الفقر أبو العلل
المتوسط اونلاين – ثمة حقائق لا تتطلب جدالا في ما يتعلق بتجارة الرقيق الأبيض او تجارة الجنس. ومن هذه الحقائق:
1ـ ان الفقر هو الحاضنة الرئيسية لهذه الظاهرة. وهو أبو العلل. فإذا كانت تجارة الجنس عارا، فالفقر هو الذي يجب أن يكون العار. وإذا كانت تلك التجارة تثير خجلا، فالفقر هو الذي يجب أن يثير الخجل أولا. وإذا كانت تلك التجارة تثير الكثير من الفتاوى، وتدفع الى فرض عقوبات من أجل مكافحتها، فالفقر هو الذي يجب أن يُكافح أولا.
2ـ كل الدول العربية تحرم هذه التجارة. والكثير منها يتخذ ضدها إجراءات صارمة. ومؤسسات الأمن تعمل ما بوسعها من اجل الحد منها، وفي الكثير من الاحوال، فانه يتم فرض عقوبات زائدة عن الحد سعيا الى الردع. ومع ذلك، فان هذه الظاهرة تعود لتنبت وتنمو وتنتعش.
3ـ البغاء أقدم مهنة في التاريخ. ولا يوجد مجتمع على وجه الأرض يخلو من هذه الظاهرة. الخجل من وجود هذه الظاهرة، والتستر عليها بالصمت، ونكران وجودها، لا يشكل حلا، بل انه يزيد المشكلة تعقيدا. هناك حاجة للمواجهة والاعتراف واتخاذ اجراءات عقلانية تتكفل بإعدادها مؤسسات أبحاث مستقلة.
4ـ الحاكم، بسبب من منزلته التقليدية في الثقافة الإسلامية، يجب ألا يجد نفسه متورطا لا في بحث الظاهرة ولا في تقديم الحلول المقترحة بشأنها. لان هذه الحلول قد لا تتوافق بالضرورة مع قناعاته الشخصية، ولا مسؤولياته المعنوية. وهو ما يعني ان السلطات العليا يجب أن تترك "العقدة والحل" بين مؤسسات البحث من ناحية ووزارة الشؤون الاجتماعية من ناحية أخرى، لكي لا تتلوث مكانة الحاكم بالمجادلات حول الصحيح والخطأ.
5ـ الثقافة الإسلامية نفسها لا تنكر وجود الظاهرة. وهي قدمت معالجات كثيرة لها. هذه المعالجات يمكن أن تستمر، ولكن يجب ان تتطور أيضا، في السعي الى توفير خيارات وبدائل.
6ـ المسؤوليات في مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق وزارة الداخلية. هذه الوزارة هي أسوأ من يمكنه أن يكافح ظاهرة اقتصادية واجتماعية معقدة كهذه. وزير الاقتصاد هو المسؤول الأول. ووزير او وزيرة الشؤون الاجتماعية هو/هي المسؤول الثاني.
7ـ الصمت لا يساعد في معالجة المشاكل الفرعية الناجمة عن الظاهرة (انتشار الأمراض الجنسية، ارتفاع معدلات الطلاق، تأخر سن الزواج... الخ). يجب فتح الأبواب للنقاش المعلن. فمن تريد لهم أن يعوا المخاطر يجب أن تسمح لهم بأن يفتحوا أعينهم عليها. دع الناس ترى بوضوح ماذا يعني الأيدز، وسترى ما إذا كانوا سيلقون بأنفسهم الى التهلكة أم لا.
8ـ الموقف الاجتماعي المحافظ ينطوي على قيم أخلاقية رائعة. هذه القيم يجب أن تتعزز، إنما بكل الوسائل غير المباشرة الممكنة (وليس بالضرورة من خلال تقديم نصائح تلفزيونية بليدة). المجتمع يحافظ على قيمه بادراك فوائدها ومعانيها، لا عندما يتلقى بشأنها دروسا.
9ـ تنظيم تجارة البغاء وجعلها مكشوفة وخاضعة للمراقبة، قد يكون "أستر" من الإبقاء عليه كفضيحة "سرية"!
10ـ بيئة البغاء هي في العادة بيئة حاضنة لكل أنواع الجريمة، من تجارة المخدرات الى التهريب الى الإرهاب. وشبكات الجريمة مفتوحة على بعضها البعض عادة. ومن الأنفع تكسير الروابط بين أطراف هذه الشبكات. هذا هو الوجه الأهم للعمل الأمني المتعلق بمكافحة الظاهرة.
11ـ الغالبية العظمى ممن يقعن في تجارة البغاء هن ضحايا. يجب معاملتهن كضحايا. وفي المقابل فان الوحوش الذين يتخذون من هذه التجارة مصدرا للثراء هم الذين يجب أن تنصب على رؤوسهم أقصى العقوبات وأشدها قسوة. فهؤلاء هم عقد شبكة الجريمة ورؤوسها الأكثر خطرا.
12ـ الجنس ليس عيبا وهو ليس حراما في أطره المألوفة اجتماعيا ودينيا. النزول بالجنس الى الرذيلة هو العيب. وتحويله الى تجارة هو الحرام. من هذا الفاصل يجب أن تنشأ ثقافة تحترم الجنس في علاقاته الانسانية الشرعية. بل وربما تسهل الوسائل المشروعة لإشباع الرغبات منه. الموقف الاجتماعي المتصلب تجاه شروط ومتطلبات الزواج يدفع الى تشجيع أشكال من "الزواج" العرفي (شرعية على الورق، وغير شرعيىة اجتماعيا) وهو ما يشجع على الاحتفاظ بعلاقته سرا. وهذا يدفع في آخر المطاف الى تزويد سوق الرذيلة بالمزيد من المنتسبين الجدد.
معالجة ظاهرة البغاء وتجارة البشر تتطلب شجاعة من جانب الحكومات والهيئات الاجتماعية ومراكز الأبحاث. وإذا كانت لا تنقصنا أجهزة الأمن والشرطة والملاحقات وفرض العقوبات، فما ينقصنا بالفعل هو الشجاعة لمواجهة هذه الظاهرة بأبعادها الحقيقية.
البغاء (في العالم العربي)، وكل ما يعشعش في جواره من جرائم، هو مرض من أمراض الفقر. والفقر يمكن مكافحته.
|