علي الصراف - لم يجد عرب قمة سرت ما يفعلونه، في البحث عن مخرج من تعطل المفاوضات، غير التعويل على "البحث عن بدائل" لعملية السلام.
إذا كنت موهوما بشعارات العقيد معمر القذافي ومواقفه الكلامية الصارمة، فلسوف تعتقد ان البدائل التي توصلت اليها قمة سرت يجب ألا تكون أقل من القول "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم".
ولكن صفعة ستأتيك على خدك الأيسر. فزعيم القمة لم يطرح أية مشاريع تذهب في هذا الاتجاه. ولا حتى قال أي شيء يتعلق بانهاء مفاوضات السلام من اجل البدء بمسيرة تحرير ولو بالحجارة، او بالعصيان المدني في "إسراطين" ضد المشروع الصهيوني.
وإذا أعتقدت ان بقية العرب كانت لديهم خطة بديلة لاحلال أي سلام يمكنه ان يضمن عودة الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، فستجد نفسك مضطرا لتقدم خدك الأيمن لصفعة أخرى.
فلقد انتهت القمة بالاتفاق على الذهاب الى مجلس الأمن.
هذا هو البديل.
وبينما تنهب إسرائيل كل ما بقي من القدس الشرقية (التي كانت، حتى الآن، بمثابة الوهم الأخير لمشروع سلام يمنح العرب مقدارا رمزيا من شرف المحافظة على المقدسات)، فان الرهان على مجلس الأمن يبدو وكأنه حيلة العاجز الأخيرة الذي لا يستحق أن يُعطى شيئا.
فِهمُ "مجلس الأمن" أمر ضروري، لفهم طبيعة هذا الرهان.
قد تكون الأمم المتحدة ما تكون، إلا أن مجلس الأمن فيها هو المؤسسة الأكثر تعبيرا عن الانحطاط الأخلاقي والانحياز والأنانية واختلال الموازين وفقر القيم.
والأدلة على ذلك أكثر من أن تُعد.
تكوين المجلس نفسه (حيث يحتكر "الخمسة الكبار" لأنفسهم الحق بوقف أي قرار مهما كان عادلا أو ضروريا) يكفي بحد ذاته للقول أن هذا المجلس لا يجسد أدنى متطلبات حفظ الأمن، ولا حتى الموازين الدولية المتغيرة.
من حيث المبدأ، فان "حق الفيتو" الذي منحته الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وفرنسا والصين لنفسها عقب الحرب العالمية الثانية، كان يعكس حاجةً لم تعد ضرورية اليوم.
فالصراعات بين هذه الدول أصبحت شيئا من الماضي. ونشأت في خضم المتغيرات قوى دولية جديدة. وأصبح الاقتصاد، لا الأسلحة النووية، هو المعيار الأساسي للقوة والنفوذ الدولي. وهذا ما كان يفترض أن يفتح الباب لدول مثل اليابان وألمانيا والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا وايطاليا وماليزيا لدخول نادي الفيتو.
وبصرف النظر عن المجادلات التقنية حول كيفية إعادة ترتيب الاعتراف بحقوق هذه الدول، فان السؤال الذي لم ترق إليه الأفهام بعد هو: هل هناك حاجة بالفعل لبقاء "حق النقض"؟
قبل أي مجادلات بيزنطية، فان الكيفية التي تم استخدام هذا الحق فيها تكفي لتقديم الجواب.
أولا، لم يسهم هذا الاستخدام، ولا لمرة واحدة، لا في منع وقوع حرب كان يجب أن تقع، ولا في تحقيق سلام كان يجب أن يتحقق. كل ما حصل هو أن الدول الخمس ظلت تستخدم هذا "الحق" كعصا تناسب سياستها الخارجية لعرقلة مطالب ترغب بها غالبية دول العالم الأخرى.
واقتصر الأمر في كثير من الأحيان على الحيلولة دون توجيه إدانة لهذا المعتدي أو ذاك، فيما ظلت الاعتداءات نفسها مستمرة.
وعمليا، كان استخدام الفيتو بمثابة إشارة للمعتدي لكي يواصل عدوانه. وفي هذا ما يكفي دليلا على أن استخدام "حق الفيتو" لم يوفر ظروفا أفضل لحفظ الأمن والسلام الدوليين، وإنما لزيادة تهديدهما، ولتصعيد التوترات، ولدفع الضحايا الى الشعور بالمزيد من الإحباط ولإلحاق المزيد من الأذى بهم.
أسوأ من ذلك، فان بقية الدول الكبرى غالبا ما كانت تعتبر "الفيتو" نهاية الفصل في مساعيها لوقف العدوان. وهو ما يجسد تسليما بقبوله، لا يتناسب مع القيم التي أقرها ميثاق الأمم المتحدة. كما انه أثبت أن هذه الدول تنافق بعضها بالتسليم بدلا من أن تؤدي واجبها في ضمان العدالة وحفظ الأمن وتحقيق السلام.
ثانيا، استخدام الفيتو كأداة لحماية المصالح الخاصة، إذا كان يعبر عن نزعة أنانية مثيرة للجدل، فانه كان يُضفي على هذه الأنانية شرعية لا تستحقها.
تستطيع الدول الكبرى والقوية عسكريا أن تحمي مصالحها كيفما تشاء. وهي إذا رغبت بان تشن حروبا للدفاع عن هذه المصالح أو لتوسيعها، فإنها لن تتردد. أما أن تستخدم الفيتو لإضفاء شرعية على هذه المصالح، أو لإملائها على الغير، فهذا سلوك، بالأحرى، سافل، وينطوي على إهانة مباشرة لكل قيمة من قيم العلاقات الدولية.
ثالثا، كثيرا ما كان الهدف من استخدام الفيتو ليس إنصافا لمظلوم، وإنما منعا لإنصافه.
ما ظل يحصل هو أن مجموعة من الدول تتقدم لاتخاذ قرار يحمي شعبا أو يدافع عن قضية ذات طبيعة إنسانية، ولكن واحدا من أولئك الخمسة "الكبار" يُحبط القرار لأنه يتعارض مع مساندته وتضامنه مع المجرم والمعتدي والظالم.
رابعا، عندما يتعلق الأمر بالعدالة والأمن والسلم، فان الفكرة من وجود "كبار" و"صغار" هي نفسها خاطئة، وتنسف من الأساس شرعية امتلاك أولئك الخمسة لـ"الحق" بمنع توفير العدالة وإحلال الأمن وتحقيق السلم.
وعدا عن استخدام مجلس الأمن كمطية لشن حروب والتغطية على ارتكاب جرائم، الأمر الذي يناقض من الأساس سبب وجوده، فان ما يحصل في كواليسه وأروقته من أعمال ابتزاز ومساومات وضغوط تكشف، بحد ذاتها، عن الطبيعة الخسيسة التي آلت إليها العلاقات الدولية في ظل هذا المجلس.
لقد سبق للعرب، في آخر تجربتين لهم، الأولى تحت حمى العدوان الاميركي على لبنان، والثانية، تحت حمى العدوان الاميركي على غزة، أن ذهبوا الى مجلس الأمن. فعلى ماذا حصلوا؟
في كلا التجربتين، تحول مجلس الأمن الى مسرح للجريمة، إذ غلبت على مدالولاته المناورات والمماطلات لكي يسمح للقتلة الإسرائيليين أن يواصلوا أعمالهم الوحشية ضد الأبرياء.
والمماطلة ذات معنى. وهذا المعنى يدمر من الأساس مبرر وجود هذا المجلس. وهو يكشف أن القوى الفاعلة فيه تستخدمه للتواطؤ مع الجريمة ولمنحها وقتا أطول، للإيقاع بأبرياء أكثر.
وهناك من يتورط في مهازل هذا المجلس وسخافات قواه العظمى، لا لشيء إلا من اجل إصدار "قرار" لا قيمة فيه من الناحية العملية، لينضم الى حشد من القرارات السابقة التي لم يعد لها معنى، ولم تحقق أي هدف.
هذا الواقع المخزي يبرر التساؤل: ما قيمة الذهاب الى مجلس الأمن أصلا؟ ما مبرر السعي لصدور قرار لا يساوي شروى نقير؟ وسواء أُحبط القرار المقترح بالفيتو أم لم يُحبط، فما هي قيمته كله على بعضه؟
ثم، ألا يبدو التورط بمجادلات ومساعي فارغة، ومُحبَطة سلفا، نوعا من الشراكة في عمل مسرحي لا يغني ولا يُسمن؟
ولدينا من القرارات السابقة ما يكفي لتحقيق عشرين أمن وعشرين سلام. فأين انتهت كل تلك القرارات؟
إذا كان لديكم مزبلة، فانظروا فيها وسترون العشرات من القرارات الدولية التي تعفنت لتدل على مدى تفسخ هذه المؤسسة.
في يوم من الأيام، عندما كان العقيد القذافي ما يزال فيه طعم، كان هو صاحب شعار: طز في الولايات المتحدة.
وأحرار العرب ما يزالون على عهدهم، تجاه الموقف من السياسات العدوانية الاميركية. ولكن نسى زعيم قمة سرت أن يقول لأصحاب مبادرة البحث عن بدائل: طز في مجلس الأمن.
ما يزال من الأولى بالعرب، والفلسطينيين منهم خاصة، مقاطعة هذه المؤسسة كليا. فهذا خيرٌ لهم من المشاركة في مسرحياتها الهزلية.
ولنترك هذه المؤسسة تتخذ من القرارات ما تشاء، وقتما تشاء. ومثلما تمسح إسرائيل قفاها بالعشرات من القرارات الدولية، فليس كثيرا على الضحايا أن يمسحوا قفاهم بالمزيد منها.
ولبحثوا لأنفسهم عن بدائل نضالية جديدة، مسلحة أو غير مسلحة.
فكائنة ما كانت القرارات التي يصدرها مجلس الأمن، فانها ستضيف على ما كان موضوعا لمساومة ظالمة المزيد من التسويف والمزيد من المساومات الظالمة.
تلك هي الطبيعة الجوهرية لكل مفاوضات تجري داخل مجلس الأمن. وهي، بطبيعتها، تأخذ من الضعيف لتعطي القوي. فاذا راجعت سلسلة "التراجعات" في قرارات المجلس بشأن الصراع العربي الاسرائيلي، فستجد الى أين يمضي المنحنى. فالقرار 191 يقول شيئا، والقرار 242 يعطي شيئا أقل، والقرار 338 يزيد على الأقل بأقل منه، وهكذا.
ومجلس الأمن لم يثبت انه يحترم نفسه، بالعمل على تطبيق قراراته السابقة.
لماذا؟
لان إسرائيل والولايات المتحدة تريان أنهما تستطيعان فرض الأقل.
فهل هناك ما يبرر اللجوء الى هذا المجلس، او ما يلزم أي احد بالإلتزام بأي قرار جديد أو التعويل على قيمته.
"طز".
تلك هي الكلمة الوحيدة المناسبة في العلاقة مع هذه المؤسسة، بكل ما فيها من أعضاء "كبار".
فاذا تمسك العرب بالبحث عن بدائل لأزمة المنطقة، فقط داخل هذه المؤسسة... فـ"طز" بالبدائل، و"طز" بكل الباحثين عنها.