جمهورية الفساد
المتوسط اونلاين - طوت ليبيا في أيلول – سبتمبر الماضي صفحة الإحتفالات بالذكرى الـ 40 للثورة على النظام الملكي الذي أقامه محمد إدريس بن المهدي بن محمد بن علي السنوسي.
واستعدادا لبدء 40 سنة جديدة، من الشيء نفسه، تبرعت صحيفة "أويا" الاقتصادية بتقديم إشارات الى بعض الإنجازات. فقالت في عددها الأول الذي صدر بالتزامن مع الاحتفالات، ان ليبيا أنفقت على مشاريعها التنموية خلال الأربعين العام الماضية أكثر من 134 مليار دينار، اي أكثر من 111 مليار دولار.
وقالت إن متوسط دخل الفرد النقدي بالأسعار الجارية زاد من 656 دينار في العام 1970 إلى أكثر من 20 ألف دينار في العام 2008.
وأضافت القول إن السنوات الأخيرة شهدت زيادة في عمليات استخراج النفط والغاز حيث زادت مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي من 63% في عام 1970 إلى 69% العام الماضي فيما انخفضت مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المذكور من قرابة 37% إلى 31% تقريبا.
وتصدر في ليبيا، بين الحين والآخر، دعوات للإصلاح. إلا انها لم تحقق تقدما من الناحية العملية.
وحيثما لا يتاح لأحد توجيه الانتقادات من دون أن يتعرض للاعتقال او حتى الخطف او القتل، فان الوحيد الذي يملك ترخيصا بالدعوة للإصلاح هو نجل الزعيم الليبي سيف الإسلام القذافي. الأمر الذي يلقي بظلال كثيفة من الشك حول جدية وجدارة تطلعاته. لا سيما وانها تصدر من داخل بيت المسؤولية عن الفشل.
وتتبنى ليبيا نظرية خضراء، إلا أن الواقع أجدب. فليبيا على غناها المادي، ما تزال بلدا فقيرا من ناحية العمران البشري ومتخلفا من الناحية التنموية.
ويزداد هذا الواقع سوءا عندما يكون من العسير حتى "الاقتصاديين" في ليبيا معرفة أين ذهبت مئات المليارات من المال العام، وكيف جرى تبديد أربعة اخماس الثروة، خلال الأربعين عاما الماضية، حتى انها لم تعد تظهر في "حسابات" المشاريع "التنموية".
فخلال الأربعين عاما الماضية ظلت ليبيا تنتج ما معدله مليون برميل من النفط يوميا. وذلك عدا عن الغاز والمصادر الطبيعية الأخرى. وبافتراض ان سعر برميل النفط كان بمعدل 40 دولار للبرميل (وصل العام الماضي الى 147 دولار)، فان الدخل السنوي لليبيا يجب ان يكون 14.560 مليار دولار سنويا. وهذا يعني ان دخلها من النفط وحده بلغ خلال الأربعين عاما الماضية 582.4 مليار دولار.
والسؤال هو: إذا كانت المشاريع التنموية استهلكت 111 مليار دولار، فأين ذهبت 471.4 مليار دولار الباقية؟ في أي "مشاريع" وضعت؟ أو الى أي بنوك تم تهريبها؟ ولحساب من؟ وما هي الثمرات المادية التي جناها الشعب الليبي منها؟
هناك ما يعتقد انه يتراوح بين 50 و100 مليار يجري "استثمارها" في الخارج من قبل هيئة الاستثمار الخارجي. صحيح إن أحدا لا يعلم ما هي تلك "الاستثمارات" ومن هم أولئك الذين يتصرفون بها، ووفقا لأي معايير، إلا انه حتى مع أخذ هذا الأموال بالاعتبار فان ذلك يُبقي أكثر من 350 مليار دولار في الخفاء.
هل ضاعت؟ هل دخلت في ثقب أسود؟ أم أنها نُهبت؟
الليبيون قد يخشون من التساؤل: ماذا حل بهذه الأموال؟ وقد يقال لهم أنهم سيحصلون على حصتهم من عائدات النفط (ربما لنسيان الذي فات) إلا إن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الليبيين لم يجنوا من واقعهم إلا الفقر والعوز والفساد.
النظرية ما تزال خضراء. ولكنها تعني اليوم استثمارات في الخارج أكثر مما تعني عمرانا اقتصاديا واجتماعيا داخليا.
نظام السنوسي البائد كان يمثل نظرية جدباء، قياسا بالتطلعات الثورية لذلك الزمان، في مقابل واقع كان يرسي أسسا لكي يكون اخضر مزدهرا. ولكنه لم يعمر أكثر من 18 عاما منذ إعلان استقلال ليبيا في 24 كانون الأول-ديسمبر عام 1951.
ومنذ العام 1969 حتى اليوم، حصل الليبيون على نظرية خضراء، ولكن الواقع صار هو الأجدب.
إرث التبديد والفساد والأوهام
الاموال الليبية ما تزال متاحة في الخارج، ولكن لحساب الخارج، ولخدمة مصالحه بالدرجة الأولى.
فمن بين العشرات من المليارات التي تم "استثمارها" في الخارج لم ير الليبيون عائدا ملموسا منها. ولا سُمح لهم أصلا بتدقيق الحسابات.
ففي الوقت الذي اعلن فيه عن انهيار عدة بنوك اميركية تضم ودائع ليبية، قال بيان رسمي ليبي في الأول من تشرين الاول-اكتوبر الماضي أن الإجتماع الذى ترأسه أمين اللجنة الشعبية العامة الليبية د. البغدادي المحمودي رئيس اللجنة الإقتصادية العليا بحضور أمين المالية محمد الحويج ومحافظ مصرف ليبيا المركزى فرحات قدارة ومدير عام المصرف الليبي الخارجي نجيب الجمل والمدير التنفيذى للمؤسسة الليبية للإستثمار محمد لياس وعدد من خبراء الإقتصاد والمال الليبيين "أن ليبيا لم يلحقها أي ضرر جراء الأزمة المالية العالمية وذلك بفضل حكمة القائد معمر القذافي".
وقالت اللجنة ان حوالي 80 في المائة من الإستثمارات الليبية هي عبارة عن سيولة في الودائع التي لم تتضرر حتى اليوم بما حدث في السوق العالمي في حين أن 20 في المائة من هذه الإستثمارات هي سندات وأسهم شهدت نوعاً من الإختلاف في الأسعار على المستوى العالمي في الوقت الحالي.
ويقول الكاتب الليبي المهلهل الحاسي ان ارتباط الاستثمارات الليبية في الخارج بالأزمة العالمية امر مفروغ منه، "فمن الثابت أولاً أن الإقتصاد العالمي أصبح قرية واحدة وتشابكت خيوطه بحيث غدا ما يحدث في واشنطن إقتصادياً بالضرورة المنطقية سيمس سلباً كان أم إيجاباً بقية أزقة القرية ووفقاً لهذا الترابط فإن القنوات التي تتسربت عبرها تداعيات الأزمة العالمية نحو الإقتصاد الليبي بالضرورة ستؤثر بالغ الأثر في قطاعات النفط والغاز والبيتروكيمياويات بالإضافة إلى الإستثمارات المالية الليبية الخارجية التي لم تكن ولن تكون بمنأى عن دائرة الخطر لسبب واضح وهو أن كل الإستثمارات المالية الدولية هي مستثمرة في صناديق تصنف بأنها صناديق عالية المخاطر".
ويضيف "الايام ستثبت بأن الأموال الليبية المستثمرة في صناديق ومحافظ دولية هى في دائرة الخطر هذا، برغم أمانيي الصادقة بأن لا تكون كذلك، غير أن غياب الشفافية في إستثمار الأموال الليبية من لدن هيئة الإستثمار الوطنية يعزز تلك الفرضية".
ويقول الكاتب الليبي عبد المنصف البوري "منذ عقود وليس فقط منذ سنوات والمواطن الليبي يسمع عن أرقام فلكية تخص ثروات ليبيا، وهي تتطاير من حوله في كل اتجاه، في شكل استثمارات ليبية خارجية، دون أن يعرف عنها شيء، أو يستطيع أن يفعل بشأنها شيء".
ويضيف "استثمارات ليبية خارجية لا يدري الشعب الليبي عن مقدارها وحجمها، ولا من الذي يقرر بشأنها، ولا يعرف حتى من يتولى إداراتها أو يراقب عائداتها".
ويسرد البوري قصة بدايات الاستثمارات الليبية في الخارج بذكر الشواهد التالية:
"في عام 1972 أسست ليبيا المصرف العربي الخارجي، والمملوك بالكامل لمصرف ليبيا المركزي ليتولى جميع العلميات المالية والاستثمارية خارج البلاد.
وبلغت الأرصدة المالية لمصرف ليبيا المركزي، والمصارف الليبية التجارية في الخارج في عام 1973 مبلغا وقدره (2.4 مليار) دولار، وفي عام 1982 ارتفع هذا الرصيد إلى (22.2) مليار دولار.
وفي عام 1977 تعرضت شركة (فيات) الإيطالية للسيارات إلى ظروف مالية صعبة، مما دفع بها إلى عرض جزء من أسهمها للبيع في الأسواق المالية العالمية، فكانت فرصة سانحة أمام "النظام" الليبي لشراء نحو 15% من أسهم شركة "الفيات"، ولم تمضى سوى سنوات قليلة حتى ارتفعت قيمة أسهم شركة الفيات الإيطالية، غير أن الضغوط التي مورست على الشركة فيما بعد قد أجبرت ليبيا على بيع حصة هذه الأسهم في عام 1986.
وبعد إنشاء الشركة الليبية للاستثمار الخارجي (لافيكو- Lafico) تم وضع خطة للاستثمار في المجالات الصناعية خارج ليبيا، وجرى ضخ مبالغ مالية هائلة من أموال النفط الليبي في هذا المجال، ومنذ البداية كان واضحاً وجود الكثير من الأخطاء والتعثر والفوضى التي استمرت إلى يومنا هذا.
وفي عام 1983 اشترك المصرف العربي الليبي الخارجي، مع مجموعة مصارف أخرى في توفير قرض لشركة (شركة تام اويل ايطاليا - Tamoil Italia)، التي كان يملكها (روجيه تمرز)، وهو من مواليد مصر ومقيم في لبنان. كان هدف القرض المقدم من ليبيا هو شراء ممتلكــات شركة (أماكو) الإيطالية لتكرير وتسويق النفط.
وكان من المعروف عن السيد تمرز أنه على علاقة وطيدة مع عدد من رجال الأعمال والمصرفيين الكبار والسياسيين في العالم العربي، فضلا عن علاقته بالمسؤولين وأصحاب النفوذ على أعلى مستوى في كثير من الدول العربية.
في عام 1985 بلغت حصة المصرف الليبي العربي الخارجي في شركة (تام اويل 70%).
وفي عام 1988 أسست الشركة العالمية للاستثمارات النفطية تحت أسم (انترناشيول اويل انفيست – (international oil invest وهي شركة قابضة مملوكة بالكامل "للنظام" الليبي، ومسجلة في جزر الكاريبي الهولندية ومقرها في موناكو، ومن مهام هذه الشركة القيام بالإشراف على جميع الاستثمارات الليبية في مجال النفط والغاز، والبتروكيماويات، والطاقة في الخارج.
وبدأت شركة (انترناشيول اويل انفيست) في العمل من خلال عدد من الشركات التابعة لها بقصد الحصول على أغلبية الحصص في مجموعة من المصافي، وشبكات توزيع الوقود، ومنتجات النفط والبتروكيماويات الأوربية. واستطاعت هذه الشركة على مدى نحو 13 عام من تكوين محفظة معتبرة لا يستهان بها من هذه الاستثمارات، فعلى سبيل المثال وليس الحصر:
في إيطاليا زادت شركة (انترناشيول اويل انفيست) من حصتها في أسهم (تام اويل الإيطالية) إلى 85% وذلك في عام 1989، ثم إلى 100% في عام 1991.
وفي ألمانيا اشترت شركة (انترناشيول اويل انفيست)، ما قيمته 30% من حصص مصفاة (هالبورن Hal born) في مدينة (هامبورج – Hamburg) بمبلغ وقدره 45 مليون دولار من شركة (كوستال الأميركية American Costal)، وبعد سنتين زادت حصتها من أسهم هذه المصفاة لتصل الي 67%، وتم تغيير اسمها الى شركة (هليبورن للاستثمار Halborn Investment).
هذه المصفاة كانت في حالة سيئة للغاية، مما اضطر شركة (انترناشيول اويل انفيست) الليبية الى ضخ مبالغ مالية كبيرة من أجل الصيانة والتحديث.
وفي عام 1991 امتلكت شركة (انترناشيول اويل انفيست) كامل الحصص ومقدارها 100% من شركة توزيع الوقود في ألمانيا والتي عرفت باسم (هالبورن يوربين ماركتينج –Halborn European Marketing).
وفي سويسرا اشترت شركة (انترناشيول اويل انفيست) في عام 1991 شركة مفلسة اسمها (غات اويل ) لصاحبها خليل الغطاس وتم تغيير اسمها إلى (تام اويل سويسرا)، ومرة أخرى اضطرت شركة (انترناشيول اويل انفيست) الليبية إلى إنفاق مبالغ مالية كبيرة أولا لتسديد ديون السيد الغطاس، وثانيا لتحديث محطات الشركة الشبه متهالكة.
واستثمارات شركة (انترناشيول اويل انفيست) الليبية امتدت الى دول أخرى شملت كل من مالطا، واسبانيا، وفرنسا، والمجر، وسلوفاكيا، وجمهورية تشيك، وسربيا، واليونان.
وفي عام 1992 اشترت الشركة الليبية (انترناشيول اويل انفيست) ما قيمته 80 % من حصص شركة (ستام اويل) المصرية.
وفي أفريقيا أمتد نشاط "تام اويل" لكي يشمل عدة دول أفريقية.
وفي جمهورية أفريقيا الوسطى وقعت شركة "تام اويل" عقدا مع الحكومة في ايلول- سبتمبر 2002 مدته 99 عام للتنقيب عن النفط واليورانيوم والمعادن الأخرى.
وفي غانا وقعت اتفاقا مع الحكومة عام 2002، لمد غانا بنحو عشرة ألاف برميل نفط يوميا، بالإضافة 24 ألف برميل نفط يوميا يتم تكريرها بالمصفاة الغانية المعروفة باسم TEMA.
وفي زيمبابوي اشترت شركة "تام أويل" في حزيران-يونيو عام 2003 أنبوب نفط ومنشآت تخزين.
وفي النيجر عقدت شركة "تام أويل" صفقة مع الشركة الأميركية “Exxon Mobile” حيث باعت بموجبه الشركة الأميركية شبكة توزيع الوقود التابعة لها في النيجر، بما في ذلك الشبكة التي تقوم بتزويد مطاري النيجر بوقود الطيارات.
وفي اريتريا اشترت شركة "تام أويل" محطات توزيع الوقود من شركة (شيل – رويال دتش) مما جعلها تسيطر على 50% من محطات الوقود في اريتريا.
ويقول البوري ان "جميع هذه الشركات والمؤسسات الاستثمارية قامت منذ تأسيسها، على إدارات غير كفوءة، بل ومشبوهة، وظلت تدار بناء على أساليب وخطط غير علمية، وغير تجارية، خالية من التخطيط الاقتصادي والاستثماري، مما جعل هذه الشركات تقع فريسة سهلة في أيدي الفاسدين، فأصبحت مجالا خصبا للرشاوى، والتلاعب، والعمولات الضخمة، والسرقات التي تتم على أعلى مستويات الإدارة فيها".
ويضيف "لقد تضاعف الفساد المتعلق باستثمارات أموال النفط الليبي المنهوبة من الشعب، عندما تحولت إدارات هذه الشركات والمؤسسات إلى عصابات "مافيا" وتكتلات مصلحية همها الأول والأخير غسيل أموال النفط الليبي المسلوبة، وتقاسمها بين المنتفعين، والاستيلاء على أصول تلك الشركات وممتلكاتها".
في الثامن من شباط 2006 وعندما كان شكري غانم ما يزال في منصبه كأمين اللجنة الشعبية العامة انتقد علانية وللمرة الأولى توجيه الاستثمارات الليبية إلى أفريقيا.
واستغرب غانم في ندوة عقدت في ذلك الوقت بعنوان بعنوان "الاستثمارات الليبية في أفريقيا.. تقييم التجربة واستشراف المستقبل" انه فيما نتجه إلي دعوة رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في ليبيا ونقدم لها التسهيلات اللازمة فإننا نتجه بأموالنا للاستثمار بها في أفريقيا.. مؤكدا على ضرورة أن يكون الاستثمار الليبي في أفريقيا ذو عائد ونفع على الاقتصاد الليبي. واستطرد أنه فيما نتجه لبناء الفنادق والمصانع وتأسيس الشركات في أفريقيا فان ليبيا أيضا في أمس الحاجة لمثل هذه المشاريع.
هذا الكلام كلف غانم منصبه، عندما كان المعلن من الاستثمارات الليبية يبلغ فقط نصف مليار دولار.
اليوم "تستثمر" ليبيا حسب المعلن، 50 مليار دولار في الأسواق الدولية و10 مليار دولار في مصر و10 مليار دولار في إيطاليا لتمويل قيام الشركات الايطالية بالاستيلاء على نصف عائدات النفط الليبي، و8 مليارات في افريقيا، و5 مليارات ضاعت في الولايات المتحدة، ومليارات هنا، واخرى للاستثمار السياحي هناك، بينما تتفسخ البنية التحتية في ليبيا، وبينما يتلظى الليبيون حرقة بغلاء المعيشة، والبطالة والفقر وذلك حتى بلغ الأمر بهم الى حد انتشار مرض الطاعون في طبرق (وحدها على الأقل).
مئات المليارات تم هدرها، والكثير منها ما يزال خارج "سلطة الشعب" المخدوع الذي لا يعرف كم يملك من الاموال واين توجد ومن هو المسؤول عن هدرها وتبديدها.
|