من أوراق الأيام

News image

هل يمكن للهوية أن تضيع، وماذا أفعل إذا ضيّعت هويّتي؟

News image

الثقافة في المغرب: أي خصائص، ومقومات، وأصول؟

News image

أُسس التحدي: الفلسفة العربية الحديثة والزمن

News image

السوسيولوجيا من منظور فلسفي

News image

المهجة والمعرفة والواقع

News image

الذات بين التفكك والتحقق

News image

شعر الجهاد والمقاومة ضد الغزاة في المغرب

News image

ابن خلدون وتقنية الحدس المعرفي في كتابة التاريخ

News image

المثقف العربي: صراع الذات والهوية

News image

هل كان المعري براهمياً؟

News image

دلالات المتخيل الاجتماعي عند كاستورياديس

News image

أوراق في العلم والفلسفة والفن

News image

الغرب والفلسفة العربية الإسلامية

News image

كيف صنع القاضي المنصوري جسرا بين التقليد والحداثة؟

News image

الاجتهاد ليس تنويرا، أما التنوير فاجتهاد موسّع

(2) أبو رغال الاحتلال: كرازي نموذجا PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأحد, 18 أبريل 2010 11:31

عميل جريء

 

د. ضرغام الدباغ - عندما سلم يهوذا السيد المسيح أستاذه ومعلمه إلى أعدائه بثلاثين قطعة فضية، ربما لم يكن يدرك أن خيانته سوف لن تنسى حتى بعد مرور ألاف الأعوام عليها، بل تحول إلى رمز للخسة والنذالة، وتتجلى نذالته بتناوله العشاء الأخير صحبة المسيح، وهو يبيت العزم على تسليمه وصلبه(28م)، وقد شنق نفسه لشعوره بالبؤس والانحطاط. حتى أن ليوناردو دافنشي عندما رسم يهوذا(1495 1497م)، وأستغرق في رسمها سنتان، وكان دوره الأخير من حواري المسيح، في لوحته الشهيرة " العشاء الأخير " أختار أكثر المجرمين انحطاطا وخسة، من أعتي المجرمين وممن مارسوا حتى الزنا بالمحارم.

أبو رغال الخائن، هو من دل الأعداء الأحباش إلى سلوك طريق مكة(570م)، ذلك أن القائد الإثيوبي أبرهام أيقن أن الكعبة بدورها الروحي المؤثر سيحول دون هيمنته على شبه جزيرة العرب، وخيانة أبو رغال وارتماؤه في أحضان المحتلين مقابل مكاسب تافهة، خيانة دخلت التاريخ في وقت مبكر، ومنذ ذلك الحين والعرب والمسلمون يرجمون قبره كإدانة لا تمحى لخيانة التعاون مع العدو، وهي من أقذر الجرائم طراً، بل هي أقذر من جريمة الخيانة العظمى، ولها (للمتعاون مع العدو المحتل) في اللغات اللاتينية مصطلح محدد بها " Collaboration " خاصة بالمتعاون مع العدو المحتل.

" حتى أنت يا بروتس" جملة صغيرة خلدها شكسبير في مسرحية يوليوس قيصر، لخيانة بروتس للقيصر الروماني الذي كان قد تعهده وبمثابة ولده، وكان آخر من يتوقع أن ينضم للمتآمرين، بروتس أنظم لحلقة التآمر وشارك بأغتيال القيصر، ولكن كما أن حبل الكذب قصير، فحبل الخيانة أقصر، ولذك لم يلق بروتس الراحة والهناء جراء فعلته، فأنتحر(42 ق.م)، ومات ميت تافهة وهو الجندي الباسل.

أما خيانة الوزير العلقمي، الذي خان الأمانة، وتعاون مع الغازي المحتل(1258م)، وفتح لهم أبوب بغداد، ودخل هو التاريخ من أحقر أبوابه، أعتقد لصغر عقله وقلة أخلاقه، وحقده الأعمى، أنه سينال حظوة المحتل، ففعل فعلته الشنيعة التي ذهبت مثلاً: خيانة العلقمي.

وخيانة التعاون مع العدو المحتل، تعد من الجرائم التي لا يمحوها الزمان، ولا يقبل فيها الأسف والاعتذار، كما لا يشفع لها الماضي المجيد (إن وجد) وخير مثال على ذلك بطل فرنسا القومي المارشال فيليب بيتان (1856 1951) بطل إنقاذ فرنسا في الحرب العالمية الأولى، وقائد معارك فردان الشهيرة التي منحت فرنسا مجداً أبدياً، لكن سوء حظه أودى به في مهاوي الخيانة، فضعف بصره وبصيرته، وتعاون مع العدو المحتل الغاز لبلاده (فرنسا) (الجيش الهتلري) ولكن ماضيه المجيد لم يمنع من تقديمه ذليلاً أمام محكمة عسكرية جرته من رتبته وأوسمته وحكمت عليه بالإعدام ولم تشفع له سوى شيخوخته، وسرعان ما مات في منفاه مجللاً بالعار.

والخيانة في عصرنا الحديث صارت ضرب من الكلمات المتقاطعة، في عصر العولمة حيث تروج دوائر كثيرة تحت مسميات عديدة لثقافة الخيانة، وتلطيخ للوطنية، بل ربما غدت لفظة مخجلة تدل على التخلف، والأكثر عاراً لفظة القومي المخلص لبلاده وأمته، فهذه بموجب المفاهيم العولمية والصهيونية وحروبها العدوانية الساعية إلى خلق الإنسان (Cosmopolitan) الكوزموبوليتي التافه الانتهازي الذي لا يمجد سوى القيم الحالية والمنفعية، الكوزموبوليتي جرذ لا وطن له ولا قومية ولا دين، فهذه مسميات أخلاقية، غير مادية، لا تدل على (تحضر )عولمي، فقامت فئات لا ترى الخيانة عيباً ولا خزياً، بل هي تفتخر بعارها، فالجرذان التي زحفت بذل مخز وراء الدبابات الأميركية وهبط قادتهم بمروحيات البلاك هوك، والدرجة الأدنى دخلوا زحفاً من النقاط الحدودية خلسة ليكونوا بخدمة المحتل.

صدق أو تصدق، أن أحد عتاة المتعاونين في هذا العصر ورمز من رموزه (حميد كرزاي) الذي وضع نفسه في خدمة من أحتل بلاده (2001) قد ضاق ذرعاً بخيانته، التي لبسته كطوق لا سبيل للخلاص منه، كرزاي هذا، رئيس أفغانستان الموالي للأحتلال، ومنذ مطلع أبريل / نيسان / 2010، وكرزاي(الرئيس) يواصل هجومه الحاد على القوى الغربية، بل هو ابتدأ الهجوم منذ مؤتمر الأمن والسلام المنعقد في ميونيخ بألمانيا (2010) وقد غاصت أفغانستان في الدماء نتيجة القتل المجاني، والإبادة العشوائية للبشر والحياة في أفغانستان، وقد سجل التاريخ مشاركته فيها، وليس من الضروري أن تضغط يده على الزناد ليعتبر قاتلاً، ولكنه اليوم يوجه نقده لأداء القوات الدولية وينتقد تدخلها في الشؤون الداخلية كأنه لم يكن يعرف ذلك قبل اليوم.

ولكن كرزاي رغم كونه رجل الغرب والأميركان على وجه الدقة، قد أدرك عبث المحاولة، ومرارة الخيانة، وضاق ذرعاً فلم يعد قادر على احتمال دور مبيض الجدران من دماء لطخت كل أفغانستان، إذ أن سعار القتل (Amok) الذي يصيب جنود الاحتلال القادمون بأيديهم أسلحة فتاكة ورخصة بالقتل المجاني، لم تفرز سوى تفرز نتيجة مؤكدة هي: خسائر بشرية كبيرة جداً، معظمها من النساء والأطفال والمدنيين، لأن المقاتلين يعرفون كيف يحمون أنفسهم، وبذلك يتسلى الجنود بقتل الناس الأبرياء غالباً، وبذلك يتحول الجنود لمحترفي قتل ولا يعودوا جنوداً.. بل شيئ آخر تماماً، ومعظمهم يعودون إلى أوطانهم محطمين كبشر في مرتبة لا إنسانية، مدمنين على القتل، أو على المخدرات، أو الكحول، يجدون عائلاتهم مبعثرة، وهي أمراض اجتماعية قرأنا الكثير مما حصل ويحصل في أميركا بعد حرب فيثنام والحروب العولمية الحديثة، بسبب استخدام أسلحة بشعة للغاية، وفي الغالب محرمة دولياً.

وكانت الأيام القليلة قد شهدت تصعيدا ملفتا للنظر في لهجة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي إزاء الدول الغربية المشاركة في القوات الدولية العاملة (أساف)، مما يعكس في نظر المراقبين وجود صدع كبير بينه وبين الدول الغربية التي توفر له قواتها الحماية. هذا الأمر قد يؤدي (في نظر المراقبين) إلى عواقب خطيرة على حرب أفغانستان التي دخلت عامها الثامن. فبعد أن كان صديقا مقربا للغرب فترت العلاقة بين كرزاي وقادة الدول الغربية في السنوات الأخيرة خاصة بعد انتخابات الرئاسة التي فاز فيها في أغسطس/ آب وشابتها اتهامات بالتزوير، فكرازي أدرك أن دوره شارف على النهاية، وما بقي هو ما سيحصده لقاء دوره فحسب.

وتعرض كرزاي للانتقادات بسبب التصريحات التي أدلى بها في الأسبوع المنصرم والتي اعتبرت معادية للغرب، لكن كرزاي يريد أن يوحي للشعب الأفغاني أنه ليس والغ في دماءهم، فقد أدلى في أحاديثه مع نحو 1500 من شيوخ القبائل في اجتماع لمجلس شورى القبائل بمدينة قندهار جنوب أفغانستان: إن الأفغان لا يريدون أن يروا قادتهم دمى في يدي في القوى الغربية. وقال بأنه سيمنع هجوما كبيرا تعتزم قوات حلف شمال الأطلسي شنه في المنطقة ما لم يكن هناك تأييد من سكانها. والملفت للنظر أن كرزاي قال: أفغانستان ستستقر عندما يثق شعبها في أن رئيسه مستقل، وعندما يثق شعبها في أن الحكومة مستقلة وليست دمية". وأضاف انه يتعين على مسؤولي الحكومة ألا يدعوا الأجانب يتدخلون في عملهم.

ومضى كرزاي في انتقاد دور دول وقوات أساف الدولية إلى حد التحذير من أن تمرد طالبان قد يتحول إلى حركة مقاومة مشروعة إذا استمر الأجانب في التدخل في الشؤون الأفغانية، ونقل عن الرئيس الأفغاني قوله، في اجتماع مع عدد كبير من النواب الأفغان، انه قد يضطر إلى الانضمام بنفسه إلى التمرد إذا لم يدعمه البرلمان في سعيه للسيطرة على هيئة مراقبة العملية الانتخابية. وقال: أن كرزاي قد وجه الاتهام لسفارات غربية بدفع رشاوي وتهديد مسؤولين والتلاعب بنتيجة الانتخابات والتآمر لإضعاف الحكومة الأفغانية. وقال : يريدون برلماناً ضعيفا وأنا لا أريد أن أكون رئيسا صوريا ولن أقبل أن يكون البرلمان غير فعال. وينقل عن دبلوماسيين في كابل، أن المفاجأة الكبرى تكمن في العبارات الصريحة والواضحة لكرزاي في نقده لدول للغرب، ولكن أحد الدبلوماسيين عبر عن تقديره للمتعاونين والخونة بقوله: لقد دأب كرزاي منذ بعض الوقت على عض اليد التي مدت له.

ماذا يريد حامد كرزاي بالضبط: هل أدرك فجأة أن التعاون مع العدو عيب، أم أدرك أن المحتل لن يريد الخير لبلاد أحتلها عنوة وبالدماء، أم ترى هل يلعب كرزاي لعبته الأخيرة، أم أنه أدرك تفاهة ما فعل.

ها أن دمية أخرى تسقط، ومشروع عولمي يتهاوى، قلنا أن حبل الكذب قصير وحبل الخيانة أقصر، وإن توهم المتوهمون.

 

د. ضرغام الدباغ، كاتب وأكاديمي عراقي

 

المزيد من ملفات

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب