علي الصراف - أمضى الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي، حتى اليوم، 41 عاما في السلطة، ليكون بذلك "عميد" الزعماء العرب.
وأكثر من معظم الآخرين، فقد حمل نفسه الى السلطة وهو يتبنى أفكارا، ولو بدائية، عن مشروع قومي وتحرري. وحصلت "ثورته" على تأييد جارف، أملا بأن تؤتي تلك الأفكار ثمارها. ولكننا انتهينا منه ومن مشروعه بمستنقع فساد وكارثة فشل تحرري مدو.
ونحسب ان الوقت قد حان للأحرار والقوميين وكل ذوي التطلعات التقدمية أن يطالبوا عميد سلطاتهم بتقديم كشف حساب حقيقي، عما فعل، وأن يسألوه، في آخر المطاف، عمّا إذا كانت الأربعون عاما تساوي قيمة ما انتهت ليبيا، وما انتهينا نحن اليه.
لقد دأب حكامنا على الإفلات من الحساب. ودأبت السنون على أن تمضي وهم يدفعون بنا الى الوراء حتى أصبح التطرف هو مجال السياسة الوحيد للمطالبة بالتغيير.
الحساب كان يجب أن يأتي، وأن يكون نزيها وشجاعا ومستقيما. فإذا ظهر ان له حقا علينا، نعطيه صدورنا قبل بطاقات التصويت، وإذا ظهر ان لنا حقا عليه، يعطينا ظهره، ويحل عن سمانا، لنبحث عن بديل معقول.
وقد قدم المخدوعون الكثير. قدموا أعمارهم والصدور، فماذا حصدوا من مشروعه القومي؟
لقد حصدوا الجحود والنكران و.. الذهاب الى أفريقيا لكي يعود منها ملكا على ملوك الغابات، وهو يرفل بالريش.
وهو لم يغدر بأحد، اكثر مما غدر بمخدوعيه. ولم يغرر بأحد أكثر مما غرر بالذين ظنوا انه يحمل أفكارا ورؤية للتحرر والتقدم.
إنظر الى ليبيا لتعرف ماذا حصدت. أنظر الى احصائياتها الرسمية عن البطالة والفقر والناتج القومي (غير النفط) وأداء مؤسسات التعليم والخدمات والبنية التحتية، ثم أنظر الى أبنائه كيف حولوا بلادهم الى نادٍ شخصي للانتهاكات والافتراضات العشوائية وأعمال التجريب. ولا تنظر الى مئات المليارات أين ذهبت في مشاريع واستثمارات خرافية. فهذه مما لا ينطبق عليها إلا القول "عليه العوض، ومنه العوض".
والمسألة لا تقتصر على كونه حاكما مطلقا، تحت ستار الزعم انه "لا يحكم". فهذه خدعة أخرى لا تنطلي حتى على المخدوعين. ولكنه يحكم شعبه وبلاده بقبضة من نار وحديد من دون ان يكون لهذه القبضة أي معنى خارج أسوار القهر والقمع.
ألأنه "دكتاتور"؟
في الحقيقة، المشكلة لا تكمن هنا. يا مرحبا بكل دكتاتور. حكامنا دكتاتوريون عادة، وهم متسلطون، وقفاهم لا يترك الكرسي حتى الممات. المشكلة لا تكمن هنا.
أن تكون دكتاتورا، فهذه طريقة للحكم. وهي "نصف مصيبة".
القضية الحقيقية هي ما إذا كان هذه الطريقة تخدم مشروعا أم أنها تخدم قبضة الدكتاتور.
وعندما تمضي أكثر من 40 عاما في السلطة، فعلى الأقل يجب أن يكون الفارق واضحا بين ما فعلته القبضة وبين ما أنجزه المشروع.
وهو أولى بالحساب، ليس لأمر يتعلق به شخصيا (إذ لا شيء شخصيا فيه يستحق التمييز)، بل بتلك الأربعين عاما التي سرقها من أعمار الليبيين ومن تطلعاتهم ومن فرص بلادهم للنهوض والتقدم.
ولعله أولى بالحساب من جانب المخدوعين الذين دعموا شعاراته وخياراته الهائجة قبل أن يحصدوا منه الخراب والهزيمة.
المشروع القومي الذي حمل الزعيم الليبي لواءه لم يكن، عندما جاء الى السلطة، مجرد فكرة عابرة. فالحقيقة هي أن هذا المشروع كان وما يزال من أكثر المشاريع السياسية والاستراتيجية بحثا وتمحيصا.
لم نكتب أبحاثا ودراسات ومؤلفات، على مدى القرن الماضي كله عن شيء أكثر مما كتبنا عن المشروع القومي. الإسلام، بكل جلالة قدره، لم يحظ بالمكانة النظرية التي حظي بها المشروع القومي. ولو صادف للمرء أن يقرأ صفحة واحدة كل يوم، ويتعلم منها سطرا، لكنا انتهينا بما لا يقل عن 15000 مفهوم ودرس وفكرة. ولهذا السبب، فان الزعيم الليبي، آخر من يستطيع الزعم انه لم يعثر على إرث منهجي كاف لجعل سلطته تعرف ماذا تريد أن تفعل.
الى ذلك، فالمشروع القومي لم يكن المشروع الأكثر دراسة وتدريسا وبحثا فحسب، ولكنه كان المشروع الأكثر شعبية أيضا. بل ويستطيع المرء أن يزعم أن كل الإنكسارات والهزائم التي عانت منها الامة العربية لم تدفع هذا المشروع الى الوراء أبدا. فهو ما يزال الاول، وما يزال عشرات الملايين من العرب، من المحيط الى الخليج، يعتبرون انه يشكل المدخل الأصح والأصلح للكثير من أوجه الإنكسار والإعوجاج والإحباط والفشل، في الاقتصاد والسياسة، كما في كل ميدان آخر.
الآن. إذا كان المشروع القومي ما يزال على هذا المستوى الاستثنائي من الأهمية، وإذا كان عشرات الملايين يعتبرون ان الخلاص لن يأتي من دونه، وان لا مستقبل للأمة العربية من دون هذا المشروع، فهل يجوز ترك دفاتر حساباته من دون تدقيق؟ وهل يجوز السماح لسلطة فساد وفشل ان تكون هي الكلمة الأخيرة فيه؟
أي مغامرة ستكون، بأحلام وتطلعات الناس؟ وأي شاهدةَ قبرٍ ستكون على تلك المكتبة الضخمة من الأعمال الفكرية والبحثية التي شكلت ما يناهز ثلاثة أرباع ثقافتنا؟ بل وأي نهاية مأساوية ستكون للملايين من الضحايا والمحرومين والمعذبين الذين قضوا على جنبات الطريق من اجل الوحدة القومية؟
هل هذا الإرث، من الرخص والإبتذال بحيث يجوز لجمهورية عبث أن تتربع فوقه من دون مساءلة ولا كشف حساب؟ ثم، وكيف سننجو، بالقليل من آمالنا الباقية، إذا تركنا سلطة فشل تسرح وتمرح في رحاب المشروع القومي، بل وتجرؤ أن تقدم نفسها بإسمه؟
وأهم من ذلك، كيف سنقوّم إعوجاجا تاريخيا من دون نقد؟
ألن يبدو الأمر وكأنه إهانة؟
إذا كان لديك أمل وحيد، ومنفذ وحيد، وقارب نجاة وحيد، هل تسلمه بيد صاحب أكبر مشروع للتخلف والتدهور والغرق؟ هل تسمح له أن يتحدث بإسمه وأنت تعرف انه يرتكب إنتهاكات تطلخ بالعار وجه ذلك الأمل؟
لقد خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية محطمة ومهزومة ومحتلة وملوثة باول (وآخر) قنبلتين نوويتين يتم استخدامهما في حرب. ولكنها بعد 40 عاما أصبحت ثاني أكبر بلد صناعي في العالم. وما تزال تحتل هذه المرتبة الى يومنا هذا. وابتداءً من مطلع ثمانيات القرن الماضي، كانت هي التي تغزو الولايات المتحدة ببضائعها وسياراتها ومنتجاتها التكنولوجية.
ولكن يتطلب الامر الكثير من انعدام الحياء ان تمضي 41 عاما في السلطة وتنتهي ببلد يحتل المرتبة 130 في قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم.
كما يتطلب الأمر الكثير من مشاعر الخزي ان تخرج منها بفشل تنموي يجعل بلادك الأكثر انتاجا للعاطلين عن العمل (مقارنة بكل جوارها الإقليمي)، رغم ثرائها النفطي.
كما يتطلب الأمر الكثير من القدرة على ارتكاب جرائم عندما تجد نفسك لا تخشى من استثمار أموال بلادك في الخارج بينما شوارعك محفرة، ومبانيك مهدمة، ومدارسك معطلة، ومعاملك متوقفة.
كما ويتطلب الأمر الكثير من العوز الأخلاقي أن تترك أبناءك يشترون قصورا في الخارج، بينما مئات الآلاف من شعبك يعيشون في "مدن صفيح".
....
المسألة ليست مسألة نوايا مُحبَطة، أو مصادفات قدر ساقتك في طريق الخراب. المسألة مسألة نتائج وأعمال واقعية.
أصحاب المشاريع الكبرى، أولاً، لا يبنون مشاريعهم على أساس النوايا.
وثانيا، لا تتزحلق بهم الأقدار (كل ذلك الوقت) خارج السياق، إلا إذا كان سياق الخراب هو سياقهم المطلوب.
وثالثا، لا يغلبهم الإحباط. وإذا أُغلق عليهم طريق، فانهم يأتون الى نتائجهم من طريق آخر ولا يكفّون عن المحاولة.
والاحصاءات الاقتصادية الرسمية الليبية انما تقدم نتائج أقل ما يمكن أن يقال فيها أنها مفزعة.
يقول احدث إحصاء سكاني (نقلا عن جريدة "أويا") أن معدل البطالة في ليبيا يبلغ 20.74%، وهو الاعلى بين دول منطقة المغرب العربي الخمس البالغ مجموع سكانها 80 مليون نسمة حيث تتراوح البطالة في الدول الاربع الاخرى من حوالي 9 الى 15% وفقا للارقام الرسمية.
وتقول ("أويا") "بلغ عدد الليبيين المشتغلين فعلا ما مجموعه 1.3 مليون يشكلون نسبة قدرها 79.26% من إجمالي السكان الليبيين العاملين اقتصاديا".
ومكانة التعليم تتراجع الى درجة ان نسبة الاناث الليبيات الملتحقات بالتعليم العالي، قياسا باجمالي الملتحقات بالمدارس، كانت 12.88 في المئة، حسب ذلك الإحصاء، أما نسبة الذكور فكانت في حدود 10.37 في المئة، لتكون "الثورة" التي يقودها الزعيم الليبي، من الناحية العملية، ثورة حقيقية لنشر الجهل.
وفي أكثر من مناسبة، اعترف الزعيم الليبي نفسه بوجود أكثر مليون فقير في ليبيا. وكان رئيس الحكومة السابق شكري غانم تحدث عن وجود نحو 180 الف أسرة تعيش على أقل من 75 دولار شهريا. وصور برنامج بثته قناة "الجماهيرية" الرسمية (عام 2005) حياةالكثير من العوائل الليبية التي تعيش داخل أكواخ من الصفيح والخشب، "بدون ماء ولا كهرباء، ولمدة تجاوزت بعض حالاتها 10 سنوات".
ولم يتغير شيء في هذا خلال السنوات التالية.
هل هذه ثورة، أمأنها ردة؟ هل هي مشروع تنموي، أم أنها مشروع تخريب؟
ضع ضميرك أمام عينيك، وأجب.
ضع المظلومين أيضا، قبل ان تضع الله نفسه بين عينيك، وقل للمحرومين لماذا حرموا من حقهم في الحياة كبقية خلق الله الآخرين.
لقد انتهت ليبيا بقيادة العقيد القذافي الى شيء يكاد لا يصلح أن يعتبر بلدا. وسوى القدرة على البطش، فان كل مظاهر النظام والسلطة والإدارة هناك هي تعبير عن سيادة العشوائية والفوضى والحكم حسب المزاج لا حسب أي قوانين.
ومع ذلك، فقد دأبت هذه "الثورة" المزيفة على أن ترفع شعارات معادية للامبريالية والاستعمار.
خبر، يستحق التأمل فيه، نشرته احدى الوكالات التابعة للأمم المتحدة في 15 ايار-مايو 2010 يقول ما يلي:
"يحول احتلال المتمردين الحوثيين لعدد من المدارس في محافظة صعدة شمال اليمن دون متابعة الآلاف من الأطفال لدروسهم ويهدد بتقويض وقف إطلاق النار الذي تم التوقيع عليه مؤخراً بين الحكومة والمتمردين بقيادة الحوثي، وفقاً لمسؤولين محليين.
"وقال محمد الشميري، رئيس مكتب التربية والتعليم في المحافظة أن "المتمردين احتلوا عشرات المدارس في مديريات الصفراء وباقم ورازح وساحر وكتاف ومجز حيث لم يتمكن المعلمون من استئناف الدراسة على الرغم من مرور شهرين على بداية العام الدراسي 2009-2010 في صعدة".
"وأضاف أن المتمردين "يمنعون المدرسين من دخول هذه المدارس التي رفعوا عليها شعارات ‘الموت لأميركا وإسرائيل’ و’النصر للإسلام’" مشيراً إلى أن "ما لا يقل عن 30,000 طفل لا يستطيعون الذهاب إلى مدارسهم الابتدائية والثانوية". (انتهى الخبر).
هل عثرت على وجه الشبه بين ما يفعله المتمردون الحوثيون في اليمن وبين ما تفعله "الثورة" في ليبيا؟
لقد احتل العقيد القذافي المدرسة والمعهد والجامعة، واحتل ليبيا كلها، لكي يرفع شعارات مناوئة للامبريالية، وذلك بينما ظل يحرم مئات الآلاف من الليبيين من حقهم في التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي والتعليم والخدمات.
أهي ثورة، أم أنها "تمرد حوثي"؟
وهل يمكن محاربة الامبريالية بالفقر والتخلف والجهل؟
لم يستطع هذا الزعيم أن يرى إن الإمبريالية تقع على قفاها من فرط الضحك وهي تسمع شعاراته وترى نتائج أعماله. فكل ما تريده الإمبريالية لكي تخرج منتصرة هو أن ترى مشروعا تنمويا فاشلا هو الذي يعاديها!
ما من باب من أبواب الأدب القومي إلا وتقول لك إن التحرر الاقتصادي من ربقة الاستعمار هو أول الطريق نحو الاستقلال والتحرر. فماذا فعل نظام العقيد القذافي؟
فعل شيئين. الأول، استثمر عشرات المليارات من الدولارات، ليس في شركات تبنيها ليبيا لخدمة مشاريع يتم بناؤها في ليبيا، وانما في شركات إيطالية واميركية وفرنسية وبريطانية، يملكها حملة أسهم متعددو الجنسيات، وتتحكم فيها مجالس إدارة تخدم مصالح دولها وشعوبها (فضلا عن مصالحها الخاصة).
والثاني، أعاد هذه الشركات لتكون شريكا للشعب الليبي في ثرواته. واخذ الباقي لينثره في مشاريع واستثمارات وهمية في أفريقيا.
المشروع القومي، كما يدل كل أدبه، ليس مشروعا وحدويا فقط. انه مشروع تنموي ونهضوي أيضا.
والوحدة القومية التي لا تتحقق بإرادة النخب الحاكمة، يمكنها أن تتحقق بإرادة التنمية والتعاون والتضامن بين أبناء الشعب العربي الواحد. وما لا تستطيع بناءه من فوق، تستطيع بناءه من تحت؛.. من إرساء بنية تحتية لمشروع الوحدة القومية.
على مدى 40 عاما، كان يمكن للعقيد القذافي، أن يتبني مبادرة وحدوية واحدة كل عام من دون أن يضفي عليها طابعا سياسيا يثير الشقاق، بل ومن دون أن يقول عنها أي شيء، ليكتفي بأن يقدم العمل نتائجه، وأن تتحول النتائج الى أقوال أصدق من الأقوال التي لا تدل عليها نتائج.
كان يمكن، على سبيل المثال لا الحصر، أن يبني جامعة تستقطب خيرة الطلاب العرب وتقدم لهم أرفع مستوى من مستويات التعليم، وأن يحصل لها على اعتراف دولي لكي يثبت أهلية المتخرجين منها، ويعيدهم الى بلدانهم ليقدموا خبراتهم ويساهموا في بنائها وإعمارها. وسيجدون أنفسهم، بصورة تلقائية تقريبا، قوميين ووحدويين، أو في الأقل، يدينون بالفضل للمشروع القومي الذي خدمهم كطلاب علم. ولكنه لم يفعل.
وكان يمكن ان يبني سكة حديد تمتد من القاهرة الى الرباط، لا ليرفع على قطاراتها شعاراته الوحدوية، بل من أجل أن يجعل العلاقات الحيوية بين الدول العربية علاقات عمل ومصالح مشتركة تبني نزعتها الوحدية مثلما يبني النحل خليته، مع كل رحلة سفر. ولكنه لم يفعل.
وكان يمكن أن يشجع على استقطاب شركات ومستثمرين عرب للقيام بأعمال ومشاريع انشائية في ليبيا وفي غيرها من الدول العربية، وأن يقدم لها ضمانات بالنجاح من جملة الاعمال الكثيرة التي إن لم توفرها الدول الأخرى، فالتي توفرها ليبيا نفسها. ولكنه لم يفعل.
وكان يمكن يجعل التعليم والبحث العلمي قضيته الحيوية التي يمكن لليبيا من خلالها أن تحصل على الخبرات الضرورية لبناء دولة عصرية، واقتصاد حديث، وأن ينشر هذه الخبرات في كل أرجاء الوطن العربي لكي يجعل من ليبيا منارة للعلم والمعرفة بالنسبة للدول العربية. ولكنه لم يفعل.
وكان يمكن أن يحرص على أن يعطي الأولوية في العروض والمشاريع التي تبنيها ليبيا للشركات العربية وأن يشترط أن تكون العمالة التي تقوم بتنفيذ هذه المشاريع عمالة عربية، بل ومن أفقر الدول العربية حصرا. إلا انه لم يفعل.
وكان يمكن أن ينشيء مؤسسة إغاثة قومية لمكافحة الفقر والجوع والتصحر في الاقطار العربية التي تتعرض لمثل هذا التهديد، وأن يملي على الدول الأعضاء في الجامعة العربية أن تقدم مساهماتها في هذه المؤسسة، بل وأن يشجعها (إذا رغبت) على انشاء مؤسسات مماثلة، طالما أن الهدف هو خدمة المحرومين، لا التباهي بخدمة المحرومين. إلا انه لم يفعل.
وكان يمكن أن يحوّل جنوب السودان الى مزرعة خبز عربية، قبل أن يجد نفسه (وهو الوحدوي!) مؤيدا لتقسيم هذا البلد، إلا انه لم يفعل.
وكان يمكنه أن يقنع الدول العربية على القيام بمشاريع عمل مشتركة، وأن يجعل حسابها مكشوفا للمراجعة والتدقيق لكي يرى الجميع مدى الفائدة الفعلية التي تحققها. إلا انه لم يفعل.
وكان يمكنه، ولو في الإطار المغاربي وحده، أن ينشيء مؤسسة استثمار أو مجموعة مؤسسات في حقول مختلفة تجعل الجزائر والمغرب تشعران إن مصالحهما، كلٌ في البلد الآخر، أكبر من العقدة المسماة "الصحراء الغربية". إلا انه لم يفعل.
وكان يمكنه أن يجد مبررا لزيارة واستقبال كل زعيم عربي، مرتين بالأسبوع، من أجل التواصل الأخوي، ولبناء مصالح تحتية مشتركة، إلا انه لم يفعل، ليفضل عليهم زعماء قبائل وغابات ليعود منهم محاطا بالريش.
وكان يمكنه أن يجعل من ليبيا عنوانا للحرية والعدالة والمساواة ودولة القانون لتكون مثالا سياسيا واجتماعيا واستراتيجيا للعرب الآخرين، فيمشوا وراء تجربتها في التنمية، قبل ان يمشوا وراء شعاراتها. إلا انه لم يفعل.
وكان يمكن أن يُضفي على المسعى التحرري طابعا عمليا بالمساعدة على تحرير التابعين من التبعية، وتحرير العملاء من العمالة، وتحرير الفقراء من الفقر، وتحرير المتخلفين من التخلف، وتحرير المتطرفين من التطرف، وذلك بتقديم النموذج، لا بتقديم الأهازيج، إلا انه لم يفعل.
لقد ظلت ليبيا، برغم كل شعاراتها التحررية، ينقصها المشروع التنموي التحرري الصحيح. فبقيت الشعارات شعارات، وظل محتواها فارغا.
وبرغم كل تلك الشعارات، وبالنظر الى انها لم تكن بالأحرى سوى ترهات لا علاقة لها بالأدب القومي، فقد كان من الطبيعي أن تجده يقف الى جانب إيران ضد العراق، وأن يحرد على العرب أجمعين بالذهاب الى أفريقيا، وكأن شعاراته القومية نكاية، لا مشروع عمل، وأن يتردد في دعم المقاومة العراقية ضد الاحتلال، وأن يحوّل تضامنه مع الفلسطينيين الى مناسبة لتعزيز الشقاق والفرقة بين صفوفهم.
وقد يجد المرء للزعيم الليبي عذرا في عدم الأخذ بخيار أو آخر، بسياسة أو غيرها، ولكن ما لا عذر له فيه، هو أن يفشل في تحويل مشروعه التحرري الى مشروع بالفعل، وأن يفشل في تحويل ليبيا الى نموذج يبرهن على مدى أهلية وصدقية الكلام الذي يصدر عنه.
لقد عرف المشروع القومي ابطالا وأنبياء كثيرين، قدموا لبلدانهم ما استطاعوا، عملا وفكرا ومشاريع تحديث. ولكن الزعيم الليبي فشل في أن يكون واحدا منهم.
وكلما زاد به البقاء في السلطة، كلما زادت فضيحته ضخامةً وفشله دويا.
لقد أزفت ساعة الحساب،... منذ زمن.
وبحسب النتائج التي تحصدها ليبيا اليوم، فمن الأولى به أن يرحل... الى غابة من غابات أفريقيا، لينعم بالريش، باعتباره "ملك ملوك".
لعله هناك، وسط أحراش الغابة، يستطيع أن يقول لهم انه كان في يوم من الأيام "أمينا على القومية العربية".
ولن يسأله أحد: ما الذي جاء بك الى هنا؟ فحتى ملوك الغابات في أفريقيا يعرفون، أنه لم ينته الأمر به اليهم، إلا لأنه لا يُؤتمن على شيء.
الذين يضعون آمالهم على النجاة بالمشروع القومي يجب ألا يتركوا الزعيم الليبي يعبث بقاربهم الأخير. وبدلا من أن يتركوه فيه ليثقبه بانتهاكاته وفشله وشلله الذهني، يحسن بهم أن يبحروا من دونه.