من أوراق الأيام

News image

هل يمكن للهوية أن تضيع، وماذا أفعل إذا ضيّعت هويّتي؟

News image

الثقافة في المغرب: أي خصائص، ومقومات، وأصول؟

News image

أُسس التحدي: الفلسفة العربية الحديثة والزمن

News image

السوسيولوجيا من منظور فلسفي

News image

المهجة والمعرفة والواقع

News image

الذات بين التفكك والتحقق

News image

شعر الجهاد والمقاومة ضد الغزاة في المغرب

News image

ابن خلدون وتقنية الحدس المعرفي في كتابة التاريخ

News image

المثقف العربي: صراع الذات والهوية

News image

هل كان المعري براهمياً؟

News image

دلالات المتخيل الاجتماعي عند كاستورياديس

News image

أوراق في العلم والفلسفة والفن

News image

الغرب والفلسفة العربية الإسلامية

News image

كيف صنع القاضي المنصوري جسرا بين التقليد والحداثة؟

News image

الاجتهاد ليس تنويرا، أما التنوير فاجتهاد موسّع

(3) العبء ثقيل، والبغل يريد أن يرتاح PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأحد, 18 أبريل 2010 11:26

بغل واشنطن في العراق وافغانستان

 

علي الصراف – لم تترك الإدارة الأميركية مناسبة لعملائها في العراق وأفغانستان إلا وذكرتهم بانها تعتزم الإنسحاب في المواعيد المحددة. وكأنها تريد أن تقول لهم: واجهوا مصائركم.

ولئن كنا نعرف ان الولايات المتحدة خدعت نفسها، لتخدع عملائها، فان هناك من بين كتّابها، من يردد اليوم انها كانت ضحية لخدعة نصبها حفنة من الأفاقين الذين أرادوا تغيير أنظمة بلادهم بالقوة.

هذا "الإكتشاف" المتأخر، هو بالأحرى تعبير عن "إكتشاف" أهم: الزبالة التي حملناها الى السلطة في أفغانستان والعراق أثبتت انها قادرة على القتل والنهب والتعذيب والفساد والاغتصاب، إلا انها ليست قادرة على إدارة سلطة.

وها أن ثماني سنوات تنقضي على غزو أفغانستان، والحرب ما تزال تبدو وكأنها في أولها. وما يزال القتال يدور من بلدة الى بلدة، ومن قرية الى أخرى، ليستنزف طاقات يعترف الجميع، بمن فيهم اعتى عتاة الحرب، انه لا قِبَل لهم بمواصلتها.

وها أن سبع سنوات مضت على ظهور "العراق الجديد"، إلا انه ما يزال يزحف على ركبتيه في كل مظهر من مظاهر الحياة. حتى الكهرباء والمياه النقيىة وأبسط المستلزمات الخدمية الأخرى، ما تزال عزيزة على الغالبية العظمى من المواطنين.

وحيثما ساد الاعتقاد بان المشروع الطائفي سوف يسمح للاحتلال بان يُملي هيمنته على الجميع، فقد جلب هذا المشروع بذرة موته معه: فساد السلطة، وفشل النظام.

وكلما حاول العملاء التشبث بالبغل الذي حملهم الى السلطة، كلما زادت رغبة البغل بالانتحار. حتى لكأنهم يسيرون به الى حفته أمام قدر أعمى.

الانسحاب الأميركي من المدن في العراق بدا وكأنه "إعادة انتشار" أو "نصف انسحاب" أكثر منه انسحابا، إلا انه مع ذلك كان اعترافا كاملا بالهزيمة.

فالانسحاب في ظل استمرار أعمال المقاومة ضد قوات الاحتلال وعملائها المحليين يعني بالدرجة الأولى إقرارا من جانب المنسحب بأنه لم يعد قادرا على مواصلة المعركة.

نعم، القوات الأميركية لم تذهب بعيدا. وهي ستظل تقدم خدماتها في إدارة أعمال القتل والتصفيات والاعتقالات للمليشيات الطائفية الحاكمة، إلا أنها بلجوئها الى ما يفترض انه "قواعد خلفية آمنة" تبحث في الواقع عن سبيل لتقليص خسائر المعركة التي ظلت تخوضها على مدى ست سنوات.

وها هي واشنطن تعيد التأكيد لعملائها: لن نبقى اكثر من الموعد المحدد.

لقد سجلت المقاومة الوطنية العراقية خلال هذه السنوات واحدة من أكثر معارك التحرير بسالة، ضد أعتى قوة عسكرية على وجه الأرض. وتكبدت الولايات المتحدة خلالها خسائر لم تقتصر على أكثر 5000 جندي (حسب المعلن)، وأكثر من 50000 جريح، جلهم عاجز، وعدد غير معروف من قتلى وجرحى المرتزقة، ولكنها شملت نزيفا اقتصاديا ما تزال الولايات المتحدة تدفع بسببه ثمنا باهظا وتاريخيا وربما أخيرا من مكانتها كقوة عظمى.

لقد أطاح العراقيون بعدة إمبراطوريات من قبل. فمن الإمبراطورية المغولية الى الفارسية فالرومانية فالبريطانية، يبدو أن حسن الأقدار وفر للعراقيين شرفا إضافيا بزعزعة استقرار ونفوذ أكثر الإمبراطوريات وحشية في التاريخ.

لقد دفع العراقيون دماء غزيرة، كان من الأولى ألا تُدفع. ولكن لا بأس. فوراء كل شرف عظيم، ثمن عظيم.

الولايات المتحدة تترنح. وسقوطها كقوة عظمى يبدو قاب قوسين أو أدنى. وعلى الرغم من كل "حملة العلاقات العامة" التي تخوضها للتخفيف من انطباعات الهزيمة، إلا أن وقائعها ثابتة، وهي ترسخ كل يوم باستمرار أعمال المقاومة ضد الاحتلال ومليشيات عملائه.

تحاول الولايات المتحدة أن ترتدي قناع الشجاعة لكي تحد من العواقب الاقتصادية والإستراتيجية الناجمة عن هزيمتها العسكرية في العراق وافغانستان. وهذا أمر مفهوم ومتوقع بالنسبة لقوة احتلال تهمها المظاهر، إلا أن السجل مكشوف. وعنوانه الرئيسي هو أن الأميركيين ينسحبون على فشل سياسي وأمني مروع.

عملاؤهم لا يبدون قادرين على إدارة دولة. وهم في الغالب عصابات نهب وفساد. وككل مرتزقة فإنهم يخدمون مصالح سادتهم، ولا يستطيعون أن يأملوا بأكثر من الفوز بحصتهم قبل أن تحل ساعة الفرار الكبير الى حيث حولوا الأموال التي نهبوها.

وعمليتهم السياسية تبدو أعجز من أن تكون أي شيء أكثر من كونها "عملية نصب" حلّ على رأسها أفّاقون يحاولون أن يظهروا وكأنهم أصحاب "معالي" بينما الكل يرى انهم أصحاب "مواطي".

وانتهى ما كان يسمى بـ"إعادة بناء العراق" الى مشروع مكشوف للنهب وسرقة أموال المشاريع.

ولئن بدأ الاحتلال في أشهره الأولى بخرافة السعي لـ "كسب قلوب وعقول العراقيين" فالحقيقة الساطعة جاءت لتنسجم تماما مع طبيعة المحتلين وطبيعة عملائهم وطبيعة نواياهم وطبيعة مستوياتهم المنحطة. فبدلا من "كسب القلوب والعقول"، كسبوا أعمال القتل والاغتصاب والتعذيب، ليكشفوا للقاصي والداني، أي سفالة تاريخية يمثلون، ومن أي وضاعة ينطلقون، والى أي جحيم سيذهبون.

لو كانت الوحشية والسفالة انتصرت في أي مكان، لكان من الممكن القول إنها ستنتصر في العراق.

ولو كان الغزاة بقوا في أي مكان اندلعت ضدهم مقاومة، لكان من الممكن القول أنهم سيبقون في العراق لمائة عام أكثر، كما كانوا يرغبون.

ولو كان للعملاء تاريخ في الثبات في أي بلد تشكل الوطنية فيه معيارا أساسيا للقيم والأخلاقيات السياسية، لكان من الممكن القول أن الطائفيين الذين تقيأتهم الأرض سيثبتون.

ولكن العراق سيظل عراقا في آخر المطاف. غزوة الوحشية الأميركية، لم تكن أسوأ، على أي حال، من كل الغزوات التي عرفاها تاريخ العراق. ومثلما رأينا غيرهم ينتحرون على أسوار بغداد، سنرى أي منقلب ينقلبون.

وفي النهاية: بغل الغزاة سيفضل الرحيل على الانتحار، وعملاؤه سيهربون، كلٌ في اتجاه.

يحاول الأميركيون أن يختفوا عن الأنظار في المدن لتحميهم مليشيات آية الله خامنئي والحرس الثوري الإيراني تحت عباءة المليشيات الطائفية الحاكمة في بغداد. ولكنهم يعرفون ان "القواعد الآمنة" لن تحميهم من القصف. وكذلك يعرف العملاء ان المدن التي يملأونها قهرا وظلما وفسادا لن تحمي أحدا منهم.

وفي النهاية، سيجد الجميع انه لا مفر أمامهم سوى الرحيل.

الكل يرى، والكل يعرف ان العبء ثقيل. ولكن الكل ينكر، ان البغل يريد أن يرتاح.

حتى لكأنها "قصة موت معلن".

 

 

المزيد من ملفات

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب