|

تونس تجتذب صناعة الطائرات
يشكل البعد الاجتماعي والتضامني ركنا أساسيا في سياسات تونس التنموية التي تهدف أساسا إلى تعزيز المكاسب الاجتماعية من اجل الارتقاء بمستوى عيش المواطن وضمان تساوى الحظوظ بين كافة فئات المجتمع وترسيخ قيم التضامن وتعزيز أسباب العيش الكريم لسائر التونسيين.
فكان من البديهي أن تعمل السياسة التنموية التونسية على ضمان جملة من الحقوق الأساسية وتعزيزها مثل الحق في الشغل والصحة والحماية الاجتماعية وحقوق المرأة والأسرة وكل الحقوق المجسدة للعدالة الاجتماعية وذلك من منطلق الإيمان بان النمو الاقتصادي على أهميته فانه لا يحقق لوحده النماء إذا لم ينتفع كافة المواطنين بثماره وإذا تبين عجزه عن تحسين ظروف عيش مختلف الفئات الاجتماعية.
وفي تدليل متجدد على نجاح التونسيين في مقاربتهم التنموية التضامنية وتوهج بعدها الإنساني تصدرت تونس قائمة الدول العربية التي تتمتع بمستوى "عيش جيد" حسب التصنيف السنوي لمرصد جودة الحياة في العالم "انترناشيونال ليفينغ" الذي صدر خلال شهر شباط - فبراير 2009.
وقد تم إعداد هذا التصنيف وفق مؤشر يتم احتسابه حسب جملة من الإعداد التي تسند فى صيغة معطيات مرقمة تتصل بكلفة العيش ونسق النمو الاقتصادي ومؤشرات تهم البيئة والمستوى الثقافي ودرجة الترفيه والحريات والصحة والبنية الأساسية وقدرة التصدي للمخاطر والسلامة والمناخ.
ومما يتعين ذكره أيضا تصنيف برنامج الأمم المتحدة للتنمية تونس ضمن تقاريره الأخيرة المرتبة الأولى عربيا وإفريقيا في مجال النهوض بالإنسان وذلك فضلا عن إحرازها المرتبة الرابعة في تقرير منتدى دافوس الاقتصادي في مجال تخفيض نسبة الفقر مما يجعلها تتقدم على الكثير من البلدان.
وبالفعل ورغم الضغوط الخارجية المسلطة على الاقتصاد ولاسيما تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية ، يتواصل فى تونس دعم البعد الاجتماعي خاصة عبر الترفيع فى النفقات ذات الصبغة الاجتماعية الى 60 بالمائة من اعتماد الميزانية العامة للدولة وذلك إلى جانب رصد اعتماد جملية قيمتها 1650 مليون دينار للدعم منها 800 م د لدعم المواد الأساسية و650 م د لدعم المحروقات و200 م د لدعم النقل.
وتحرص القيادة السياسية في تونس رغم الظروف العالمية غير الملائمة على أن تحافظ على سياستها التفاوضية بين الأطراف الاجتماعيين بدون انقطاع وأقرت الزيادة في الأجور للفترة الثلاثية القادمة (الثلاثة سنوات القادمة 2008 و2009 و2010) مما يجعل من تونس في الظرف الراهن بالذات البلد الوحيد في العالم الذي يقوم بهذا الأجراء.
وفي هذا الخصوص تميزت سنة 2008 بانطلاق الجولة السابعة من المفاوضات الاجتماعية المشتركة التي تعكس خيار الوفاق الاجتماعي والنهوض بالحوار بين مختلف الأطراف.ومكنت هذه الجولة من المفاوضات من الاتفاق حول مسائل ذات صبغة ترتيبية في عديد القطاعات والشروع في التفاوض حول الزيادات في الأجور اذ تم التوقيع على 16 اتفاقا حول الزيادة في الأجور تغطي أكثر من 40 بالمائة من مجموع العمال الخاضعين للاتفاقيات القطاعية المشتركة وكذلك في الوظيفة العمومية.
ويعتبر انتظام الزيادات في الأجور وتواصلها منذ سنة 1988 مكسبا اجتماعيا تنفرد به تونس اليوم حيث تطور الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن بنسبة 140 بالمائة وهو ما يعكس العناية في أعلى هرم السلطة بترفيع الأجور وتطوير ظروف العمل والارتقاء بالحوار الاجتماعي بين أطراف الإنتاج.
وفي اتجاه تكريس هذا التوجه سيتم في تونس تنظيم حوار وطني خلال النصف الأول من سنة 2009 يجمع مختلف الأطراف الوطنية من أحزاب ومنظمات وكفاءات وأطراف الإنتاج والهيئات المهنية وذلك لبلورة السبل الكفيلة بدعم الإنتاجية باعتبارها مقوما أساسيا لرفع تنافسية الاقتصاد التونسي على الساحة العالمية.
وتعمل تونس جهدها من اجل المحافظة على مواطن الشغل ، باعتباره مقوما أساسيا من مقومات كرامة الإنسان، لاسيما في القطاعات التي قد تشملها انعكاسات الأزمة العالمية مع العمل في ذات الوقت على الترفيع في نسق بعث المؤسسات الصغرى والمتوسطة وإيجاد أكثر ما يمكن من مواطن الشغل وموارد الرزق.
وتسعى في هذا الاتجاه إلى اتخاذ إجراءات وبلورة مبادرات جديدة تتعلق بتطوير الخدمات في مكاتب التشغيل وتوسيع احداثات الشغل وتعزيز آلياتها لاسيما أمام الفئات التي تلاقي صعوبات إدماج خصوصية مع استهداف حاملي الشهادات العليا ببرامج حديثة من التكوين والتأهيل تيسر لهم سبل الانتداب وبعث المشاريع.
كما تعمل الحكومة التونسية على إرساء آليات لفائدة الفئات صعبة الإدماج ومزيد تصويبها نحو الجهات التي تسجل نسب بطالة ارفع من المعدل الوطني الى جانب توظيف 117 مليون دينار لبرامج التشغيل الموجهة لحاملي الشهادات العليا بما سيمكن من توفير 43 ألف موطن شغل لهذه الفئة سنة 2009 ، وستشمل مكاتب التشغيل في الاتجاه كل المعتمديات الى جانب مزيد النهوض بإجراءات الإحاطة والمرافقة والعلاقة المباشرة مع طالبي الشغل وباعثي المؤسسات ومزيد تشريك القطاع الخاص والنسيج الجمعياتي في هذا المجال.
وكدليل إضافي على حرص تونس على الحفاظ على مواطن الشغل وتدعيمها تم إصدار قانون 30 ديسمبر 2008 والمتعلق بإجراءات ظرفية لمساندة المؤسسات الاقتصادية لمواصلة نشاطها من خلال إقرار التخفيف من الأعباء الاجتماعية التي تتحملها المؤسسة بعنوان التغطية الاجتماعية لفائدة عمالها.
واقر القانون إجراءين إثنين لفائدة المؤسسات المصدرة كليا يتمثل الأول في تكفل الدولة بنسبة 50 بالمائة من مساهمة الأعراف في النظام القانوني الوطني للضمان الاجتماعي بعنوان الأجور المدفوعة إلى العمال الذين يشملهم إجراء التخفيض في ساعات العمل فيما يتعلق الثاني بتكفل الدولة بالكامل بمساهمة الأعراف في هذا النظام بالنسبة إلى العمال الذين تتم إحالتهم على البطالة الفنية.
لقد أثبتت تجربة تونس أن التخطيط المحكم يعد أفضل أداة لكسب رهان التشغيل إذ توفقت رغم الظروف العالمية غير الملائمة والارتفاع المتزايد لطلبات الشغل الإضافية إلى الاستجابة إلى أكثر من 90 بالمائة للطلبات الإضافية الواردة على السوق الشغل وذلك من خلال إحداث قرابة 600 ألف موطن شغل جديد خلال الفترة 2000 / 2007 وتقليص نسبة البطالة من 16 بالمائة سنة 1999 إلى 14 بالمائة سنة 2008.
وحدد البرنامج الرئاسي لتونس الغد 2004-2009 فى بنده ال 13 المتعلق ب" نوعية أفضل لمقومات العيش " وبنده 15 " من اجل جودة الحياة ومدن أجمل" جملة من الأهداف والبرامج التي تؤمن الإطار الأفضل لتحسين مقومات الرقي الاجتماعي لكافة الفئات فى المدن والأرياف.
وتوفقت تونس بفضل توظيفها لإمكاناتها على الوجه الأفضل وحرصها على توزيع عادل لثمار التنمية إلى الترفيع في الدخل الفردي إلى ما يفوق 4000 دينار مقابل 960 سنة 1986 بما يسجل ارتفاعا ملحوظا للقدرة الشرائية مع تطور في حجم التحويلات الاجتماعية بنسق هام ليتضاعف بأكثر من 7 مرات منذ ثمانينات القرن الماضي.
وشهدت مظاهر الفقر في هذا البلد تراجعا ملحوظا حيث لم يعد يشمل سوى 3.8 بالمائة من مجموع السكان مقابل قرابة 7.7 بالمائة سنة 1986 وذلك بفضل ترسيخ مكانة البعد الإنساني والتضامني وتعزيزها في السياسة التنموية للبلاد بما مكن من توسيع الطبقة الوسطى في المجتمع التونسي لتبلغ قرابة 80 بالمائة من مجموع السكان.
كما سجل عدد المساكن البدائية تراجعا كبيرا إلى حدود 0.69 بالمائة وارتفعت نسبة الربط بشبكة التطهير بالوسط الحضري إلى ما يقارب 90 بالمائة ونسبة التزويد بالماء الصالح للشراب في الوسط الريفي إلى ما يفوق 97 بالمائة ونسبة التنوير الكهربائي في الوسط الريفي إلى حدود 99 بالمائة.
وحرصت تونس على توفير بيئة سليمة تؤسس لتنمية مستديمة من خلال بلوغ معدل 15 مترا مربعا من المساحات الخضراء لكل ساكن وإقامة شراكة متوسطية لحماية حوض المتوسط من الإخطار البيئية ووضع برنامج عملي لترشيد استغلال الموارد الطبيعية وتطوير الطاقات الجديدة والمتجددة والاستغلال الأمثل والرشيد للموارد المائية وللطاقة وملاءمة الأنشطة الاقتصادية مع مقتضيات حماية البيئة.
وفي إطار السعي إلى تحسين أوضاع الأحياء الشعبية لاسيما منها المحيطة بالمدن الكبرى تم إقرار برنامج إضافي لتهذيب ما يزيد عن 50 حيا يقطنها قرابة 200 ألف ساكن يعنى فيه خاصة بمجالات التكوين وتطوير الأنشطة المنتجة وذلك بكلفة تقدر ب150 مليون دينار وهو ما مثل امتدادا للبرنامج المتكامل للتدخل لفائدة 26 حيا يقطنها حوالي 166 ألف ساكن.
ومن جهة شهد معدل مؤمل الحياة ارتفاعا الى حدود 74 سنة حاليا نتيجة تغير نمط وظروف عيش المواطن التونسي وبفضل الرعاية الصحية التي ما انفكت تتطور اذ تضاعف حجم نفقات الدولة على هذا المجال قرابة خمس مرات خلال العشريتين الماضيتين.
وفي ما يتعلق بالصحة والسلامة المهنية ارتفعت نسبة التغطية في مجال طب الشغل بحوالي 5 بالمائة لتشمل 40 بالمائة من اليد العاملة الخاضعة لمجلة الشغل اى ما يقابل 616220 عاملا سنة 2008 .
واستكمالا لمنظومة التضامن الوطني أذن الرئيس بن علي سنة 2008 بإحداث البنك الخيرى للأدوية الذي دخل مرحلة النشاط الفعلي منذ سبتمبر الماضي مستهدفا الفئات ضعيفة الدخل والمسنين والمعوزين ليتمكن من توزيع الأدوية المجمعة على 28 هيكل صحي.
ولان النهوض بالإنسان وتوفير مقومات العيش الكريم من ثوابت سياستها الاجتماعية يتواصل في تونس رعاية العائلات المعوزة بإسناد الإعانات القارة لفائدة 124096 أسرة منتفعة باعتماد جملي قدره 75 مليون و8 ألاف دينار. كما تم سنة 2008 تعزيز شبكة مراكز الدفاع والإدماج الاجتماعي بفتح 4 مراكز للرعاية الاجتماعية تعنى بالأطفال المهددين والمرضى العقليين وفاقدي السند المادي والعائلي وذلك في ظل ما يحظى به مجال الدفاع الاجتماعي من عناية سيما في الوقاية من مظاهر عدم التكيف الاجتماعي ودعم مناعة الأسرة وحمايتها من التفكك.
وبشان النهوض بالأشخاص المعوقين بلغ عدد المنتدبين بالوظيفة العمومية لهذه الفئة 62 معوقا سنة 2008 ليرتفع عدد المنتدبين منذ سنة 2005 في القطاعين العام والخاص إلى 1824 منتدبا.
كما شهدت شبكة الجمعيات المحلية العاملة لفائدة الأشخاص المعوقين توسعا بإحداث 11 جمعية إضافية لتبلغ نسبة التغطية بجمعيات المعوقين 75 بالمائة.
واعتبارا للدور الهام للضمان الاجتماعي في تامين حاضر ومستقبل مختلف فئات المجتمع فقد تميزت سنة 2008 ببلوغ نسبة التغطية الاجتماعية 93 فاصل 3 بالمائة وبلوغ حجم المنافع 3300 مليون دينار اى ما يوازى 6.6 من الناتج الداخلي الخام واستكمال المرحلة الثانية والأخيرة للنظام الجديد للتامين على المرض من خلال الانفتاح الكلي على القطاع الخاص والتكفل بعلاج الأمراض الثقيلة والمزمنة.
|