|

معارضة حرة
يأتي الاستحقاق الانتخابي في تونس ليوم 25 أكتوبر 2009 ليضع البلاد في محطة سياسية جديدة تكرّست فيها الديمقراطية والتعددية السياسية ذلك إنه إلى جانب الرئيس زين العابدين بن علي، دخل إلى جانبه في حلبة السباق على رئاسة الجمهورية ثلاثة مترشحين من أحزاب المعارضة فيما تتنافس تسعة أحزاب سياسية على مقاعد البرلمان.
وبعد تعديل القانون الانتخابي القاضي بتخفيض سن الانتخاب من 20 إلى 18 عاما وحسب آخر الإسقاطات الديمغرافية، يتوقع أن يضاف إلى عدد الناخبين بالنسبة للانتخابات الرئاسية والتشريعية أكثر من نصف مليون شاب وشابّة ليتجاوز مجموع الناخبين خمسة ملايين من جملة عدد سكان تونس الذي يفوق عشرة ملايين.
ولقد أسّس مسار التحديث السياسي الذي انتهجته تونس بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي لتجربة سياسية ناجحة على درب تكريس الخيار الديمقراطي التعدّدى بفضل الإجراءات والمبادرات باتجاه بناء نمط مجتمعي جديد تزدهر فيه الحريات الفردية والجماعية وتتعزز داخله مشاركة التونسيين في الحياة العامة.
واستند البناء الديمقراطي في تونس منذ السابع من نوفمبر 1987 إلى مقاربة سياسية متكاملة الأبعاد تؤسس لنمط مجتمعي جديد منبثق عن واقع المجتمع ويعبر عن تطلعه إلى الأفضل وذلك وفقا لتمش خصوصي سمته المثابرة على نهج الإصلاح والابتعاد عن منطق التسرع والارتجال بما يكفل لتجربة التحديث السياسي شروط التطوّر والنجاح.
وفي إطار هذه المقاربة التي ترفض استيراد القوالب الجاهزة جاء تأكيد الرئيس بن علي في القمة الإفريقية الأوروبية الأولى التي احتضنتها القاهرة في أفريل 2000 حول موضوع "الحكم الرشيد وحقوق الإنسان والديمقراطية" على انه «لا وجود لوصفة مثالية أو لنموذج جاهز للديمقراطية قابل للتطبيق في كل مكان وزمان، فالديمقراطية ككل مشروع إنساني له مسار متطور يقتضي إنجاحه ترسيخ مقوماته المختلفة في الأرضية التاريخية والثقافية للمجتمع وبناء مؤسساته على قواعد ثابتة ضمانا للاستقرار والتواصل».
وتأسيسا على مرجعية هذه المقاربة رفضت تونس القوالب الجاهزة للديمقراطية ورسمت لنفسها منهجا خصوصيا وضعت لأجل دفعه وتعميقه الآليات الضرورية التي تجعل كل خطوة على مسار الحرية والديمقراطية تفضي إلى خطوات ومحطات جديدة أهم تتسّم بمشاركة كافة مكونات المجتمع بما في ذلك المرأة التي فتحت أمامها دولة الاستقلال الأولى منذ 1956 ثم عهد التحوّل أوسع الآفاق وبوأها مرتبة الشريك كامل الحقوق.
وممّا يبرز تأصل وخصوصية التجربة الديمقراطية في تونس هو أن الرئيس بن علي أسس المشروع الديمقراطي على جملة من القيم الجوهرية تأتى في مقدمتها قيمة المواطنة بما تحمله من دلالات الانتماء وحقوق الإنسان كقيمة محورية أولاها عهد 7 نوفمبر 1987 المنزلة المرموقة، وقد تجلت هذه الرؤية على صعيد الواقع من خلال تمش متكامل استهدف تنشئة المواطن على الممارسة السليمة للمشاركة في الحكم عبر أسلوب وفاقي.
وقد جسّدت الإصلاحات التي أدخلت سواء على الدستور النص المرجعي الأساسي المنظم للحياة العامة للبلاد وكذلك التعديلات الجريئة التي شملت القانون الانتخابي ومجلة الصحافة والنصوص المتصلة بالجهاز القضائي مرتكزات بارزة لترسيخ التعددية السياسية وتفعيل التمشي الديمقراطي وتعزيز دور الأحزاب وغيرها من القوى الوطنية تثبيتا لإرادة شعبية في تعميق الخيار الديمقراطي.
وتعتبر المبادرة سنة 1988 بإصدار قانون جديد للأحزاب السياسية إحدى الحلقات الهامة ضمن مسار البناء الديمقراطي ذلك ان هذا القانون نظم دور الأحزاب في التأطير وفي تنظيم مساهمة المواطن في الحياة السياسية وذلك في إطار الشرعية والدفاع عن الثوابت الأساسية للبلاد وهي الهوية وحقوق الإنسان وقيم النظام الجمهوري وحماية مكاسب الشعب ومصالحه ونبذ العنف والتطرّف والعنصرية واحترام مجلة الأحوال الشخصيّة.
وقد برهنت تجربة تونس منذ تغيير 7 نوفمبر 1987 على ان التعددية السياسية لا تقتصر فحسب على محطات التنافس الانتخابي لعضوية مجلس النواب أو المجالس البلدية أو منصب رئاسة الدولة بل أنها تتخطى هذا الحيز لتشمل المشاركة الفعلية لكل الحساسيات السياسية والفكرية ولكل التنظيمات المهنية والشعبية في إعداد المخططات التنموية وفي صياغة التوجهات الكبرى لسياسة البلاد في مختلف الميادين بما يكرس منهج الاستشارة ومبدأ التعددية.
ومثلت مبادرة الرئيس بن علي في هذا الإطار بإقرار تعدد الترشحات لرئاسة الجمهورية منذ انتخابات أكتوبر 1999 وكذلك أكتوبر 2004 ثمّ أكتوبر 2009 ترسيخا للتمشي الديمقراطي وتحولا نوعيا في المشهد السياسي التونسي وذلك بعد تعديل الفصل 40 من الدستور لتعزيز تعدد الترشحات للانتخابات الرئاسية.
وتكرّس المسار الديمقراطي بالإصلاح الجوهري للدستور والذي استفتي في شأنه الشعب لأول مرة في تاريخ تونس يوم 26 ماي 2002 وأيده الشعب، وكرّس الإصلاح لأول مرة صلب الدستور وفي بابه الأول المبادئ الأساسية والقيم المرجعية التي انبنى عليها المشروع المجتمعي الجديد بما يجعل هذه المبادئ والقيم تكتسب قيمة دستورية وهي شمولية حقوق الإنسان وتكاملها ومبادئ دولة القانون والمؤسسات والتعددية السياسية وقيم التضامن والتسامح مع التكيف مع منظومة حقوق الإنسان في مختلف أبعادها الشاملة والحفاظ على الطبيعة الرئاسية للنظام السياسي وإثراء الوظيفة التشريعية بإحداث غرفة ثانية ـ مجلس المستشارين ـ إلى جانب مجلس النواب التعددي الحالي وتوسيع صلاحيات المجلس الدستوري.
ولقد أجمع المجتمع المدني التونسي على أن الإصلاحات الدستورية تعد نقلة نوعية للنظام السياسي في اتجاه تطوير القوانين وفقا لتطور المجتمع وتطلعاته بما يدعم أكثر حقوق الإنسان والحريات الأساسية ويعزز دعائم النظام الجمهوري وسيادة الشعب ويرسي أسس جمهورية الغد القائمة على مبادئ دولة القانون والتعددية والعمل من أجل كرامة الإنسان وتنمية شخصيته والارتقاء بها إلى مستوى الدستور الذي تضمنت تعديلاته الجديدة واجبات ترسيخ قيم التضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والأجيال والفئات والارتقاء بهذه القيم إلى مستوى الالتزام الجماعي ضمن الدستور ترسيخا لما عرفت به تونس عبر تاريخها العريق من تشبث بهذه القيم وتأكيدا للمكانة الرفيعة التي يوليها عهد السابع من نوفمبر للتضامن الوطني الذي أصبح ميزة بارزة من خصائص الأنموذج التونسي للتنمية.
وبصورة مكملة لترسيخ التمشي الديمقراطي التعددي نزّلت تونس التغيير تعزيز دولة القانون والمؤسسات وتكريس حقوق الإنسان مرتبة الخيار الجوهري، وقد أكد الرئيس بن علي هذه المبادئ والثوابت في خطابه يوم 4 جوان 1991 بقوله «إننا جعلنا حقوق الإنسان والحريات الأساسية في طليعة اهتماماتنا وأهدافنا ذلك انه لا يمكن تصوّر قيام مجتمع ديمقراطي ومزدهر ما لم يكن لرأي المواطن وزنه ولحقوقه حرمة ولكرامته مكانة».
وتأسيسا على ذلك انبنى تمشي تونس على مقاربة شاملة ومتكاملة لحقوق الإنسان لا مفاضلة فيها بين الحقوق السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية.
وأولت تونس عناية متميزة لحماية حقوق الإنسان المدنية فبادرت بإدخال عديد الإصلاحات التي وفرت الأطر القانونية الكفيلة بصيانتها وحمايتها. فقد صادقت دون تحفظ على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصّة بمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسيــة أو اللاإنسانية أو المهينة وذلك سنة 1988، وتم تبعا لذلك تنقيح المجلة الجنائية بإضافة أحكام تتصل بتعريف جريمة التعذيب.
كما تمّ إلغاء عقوبة الأشغال الشاقة سنة 1989، وإلغاء التشغيل الإصلاحي والخدمة المدنية سنة 1995، وكذلك تعديل النظام القانوني للإيقاف التحفظي والاحتفاظ بعد إصلاحات رائدة أدخلت على مجلة الإجراءات الجزائيـة فـي ثلاث مناسبات متتاليـة في 1987 و1993 و1999. ويعتبر قانون 14 ماي 2001 المتعلق بالنظام الخاص بالسجون من أبرز مبادرات الرئيس بن علي لحماية حقوق من زلّت بهم القدم إذ يتضمّن القانون أحكاما جديدة تكفل حقوق السجين وتحدد واجباته في ضوء المعايير الدولية المتعلقة بمعاملة السجناء معاملة تضمن لهم كرامتهم وإنسانيتهم.
كما ان قانون أكتوبر 2002 المتعلق بالتعويض للموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم، اقر ولأول مرة إمكانية تعهد الدولة بدفع التعويضات المناسبة لكل من يتعرض إلى الإيقاف التحفظي ولا تثبت إدانته وكذلك بجبر الأضرار لكل من يعاقب بالسجن ثم تحكم المحكمة ببراءته.
ومن المبادرات الإنسانية للرئيس بن علي إحالة المؤسسات العقابية وإداراتها إلى وزارة العدل وحقوق الإنسان وذلك منذ كانون الثاني-يناير 2001 بما يكرس مبدأ الولاية القضائية على تنفيذ العقوبات ويعزز الضمانات القانونية لحماية حقوق السجين نصا وممارسة.
والمقاربة التونسية في مجال السياسة التشريعية الجزائية تعتمد على أنسنة نظام العقوبات والحرص على إعادة إدماج الجانحين في المجتمع وحماية الذات البشرية. ويتنزل في هذا الإطار إرساء نظام العمل لفائدة المصلحة العامة كبديل لعقوبة السجن وذلك من خلال التعديلات والإصلاحات التي أدخلت على المجلة الجنائية سنة 1999.
وبالإضافة إلى الإصلاحات التي كرست استقلالية القضاء مثل إلغاء محكمة أمن الدولة وخطة الوكيل العام للجمهورية سنة 1987، فان الإصلاحات الدستورية والقانونية التي شملت الحريات الأساسية تبقى من أبرز إنجازات التغيير ومن أجلى مظاهر الديمقراطية. كما أن المتأمل في مسار تكريس الحريات والديمقراطية في تونس يستشف أن هذا المسار انتهج نسقا تصاعديا بحيث أن كل مبادرة تفضي إلى إنجاز آخر وذلك انسجاما مع ما يشهده المجتمع التونسي من تطوّر اجتماعي وسياسي.
واستنادا إلى خصوصيات تاريخ تونس وعراقة حضارتها وتنوع ثقافتها وخصوصيتها الحضارية أرسى عهد التغيير مقوّمات البناء الديمقراطي الجديد، ويتمثل صواب المقاربة لهذا البناء في الترابط المتين بين مقومات الديمقراطية ومستلزمات التنمية، وبين التصوّر الاستشرافي في الفكر الديمقراطي وخصوصيات الواقع المعيش.
وفي إطار هذه المقاربة الواعية بأن المشاركة في الحياة العامة تندرج ضمن حقوق الإنسان بادر الرئيس بن علي بإجراء إصلاحات رائدة من بينها القانون الدستوري المؤرخ في 27 أكتوبر1997 وهو قانون تم بمقتضاه التنصيص على دور الأحزاب السياسية في تأطير المواطنين وعلى توسيع مجال الاستفتاء في القضايا المصيرية للبلاد.
كما أن التنقيحات التي أدخلت على الفصل 40 من الدستور باتجاه تكريس تعدد الترشحات لرئاسة الجمهورية قد كرست إرادة واضحة في تعزيز البناء الديمقراطي وتكريس مبادئ التغيير، وبالفعل فقد شهدت تونس ولأول مرة في تاريخها أول انتخابات رئاسية تعددية في 24 أكتوبر1999 ثم أكتوبر 2004 وأكتوبر 2009.
ومن منطلق الوعي بأن ترسيخ الخيار التعدّدي لا يتأتى من دون إرساء حرية الرأي والتفكير والتعبير تتالت المبادرات منذ تحوّل 7 نوفمبر 1987 على المستويين التشريعي والمؤسساتي من أجل تمكين المجتمع من المقومات التي تكفل ازدهار قيم الحرية والتعددية والتسامح والتضامن وتتنزل ضمن هذا التمشي بالخصوص المراجعات المتعددة التي شملت مجلة الصحافة بهدف تعزيز طابعها التحرري والعمل على دعم التمويلات الممنوحة من قبل الدولة لصحافة الرأي.
ان الحق في حياة الحرية داخل مجتمع تعددي ديمقراطي في تونس يجد مكانه مجسدا في برلمان تعددي يجمع تحت قبته ممثلين عن أحزاب سياسية تنشط بحرية كاملة، وتصدر صحفها لتعبر من خلالها عن آرائها ومواقفها، وهي أحزاب يضمن لها القانون التمويل العمومي لعملها السياسي ويضمن لصحفها منحة سنوية قارة.
كما يجد الحق في التعددية مكانه في ما توفر اليوم في تونس من جمعيات تنامى عددها ليبلغ أكثر من تسعة آلاف جمعية أهلية تعمل في مختلف المجالات تمثل رافدا من روافد المجتمع المدني.
|