السبيل الى إطعام العالم دون الإضرار به؟

News image

كيف أصبحت الثروة السمكيّة في العالم مهدّدة بالانقراض؟

News image

من يقف وراء تدهور اقتصاد الزراعة في العالم؟

News image

خرائط وحروب المياه الإسرائيلية القادمة

News image

الدولار، نهاية اسطورة عمّرت ستة عقود

السرد والرؤية في "امرأة عائدة من الموت" PDF طباعة إرسال إلى صديق
الثلاثاء, 31 يناير 2012 17:49

د. عدوان نمر عدوان - شبّه الكاتب اليوناني الكبير نيكوس كزنتزاكيس الكتابة بملاعبة النمرة من حيث هي إشكالية وخطرة ومرهقة، وهذا القول إذ ينطبق على شيء فإنما ينطبق بشكل أساسي على كتابة الرواية خاصة، فالإمساك بأطراف الحبل السردي يشكل معضلة الكاتب؛ لأنه ما ينفك يتحايل عليه ويطلب الفرار والتملص من بين يديه، ورواية "امرأة عائدة من الموت" للكاتب الفلسطيني نافذ الرفاعي ينطبق عليها قول كزنتزاكيس السابق ايّما انطباق ؛ لأنها رواية شبكية نظمت خيوطها بطريقة تشغل ذهنية المتلقي إشغالا مجهدا، فالرواية متشظية في الزمان، فمن زمن السرد تعود بتقنية الاسترجاع إلى زمن القصة وتتوالى العملية مرارا وتكرارا من بداية الرواية حتى نهايتها، وهذا أحدث تشظيا في الشخصيات والشكل بحيث أضحت الرواية وكأنها مجموعات قصصية رصت رصا.
 ولكي يتجنب السارد فكرة القصصية ويخلق منها رواية ذات أسس فقد عمد إلى تطويل القصة الأم أو الإطار، وهي قصة الفتاة ذات القبعة الحمراء ليجعل عملية اللقاء بها، والتنقل بين بيت لحم والقدس تناوبا الحزام الذي يلف الرواية ويجمع شملها، كما عمد السارد إلى حيلة سردية أخرى تتمثل بالتأجيل والإرجاء بحيث ظل يروي دون أن ينهي قصصه، فأحدث تشويقا عند الفتاة ذات القبعة الحمراء التي طالبته صراحة بإنهاء قصصه، وعند القارئ الذي انتظر النهاية وكأن الرواية وصلت إلى حد النضوج المبالغ فيه.
ولعل من غريب البناء الفني في الرواية وجود المسرود له داخل الرواية بشكله وصفاته التي يصرح السارد بها علنا وضمنيا، فقد بدأ المسرود له صامتا مع القليل من الأسئلة والاستفسارات( الفتاة ذات القبعة الحمراء) وتحول بعد نضوجه إلى مشارك ومبادر في الأحداث والسرد.
كما أن الرواية جاءت بصورة انعكاسية مقلوبة عن ألف ليلة وليلة التي جاء السارد فيها متمثلا بشهرزاد والمسرود له متمثلا بشهريار، وفي رواية "امرأة عائدة من الموت" أطل علينا شهريار ساردا وفاعلا، ومنظما للعملية القصصية، وبقيت شهرزاد تنتظر فعل الحكي، أضف إلى ذلك أن تأجيل القصص في ألف ليلة وليلة كان يتم ليلة أو ليلتين، لكن هنا بلغت درجة التأجيل حدها الأقصى حتى نهاية الرواية.
وقارئ الرواية يلاحظ غياب الحدث الرئيسي لصالح السرد، فلا يوجد حدث كبير يتركز السرد حوله، كل ما هناك حدث بسيط يتمثل في تكرر الزيارات بين بيت لحم والقدس، لكنّ السرد الاسترجاعي القصصي لحكايات شخصيات الرواية المجيش تجييشا كان متسعا بحيث تولد شعور لدى القارئ بأن السارد يريد أن يثبت نفسه راويا جمعيا لمكانه المحيط.
يحسب للرواية أنها انحازت للمظلومين والبائسين والمستضعفين، فالشخصيات التي كان السرد يتبأر حولها هي شخصيات من المهمشين والثانويين الذين همشهم الاحتلال الإسرائيلي، وهمش المجتمع قسما آخر منهم، لكن الرواية أولت قصصهم وشخصياتهم عناية كبيرة، واستطاعت أن تصنع عالمها من عالمهم - هذا العالم المقاوم للظلم والبطش والعدوان ؛ لذا كان صوت السارد في الرواية صوتا منحازا انحيازا صارخا لزمرة المستضعفين والمقاومين المهمشين، وكأن الرواية رواية الهامش لا رواية السلطة والسلطان، والشخصيات ابنة الشارع وليست ابنة البلاط السلطاني.
 اتخذت الرواية درب المقاومة والمثالية غير الواقعية أحيانا، ففعل الجنس مثلا أوشك أن يكون معدوما، فنظم السارد شكل العلاقات بينه وبين الشخصيات وبين الشخصيات نفسها تنظيما مثاليا متعاليا، وكأن ثقل الأحداث التي يحملها الفلسطينييون تولي عليهم أن يقدموا المثالية على الجنس، وهذا مخالف للطبيعة البشرية التي حينما يشتد عليها الحدث تلتجئ للجنس كفعل حياة.
ما يحسب للرواية أيضا أنها أعطت القارئ نوعا من البهجة والتطلع إلى الحياة وهذا مخالف نوعا ما لما يسرد عادة؛ فالكثير من الروايات يتنامى فيها الفعل السلبي- والسلبي المفرط أحيانا الذي يخلق عند القارئ رهبة المقاومة والنضال وتثبيط الهمم، أما هذه الرواية فهي محرضة على النضال والبهجة في الحياة سيما النهاية التي كأنها تقول : الفلسطينيون هم عشاق حياة، وثقافة الموت هي ثقافة طارئة أنتجها وفرضها المحتل الصهيوني.
تبرز في الرواية روح التسجيل (الديوانية) فقد سردت عن واقع وعن شخصيات واقعية محلية، ووثقت تجاربها وطروحاتها بحيث يمكن للمرء أن يشير إلى شخصيات على أرض الواقع بعينها وباسمها أحيانا، لكن الرواية لم تقف عند التوثيق بل أحدثت نوعا من الانسجام بين التسجيلي والفني، فحضرت الفنية في الشكل والتنظيم والتشظي والتحايل السردي من جهة، ومن جهة أخرى حضر الدور النضالي للإنسان الفلسطيني حضورا أظهر بشاعة الجيش الإسرائيلي الإحتلالية حتى لتشعر بأن سموم أنيابه تقطر على الأرض قطرا.

د. عدوان نمر عدوان، كاتب وأكاديمي فلسطيني

 

المزيد من ثقافة

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب