من أوراق الأيام

News image

هل يمكن للهوية أن تضيع، وماذا أفعل إذا ضيّعت هويّتي؟

News image

الثقافة في المغرب: أي خصائص، ومقومات، وأصول؟

News image

أُسس التحدي: الفلسفة العربية الحديثة والزمن

News image

السوسيولوجيا من منظور فلسفي

News image

المهجة والمعرفة والواقع

News image

الذات بين التفكك والتحقق

News image

شعر الجهاد والمقاومة ضد الغزاة في المغرب

News image

ابن خلدون وتقنية الحدس المعرفي في كتابة التاريخ

News image

المثقف العربي: صراع الذات والهوية

News image

هل كان المعري براهمياً؟

News image

دلالات المتخيل الاجتماعي عند كاستورياديس

News image

أوراق في العلم والفلسفة والفن

News image

الغرب والفلسفة العربية الإسلامية

News image

كيف صنع القاضي المنصوري جسرا بين التقليد والحداثة؟

News image

الاجتهاد ليس تنويرا، أما التنوير فاجتهاد موسّع

(2) الاقتصاد اليوناني: حافة الهاوية PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأحد, 02 مايو 2010 22:52

اجواء الأزمة في اليونان

 

د. ضرغام الدباغ - عجز اليونان عن دفع أقساط ديونها (وأقصى موعد لذلك هو 19 أيار- مايو المقبل)، وهو أمر محتمل، لاسيما إذا رفضت الحكومة اليونانية الشروط الصعبة للاتحاد الأوروبي والمانحين الرئيسيين، سيضع الاقتصاد العالمي أمام إشكالية كبيرة، وقد يعني إشهار إفلاس اليونان.

إذ ما تزال الأزمة المالية اليونانية تطل على الاتحاد الأوروبي لتثير قلقاً لا يخفى، فانهيار اقتصاد بلد ضمن كتلة اليورو، لابد أن يكون له آثاره السلبية على عموم الاتحاد ومنطقة اليورو.

وكان  وزراء مالية الاتحاد أقروا في ختام اجتماعاتهم بتقديم (مساعدات) قروض قيمتها 20 مليار يورو بفائدة مخفظة (5%)في إطار خطة لإنقاذ اليونان من إفلاس يحدق بها، وستساهم ألمانيا بالقدر الأكبر منها ربما سيكون 8.4% مليار يورو.

وكانت اليونان قد قدمت طلباً رسمياً لتفعيل برنامج الإنقاذ الذي يموله الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي بقيمة حوالي 45 مليار يورو، وذلك بعد تراكم العجز في موازنتها والذي فاق كل التوقعات. وكان ناطق باسم الحكومة اليونانية قد أعتبر أن الحكومة المحافظة السابقة كانت قد اقترضت 120 مليار يورو خلال أعوام 2004 / 2009، في حين أن إجمالي القروض اليونانية بين 1830 و 2004 كان بحدود 180 مليار يورو، وأن أن الحكومات اليمينية قد ارتكبت "جرائم حقيقية" بحق الاقتصاد اليوناني أدت به إلى الوضع الحالي.

ولكن يبدو أن أزمة الاقتصاد اليوناني بمديونية قدرها 300 مليار يورو، هي أكبر من هذه المعالجة، بل إن الأزمة ومرشحة للتصاعد، فقد أعلن مكتب الإحصاء الأوربي أن العجز العام في منطقة اليورو قد تصاعد ليبلغ أكثر من ثلاثة أضعاف العام الماضي 6.3% فيما كان 2% في عام 2008، وأن العجز الحقيقي العام في اليونان هو 13،6%، وكانت أرقام الحكومة اليونانية لا تتجاوز 7.12%، كما أن الاقتصاد الايرلندي يعاني هو الآخر من متاعب.

ملف الاقتصاد اليوناني حافل بالمصاعب والتعقيدات، لذلك فهو غير مرشح للأقفال. فصندوق النقد الدولي يدلو بدلوه في الأزمة اليونانية في محاولة إيجاد الحلول لأزمة قد تلحق أضرار فادحة بالاقتصاد الأوربي ودوره في الاقتصاد العالمي، ناهيك عن مصير اليونان نفسها المحفوف بالمخاطر، ففي 24 / أبريل ناقش الصندوق الدولي IMF في مقره بواشنطن طلب اليونان لمزيد من القروض، لسد حاجة تقدر بـ 60 مليار دولار ينبغي تداركها من الاتحاد الأوربي الذي يحتمل أن يساهم بـ 30 مليار يورو فيما يحتمل أن يساهم صندوق النقد الدولي بـ 15 مليار يورو.

وإزاء موقف الحكومة اليونانية الذي لا يبدو عليه الحزم، لا تتردد أصوات (من الوسط السياسي، ورجال إعلام) في التعبير عن رغبتها في إخراج اليونان من منطقة اليورو بوصفه حل لوقف تداعي منطقة اليورو، ولكنه سيكون تلميحاً لدول أخرى تعاني من المتاعب مثل ايرلندة، وأسبانيا والبرتغال، وربما حتى إيطاليا تعاني من متاعب، فهناك من الأصوات التي تعتبر أن المساعدات والهبات ليس دائماً الحلول الأكثر ناجحة، وإنما ضرورة المباشرة الفورية بإصلاحات جذرية في هياكل الاقتصاد الوطني، بيد أن رؤية الحكومة الألمانية ما زالت ترى العمل على إنقاذ اليونان والحفاظ على الاتحاد، فالحلول ينبغي أن تكون في هذا الإطار.

وفي اليونان، حيث صدم الرأي العام بمدى تدني الأوضاع، فالتظاهرات الشعبية وأحزاب المعارضة تطالب الحكومة بمحاسبة من أوصل البلاد إلى الانهيار. ورغم أن الشعب لا يزال تحت الصدمة، يبدو أنه يقتنع تدريجياً بضرورة الامتثال للنصائح أو الطلبات الأوروبية والدولية بتطبيق الإصلاحات. وكانت الجهات المانحة أو المرشح قد اشترطت لكي تمنح أو تساهم في المشكلة اليونانية شروطاً مهمة وصفت بأنها صارمة كمقدمة لمنح أي ديون.

المستشارة الالمانية انجيلا ميركل قالت بعبارة واضحة لا لبس فيها: ستقدم ألمانيا المساعدة حال الوفاء بالشروط اللازمة، وفي هذا المجال أيضاً صرح وزير المالية الألماني إن اليونان يجب أن توافق على إجراءات تقشف جديدة صارمة قبل تلقيها أي مساعدة مالية من الاتحاد الأوروبي، وأن الفشل في القيام بذلك سيعرض مثل هذا الدعم للخطر. وأن الاتحاد الأوروبي والحكومة الألمانية لم تتخذا بعد قراراً بهذا الصدد، والرد (على الطلبات اليونانية) يمكن أن يكون إيجابياً مثلما يمكن أن يكون سلبيا. وإن على اليونان الالتزام بإتباع نهج ادخار صارم في السنوات المقبلة كشرط للحصول على أي مساعدات أوروبية، إن ألمانيا مستعدة لدعم اليونان لضمان استقرار العملة الموحدة، في الدفاع عن استقرار اليورو، لذلك فمساعدة اليونان ليست إهدارا لأموال دافعي الضرائب، لكنها خطوة تستند إلى مصالح ألمانيا الأساسية، وقال وزير الخارجية الألماني بهذا الصدد أيضاً: إن ما نفعله كحكومة ألمانية على المستوى الأوروبي هو تطبيق السياسة الأوروبية في أحسن مفاهيمها والشيكات على بياض ستضر أوروبا، وسيبدو الأمر كما لو كنا نصنع وعاء لا قاع له وأن تعاملنا بحرص بالشكل الذي يحافظ على أوروبا مستقرة وقوية اقتصادياً وإبقاء عملتها قوية ومستقرة.

ويشابه الموقف الفرنسي، الموقف الألماني في الاستعداد لمد يد المساعدة، ولكن بشروط، صارمة أيضاً، والقاعدة هي: نحن نقبل الموقف التضامني والمساعدة لمصلحة الاتحاد ولكن ليس بدون منهج واضح.

فيما يكثف صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي ضغوطه على ألمانيا من أجل الموافقة على تقديم مساعدات مالية عاجلة لليونان لانتشالها من أزمتها المالية الطاحنة، حذرت مؤسسات مالية ومعاهد اقتصادية بوضوح تام من إمكانية انتقال الأزمة إلى دولة أوروبية أخرى.

وصرح رئيس البنك المركزي الألماني وعضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي: إن عجز اليونان عن سداد ديونها سيكون له عواقب لا يمكن التنبؤ بها على الأسواق المالية وعلى دول أخرى. وأكد أن تقديم مساعدة لليونان هو في نهاية المطاف الطريقة المثلى لتجنب انتقال عدوى مديونيتها إلى بلدان أخرى في منطقة اليورو، وإن انعكاسات السماح بإفلاس اليونان لا يمكن حسبانها، مشدداً على أن طرد اليونان من منطقة اليورو ليس ممكناً قانونياً، ومع أن اتخاذ إجراءات تقشفية صارمة في هذا البلد سوف لن تكون سهلة بالتأكيد لكنها ستكون مقبولة أكثر من خروجها من منطقة اليورو.

وهو ما جاء في تحذيرات لمعاهد اقتصادية أوربية عديدة، لا سيما وإن وضع أسبانيا والبرتغال ينذر بمخاطر الانزلاق نحو الأزمة، وكذلك ايرلندة، وجاء إعلان مؤسسة ستاندرد أند بورز الدولية للتصنيف الائتماني (29 نيسان- أبريل 2010) بعد يوم واحد من إعلان خفض التنصيف الائتماني لكل من اليونان والبرتغال إذ وخفضت المؤسسة تصنيف ديون أسبانيا طويلة المدى من AA+ إلى AA فقط، كما صرح رئيس صندوق النقد الدولي في مؤتمر صحفي ببرلين: إن كل يوم يمر يجعل الأمور أسوأ بالنسبة لليونان ولمنطقة اليورو.

أما المفوضة الأوروبية لشؤون العدل فقد عبرت في مقابلة صحفية (27 نيسان- ابريل 2010) إن مصير اليونان الاقتصادي والمالي رهن بالأزمة الحالية وبأن رفاه الدول الأخرى في منطقة اليورو معلق بها أيضاً. وأن الوقت لا يسمح بالتردد بل بالسعي من أجل استقرار اليونان وتفادي الأسوأ، وإن من مصلحة أوروبا أن لا تترك اليونان وحدها تغرق في أزمة الديون، محذرة من انهيار اقتصادي في اليونان يكون شبيها بما حدث لبنك ليمان براذرز بينويورك. واعتبرت أن انهيارا من هذا القبيل ستكون له تداعيات كارثية على أوروبا بأكملها.

وتنبئ هذه المعطيات أن سداد الديون هي المهمة العاجلة أمام الحكومة اليونانية التي حيال عجزها التام، لا تملك سوى التوجه للاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي في تقديم مساعدات عاجلة، والاتحاد الأوربي مع تقديره الدقيق للأزمة إلا أن دفع الأموال دون تأكد من خطوات عملية ملموسة من الحكومة اليونانية في هذا الظرف الصعب، سيكون كمن يتبرع بجهده وعمله، وعن ذلك علق سياسي ألماني مرموق قائلاً: نرى من ذا الذي يساعد ألمانيا لو وقفت على حافة الانهيار؟

وجدير بالذكر أن الديون اليونانية هي بدرجة رئيسية لبنوك ألمانية، ثم سويسرية، ثم فرنسية.

وعلق خبير مصرفي ألماني بالقول: إذا غادرت اليونان منطقة اليورو وعادت لعملتها الوطنية الدراخما، لن يحل من الأزمة، فديونها واجبة السداد باليورو.

والديون اليونانية تحولت إلى الشغل الشاغل للألمان أيضاً، ففي ندوات مهمة نقلها التلفزيون الألماني شارك فيها سياسيون ومصرفيون ورجال إعلام، في مناقشات مسهبة للوضع اليوناني والمقدمات التي أدت لمثل هذا الوضع، ف حتى يستعيد الاقتصاد اليوناني توازنه فالأمر لا يتعلق بالديون وسدادها فحسب، بل وبتفاصيل كثيرة تتناول هيكل البلاد السياسي والاجتماعي والثقافي، وشيوع علاقات لا ترتقي إلى مستوى المجتمعات الصناعية المتقدمة التي هي معها ضمن الاتحاد الأوروبي.

وبديهي ينبغي أن يتم التركيز الآن على إيقاف التدهور، ومن ثم سداد الديون وذلك عبر تخفيض شديد للأنفاق، والتوفير، وحتى بعد فترة سماح لثلاث سنوات لا يتوقع أن تتمكن اليونان من سداد ديونها.

بتقديرنا أن الاتحاد والدول القادة على المنح أمام حلول أحلاها مر إلى شديد المرارة، الأمر إذن مجازفة، عدم مساعدتها يدفع اليونان للانهيار حتماً، وتراجع أكيد تلوح مؤشراته لمكانة الاقتصاد والعملة الأوربية اليورو، ومساعدتها بدون إصلاحات جذرية صعبة وثقيلة، ستمثل مجازفة أيضاً بأموال دافعي الضرائب في البلدان المانحة.

ومن الواضح المعلن، أن الحكومة الألمانية والأوربيين مستعدون لمساعدة اليونان، ليس لاعتبارات التضامن، بل لأن مصالحها السياسية والاقتصادية تحتم ذلك فالأمر في جوهره ليس موقفا تضامنيا، ولكن هذا الموقف مرهون بالتأكد من أن المساعدات سوف لن تضيع في لجة الفساد والفوضى والعجز المالي.

ويتساءل العديد من السياسيين والإعلاميين: ماذا لو أستشري هذا الوضع بين دول أوروبية أخرى لاسيما وأن هناك دولا مرشحة لمثل هذا الوضع كايرلندا والبرتغال وأسبانيا وربما حتى إيطاليا. آنذاك ستقع الكارثة والحلول ستكون قاسية للغاية. وفي المناقشات أثير أيضاً، أن العديد من السياسيين أشاروا أن هناك فروق جوهرية بين تقاليد الشعوب الأوروبية في الحياة وأصعدتها المختلفة، وأن الاتحاد الأوروبي لن يتمكن من توحيد القدرات وثقافة الشعوب الأوربية، فهناك بون شاسع ليس من البساطة التغافل عنها.

وبتقديرنا فإن الأوربيين (الفرنسيين والألمان بدرجة رئيسية) اشتغلوا وفق المعايير السياسية أكثر من الاقتصادية، بهدف خلق قوة سياسية - اقتصادية أوروبية تتمكن من الوقوف بين المعسكر الاشتراكي آنذاك والولايات المتحدة، وبعد زوال المعسكر الاشتراكي، وعولوا على الاتحاد الأوروبي ليكون قوة عظمى ليتمكن مواكبة التطور الواعد لقوة الصين الاقتصادية - السياسية، وربما بالغ المتفائلون بمستقبل الاتحاد الأوروبي واليورو.

 

المزيد من ملفات

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب