من أوراق الأيام

News image

سؤال الحرية كراهن تاريخي دائم

News image

شيئ عن أوهام الديمقراطية وسواها

News image

في مفهوم العولمة: التاريخ والمعنى

News image

قانون الولاء و"أسرلة" الأرض و"يهودية الدولة"

News image

ظواهر الهزيمة على المسرح وكواليسه

News image

اليقظة المتأخرة: هل يقرأ العرب؟

News image

الصحراء الغربية في الوثائق والمعاهدات الدولية

News image

فلسطيننا وخزعبلاتهم: كلام في يهودية إسرائيل

News image

الأصوليات.. وفتن التآويل الأخيرة!

News image

متى نتقدم؟ متى يكون الاقتصاد وطنيا؟

News image

رُويبضة العصر، ومبدأ حرية التعبير..!

News image

الدولة القومية والشركات العابرة للوطنية

News image

عندما تتحوّل الحياة العصرية إلى استعمارٍ للذات

News image

يهودية الدولة ومهمة طرد "الغزاة الفلسطينيين"!

مدونات عربية

(1) إيران واضطهاد الأقليات (العرب والسنة، نموذجا) PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأحد, 13 يونيو 2010 11:20

رانيا مكرم - على الرغم مما يبدو عليه وضع الأقليات الإيرانية دستوريًا، مع ما كفله لها الدستور الإيراني من حرية تعبير وممارسة الشعائر الدينية على اختلافها، فإن ما يتم تنفيذه من هذه المواد يعد ضئيل بالنظر إلى حجم ما تحتويه من حقوق، إذ لم تحصل سوى الأقليات الدينية على حقها في التمثيل النيابي في البرلمان القائم على التمثيل النسبي، وممارسة طقوسها الدينية في أماكن العبادة المخصصة لذلك والتي تسمح السلطات الإيرانية بإنشائها، مقتصرًة في ذلك على الأقليات الدينية الثلاث "المسيحية واليهودية والزرادشتية"، ومستثنية أصحاب المذهب السني، فيما تساوت الأقليات العرقية –غير المعترف بها دستوريًا- في التهميش الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وبالتالي لم يخرج اهتمام النخبة السياسية بوضع الاقليات عن قطع الوعود بالنظر في أوضاعها.

فلم يستجب الدستور الإيراني لمطالب الأقليات العرقية في الحصول على قدر من الحرية في إدارة شئونها الذاتية، كما حرم الدستور المسلمين السنة، والأقليات العرقية الشيعية المذهب من حق رئاسة الدولة بنص المادة (115)، التي تشترط في رئيس الدولة أن يكون مؤمنًا بمبادئ الثورة الإيرانية ومعتنقًا للمذهب الرسمي للبلاد، والتي قرنت أيضًا بين التشيع وجنسية الرئيس وانحداره من أصل إيراني.

ورغم عدم تكرار هذا الشرط مع المناصب القيادية الأخرى وأهمها منصب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، وهو الأمر الذي أتاح الفرصة أمام المرشد الحالي آية الله على خامنئي لتولي هذا المنصب، وهو ذا أصل آذاري، فإن وضع الدستور شرط الأصل الإيراني يثير تساؤلات حول دولة تقيّم شرعيتها على أساس ديني- وفقًا لدستورها – في حين لا يمكن تفسير لماذا تم استثناء المسلمين السنة من تخصيص مقاعد لهم في مجلس الشورى كما غير المسلمين.

وفي هذا الإطار، فإن ثمة حقائق عدة عن وضع الأقليات في إيران، أهمها:- أن الأقليات العرقية، وإلى جانبها الأقلية السنية، لا تتمتع بسلطة، قوية كانت أم ضعيفة، لاتخاذ قرارات بشأن أوضاعها، نظرًا لضعف نفوذها داخل مؤسسات الدولة، الناتج عن حرمانها من تقلد مناصب قيادية كرئاسة الجمهورية والسلطة القضائية والوزارات سواء كان ذلك من خلال منصب الوزير أو نائبه، ورؤساء الهيئات، والمحافظين لاسيما للأقاليم والمحافظات التي تقطنها أغلبية من أقلية معينة. بالإضافة إلى عدم وجود أي شخص ينتمي لأقلية عرقية تتخذ غير الشيعية مذهبًا في مجمع تشخيص مصلحة النظام، ومجالس صيانة الدستور، والأمن القومي، والثورة الثقافية، فضلا عن عدم الاعتراف رسميًا بالأحزاب المستقلة المرتبطة بالأقليات العرقية التي تهدف إلى الدفاع عن هذه الأقليات في أي منطقة.

ولعل التقرير الذي أصدره المركز الإسلامي للبحوث التابع للحكومة الإيرانية – وأحد أعمدة الفكر في إيران- خلال عام 2005 ، قد أبرز أهم ملامح ما يمكن تسميته "بأزمة الأقليات" في إيران، حيث حذر المجلس في تقريره من تدهور الأوضاع الداخلية بشكل قد يخرج عن السيطرة ما لم تتحرك الحكومة الإيرانية بشكل أفضل في اتجاه تلبية احتياجات الأقليات العرقية السياسية والاقتصادية، كما ألقي التقرير الضوء على أثنتين من أهم التحديات التي تواجه النظام في هذا الشأن، أولهما:- تدهور الأوضاع الاقتصادية لهذه الأقليات، لاسيما في المحافظات الحدودية البعيدة عن المركز، نتيجة لعدم تفعيل مواد الدستور القاضية بتوزيع ثروات البلاد بشكل متساو على محافظاتها المختلفة، ثانيهما:- تفشي البطالة بين صفوف شبابها نظرًا لغياب المشروعات التنموية التي يمكنها استيعاب العمالة المتعطلة، أو على الأقل جذب المستثمرين لهذه المناطق والقيام بهذا الدور، وهو ما يجعل هذه الأقليات عرضة للاستقطاب الخارجي، وبصفة خاصة من قبل الدول التي ترتبط معها هذه الأقليات بصلات وثيقة، مثل العراق، وأفغانستان، وباكستان، وتركمنستان، وآذربيجان، وهي دول إما غير راضية عن النظام الحاكم في إيران أو بها قوات أجنبية.

وفي إطار تعدد الأقليات الإيرانية وعدم تجانسها اجتماعيًا وجغرافيًا، يمكن تناول واقع بعضها بالتوضيح كنموذج لوضع الأقليات بشكل عام في إيران، وقد وُضع في الاعتبار عند اختيار الأقليات التي سيتم إلقاء الضوء عليها أن تكون معبره عن نوعي الأقليات في المجتمع الإيراني العرقية والمذهبية، ولذلك تم اختيار الأقلية العربية كأقلية عرقية، والأقلية السنية كأقلية مذهبية، لاسيما وأن أهل السنة ينتمون إلى أعراق متعددة من الأكراد والبلوش والتركمان.

 

الأقلية العربية

 

ربما تكون الأقلية العربية في إيران هي المثال الأوضح لتعامل النظام الإيراني مع الأقليات، نظرًا للخصوصية التي تتمتع بها هذه الأقلية ليس فقط لكونها عربية الأصل في دولة فارسية، بما يعنيه ذلك من اختلاف في الثقافات والأعراف، وبشكل يفوق تلك الفروق بين باقي الأقليات العرقية مثل الأكراد و الآذاريين واللور، والأغلبية الفارسية، وإنما أيضًا لخصوصية المنطقة التي يقطنها العرب وهي إقليم الأحواز، الذي يعد عصب الاقتصاد الإيراني نظرًا لما يحتويه من موارد طبيعية هائلة تتنوع ما بين النفط والغاز والمعادن والمياه، في حين أن سكان الإقليم لا يتمتعون بمزايا تواجد هذه الثروات على أراضيهم.

ويمكن إلقاء الضوء على واقع هذه الأقلية فيما يلي:

 

الوضع الاقتصادي

 

على الرغم من وفرة الموارد الطبيعية في إقليم الأحواز، فإنه يعد حاليًا من أفقر الأقاليم في إيران، وأقلها حظًا من حيث توافر الخدمات والبنية التحتية لاسيما بعد القصف الكثيف الذي تسبب في تدمير – الذي شهده الإقليم أثناء الحرب العراقية – الإيرانية  (1980-1988) أجزاء كثيرة منه، وعدم إقدام الحكومة المركزية في طهران على إعادة إعماره، بعد أن كان الإقليم من أكثر الأقاليم الإيرانية تطورًا قبل الحرب مع العراق، الذي احتل هذا الإقليم مستغلا الفوضى التي تبعت الثورة الإسلامية بهدف السيطرة على آبار النفط فيه. وحتى مع ما تقيمه الدولة من مصانع ومشروعات في الإقليم على أراضي تصادر من أصحابها تتنوع ما بين مشروعات لتكرير قصب السكر والمصافي النفطية، وخطوط نقل الغاز والنفط بالقرب من حقوله، فإن سكانه لا يستفيدون بأي من هذه المشروعات سواء كان وجه الاستفادة من عوائدها المالية التي يفترض أن تصب في احتياجات الإقليم المتزايدة، أو ناحية استيعاب قوي العمالة المتعطلة فيه. إذ عادًة ما يتم إنشاء هذه المشروعات ويأُتي بهيكلها الإداري والتنفيذي من خارج الإقليم الذي تقوم العمالة فيه على العمالة اليومية والموسمية والمؤقتة. بالإضافة إلى أن القرار الذي صدق عليه مجلس الشورى الإسلامي القاضي بمنح الإقليم 2 بالألف من عائدات الصناعات القائمة عليه لم يخرج بعد إلى حيز التنفيذ.

وتجدر الإشارة إلى أن قوى سوق القطاع الخاص أيضًا -سوءا التجاري منه أو الصناعي أو الخدمي- في الأحواز يعتمد أساسًا على غير العرب، وإن كان العرب يسجلون حضورًا ملموسًا في قطاع الخدمات، الا انه يلاحظ ثمة تمييز في تقسيم العمل. إذ تقتصر الوظائف المتاحة لسكان الإقليم على الشاقة منها، في حين أن الوظائف الإدارية تترك لغير العرب، وهو الأمر ذاته في مجال إشغال الوظائف الحكومية، فمن بين المناصب الحكومية في مؤسسات 3 مناصب منها يشغلها عرب، أي ما يقل - الدولة الموجودة في الإقليم، هناك ما يتراوح بين 2 عن 5% من إجمالي الوظائف الحكومية في الإقليم.

وبالنظر لمشروع توسعة مصنع قصب السكر في مدينة التلال السبعة، الذي لا يتطلب أيدي عاملة ماهرة كمثال في هذا الإطار، يلاحظ أن عدد العاملين من العرب في هذا المشروع لا يتجاوز 30% - حسب تقديرات مركز دراسات الأحواز المنشورة في موقعه في حين أن المناصب الإدارية في - www.ahwazstudies.org - على الإنترنت المشروع البالغ عددها 25 وظيفة لا تضم عربي واحد.

كما أدت السياسة المائية للنظام في الإقليم المتمثلة في تغيير مسارات الأنهار وإقامة السدود على مجاريها ومصباتها بهدف نقل المياه إلى المدن الإيرانية الداخلية، وتصديرها إلى الخارج- مشروع بيع مياه نهر "الكرخة" إلى دولة الكويت على سبيل المثال- إلى التأثير سلبًا على الوضع الاقتصادي القائم على الزراعة في الإقليم نظرًا لانخفاض منسوب المياه في الأنهار من ناحية، وارتفاع معدل نسبة الملوحة فيها من ناحية أخرى.

وتشير الدراسات الهكتورية إلى أن إقليم الأحواز يحتاج إلى 47 مليار متر مكعب في العام لزراعة 3 ملايين هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، في حين أن الكمية المتوفرة 33 مليار متر مكعب في العام، تكفي هذه الكمية فقط لزراعة 1.4 - للإقليم تتراوح ما بين 30 مليون هكتار من الأراضي الزراعية، في الوقت الذي تستهلك فيه مشروعات قصب السكر وحدها - التي تم إنشائها في عهد الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني- في الإقليم حوالي 16 ألف متر مكعب للهكتار الواحد.

 

الوضع الاجتماعي

 

فرض النظام الإيراني على إقليم الأحواز وضعًا اجتماعيا مغايرًا لما كان عليه الإقليم قبل ضمه للأراضي الإيرانية، من خلال القيام بتوطين نازحي الحرب العراقية-الإيرانية في مدن نائية بعيدًا عن الإقليم وعدم السماح لهم بالعودة إليه، وفي المقابل إعطاء الأراضي العربية لعوائل قتلي الإيرانيين الفرس في الحرب والعسكريين الذين شاركوا فيها، لاسيما في المناطق ذات الحدود المباشرة مع الدول العربية مثل منطقة الحدود مع العراق، بهدف إبعادهم عن امتدادتهم الإقليمية مع الدول العربية المجاورة، بالإضافة إلى ترك مخّلفات الحرب وبصفة خاصة الألغام الأرضية على الحزام الحدودي العربي للإقليم للهدف ذاته. وقد أسهمت هذه العوامل إلى جانب غيرها في تشويش الهوية العربية لسكان الإقليم.

وتؤكد بعض الحركات الناشطة الأحوازية على منع النظام الإيراني تدريس اللغة العربية والتحدث بها في المؤسسات الحكومية الموجودة في الإقليم، وهو ما أدي إلى التأثير على إجادة معظم عرب الأحواز قراءة وكتابة هذه اللغة، فيما أسهم النقص الواضح في المدارس التابعة للإقليم في انحدار مستوي التعليم في الإقليم، وتفشى الأمية فيه، لاسيما بين الإناث حيث .% تصل نسبتها بينهن إلى ما يقرب من 70 وفي مجال الصحافة، أشار تقرير حرية الصحافة الصادر في 2 مارس 2007 إلى أنه قد سُمح فقط لصحيفتين عربيتين- فارسيتين بالصدور في الإقليم، أحداهما شهرية، والأخرى إسبوعية، وباستثناء الصحافة الفارسية العامة، وهي توزع بكثرة في الأحواز – حسب التقرير- ويمكن القول بأن هناك ما يقرب من 15 صحيفة وجريدة فارسية تطبع وتوزع في الإقليم، مقابل إثنتين خصص فيهما مساحات قليلة للغة العربية. فيما تجدر الإشارة إلى أن الإدارة العامة للإعلام في إقليم الأحواز، ووزارة الإعلام في طهران لديهما أكثر من 30 طلبًا للحصول على امتياز إصدار صحف عربية، وعربية- فارسية في الإقليم إلا أنه لم تتم الإعلان عن الموقف من هذه الطلبات حتى الآن.

 

الوضع السياسي

 

بسبب عدم وجود فرص لترقي عرب الأحواز مناصب إدارة المجالس المحلية في الإقليم، وجعل منصب المحافظ – الحاكم حسب المسمى الوظيفي في إيران- حكرًا على غير العرب المهاجرين، إلى جانب عوامل أخري، تقلصت المشاركة السياسية الفاعلة للعرب في إيران فيما اقتصر تمثيلهم في مؤسسات صنع القرار في الدولة على فترة الرئيس السابق محمد خاتمي الذي عمل على إدماج بعض العناصر العربية في هيكل صنع القرار الإيراني، ومن أبرز هذه العناصر، على شمخاني وزير الدفاع الأسبق، الذي ولد في الأحواز من قبيلة عربية- بني تميم- ،ومحمد الصدر مستشار الرئيس خاتمي، ومحمود هاشمي الشاهرودي رئيس السلطة القضائية السابق.

ويشير المراقبون إلى أن تقلد العرب هذه المناصب لم يتم دون معارضة من دعاة الحفاظ على هوية النظام الفارسية، ففي حالة تولي شمخاني منصب وزير الدفاع تحفظت العديد من قيادات المؤسسة العسكرية على وجود شخص من أصل عربي على رأس الوزارة، وفي حالة شاهرودي شنت الصحافة حملة عنيفة ضد تعينه في هذا المنصب، فيما كان الرد على هذه الاعتراضات هو ولاء هؤلاء الكامل للنظام وإيمانهم بمبادئ الثورة.

وقد أسهم غياب التمثيل في مؤسسات صنع القرار بدوره في تحفيز عرب الأحواز على تكوين حركات حزبية لتمثيل مصالحهم على المستوي القومي، ومن أهم هذه الأحزاب:

حزب "الوفاق الإسلامي" برئاسة جاسم التميمي الذي ظل ممث ً لا للأهواز في البرلمان الإيراني منذ عام 1982 وحتى 2004 ، حتى فقد مقعده بعد اتهامات بالتزوير وجهت إليه من قبل الحكومة الإيرانية، وحزب "الشعب العربي الأحوازي الديمقراطي" برئاسة محمود أحمد الأحوازي الذي يقوده من منفاه في لندن، وهو حزب ذو نزعة راديكالية تري في حكم إيران لإقليم الأحواز احتلالا فارسيًا لأرض عربية، وحزب "النهضة الأحوازية العربي"، وهو حزب انفصالي يدعوا إلى التمرد ضد الحكومة، تأسس عام 1990 بواسطة صباح الموسوى، الذي لا يزال يترأسه حتى الآن من كندا، وحزب "التضامن الاجتماعي الأحوازي" برئاسة على الطائي، وهو حزب يرفض العنف ولا يطالب بالانفصال، وإن كانت مطالبه تصل إلى حد الحكم الذاتي للإقليم، في إطار دولة فيدرالية ديمقراطية، كما يسعى هذا الحزب إلى التحالف مع أحزاب الأقليات الأخرى مثل أحزاب الأكراد والبلوش والأتراك والآذاريين.

وعلى خلفية هذه الأوضاع التي لم تقتصر في مجملها على حقبة ما بعد الثورة الإسلامية، فقد شهد إقليم الأحواز العديد من الثورات والانتفاضات منذ اجتياحه من قبل الشاة رضا خان في إبريل 1925 ، والتي كان قاسمها المشترك هو الحفاظ على عروبة الهوية الأحوازية، حيث قام سكان الإقليم ب 14 انتفاضة ضد النظام الإيراني، كان أولها عام 1928 استطاعوا من خلالها إقامة حكومة دامت ستة أشهر قبل إسقاطها من قبل القوات الإيرانية، بينما كان أخرها في إبريل 2005 ، إثر الإعلان عن رسالة نسبت لمحمد أبطحي مستشار الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي – نفت صحتها السلطات الإيرانية، وأدانها أبطحي- تحدث فيها عن ضرورة الحد من النفوذ العربي في الإقليم، من خلال خطة لتعديل التركيبة السكانية فيه ونقل العرب إلى شمال إيران.

ويمكن القول بأن الرسالة سابقة الذكر قد كانت على الأرجح المفجر لوضع السلام الاجتماعي الهش بين عرب الأحواز والسلطات الإيرانية، لتعود الحالة إلى أوضاع سابقة من العنف المتقطع بين الجانبين، إذ كان رد فعل الرسالة عنيف من قبل سكان الإقليم وبالتالي النظام، تمثل في مقتل تسعة أشخاص وعشرات الجرحى واعتقال المئات ومن ثم إعدام العشرات، بالإضافة إلى عسكرة المنطقة. كما أدت هذه التطورات جميعها إلى رفع سقف قضية الأقلية العربية في إيران، وإعطائها بعدًا دوليًا، كرسته تقارير منظمات حقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية التي أخذت على عاتقها متابعة أوضاع الأقليات في إيران عن كثب عقب ما اتخذته الحكومة الإيرانية من خطوات قمعية شديدة العنف إزاء هذه الانتفاضة، التي لا يزال سكان الإقليم يعانون منها حتى الآن.

وفى هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الإيراني محمود احمدى نجاد قد اضطر إلى إلغاء ثلاث رحلات إلى منطقة الأحواز في أخر لحظة. وكان السبب المعلن رسميًا في كل مرة، هو سوء الأحوال الجوية، في حين أن السبب الحقيقي – وفقًا للمراقبين - قد تمثل في وجود تهديدات أمنية، إذ وقع في إحدى هذه المرات – على سبيل المثال – واحد من أسوأ التفجيرات التي شهدتها المنطقة أودى بحياة ثمانية أشخاص قبل موعد إلقاء الرئيس نجاد لخطابه بساعات فقط. وفى يناير 2006 شهد الإقليم انفجار أخر في أحد البنوك مما أدى إلى مقتل ستة أشخاص، اتهم فيه اثنان من العرب الأحواز. وقد تم إعدامها في مارس من العام نفسه شنقًا أمام العامة، بالإضافة إلى سجن عدد آخر من سكان المحافظة.

 

أهل السنة

 

الأقلية السنية في إيران، ليست أقلية دينية تعيش في مجتمع مغاير لها في عقيدتها، ولكنها أقلية مذهبية، تعتنق مذهبًا إسلاميًا مخالفًا للمذهب الفقهي الذي تعتنقه الدولة، فقد كان من المفترض أن يسهم هذا الوضع في تقليل التوتر بين هذه الأقلية والحكومة المركزية. غير أن واقع الأقلية السنية في إيران جاء انعكاسًا لعدة عوامل شديدة التداخل، مرجعها ليس المذهبية وحدها -وإن كانت أكبر العوامل- وإنما لأسباب عرقية أيضًا نظرًا لانتماء السنة في إيران لعدد من العرقيات المختلفة - تتنوع بين الأكراد، والأتراك، والبلوش.

والعرب، وبعض الفرس- وأخرى جغرافية نظرًا لامتداداتهم خارج الحدود مع دول سنية لا تربطها مع إيران علاقات ودية مثل العراق، وأفغانستان، باكستان. وعلى أساس هذه الخلفية يمكن إلقاء الضوء على واقع هذه الأقلية فيما يلي:

 

الوضع الاقتصادي

 

أثرت جغرافيا المناطق التي يسكنها أهل السنة والجماعة في إيران بشكل كبير ومباشر إلى جانب عوامل أخري في تشكيل وضعها الاقتصادي الصعب، وينطبق ذلك بصفه خاصة على إقليم سستان- بلوشستان المعزول عن المركز المتحضر في طهران، وقد أسهم هذا الانعزال الجغرافي في غياب الخدمات الأساسية اللازمة لإقامة مشروعات خدمية واستثمارية تساعد الإقليم في تطوير بنيته الاقتصادية، بالإضافة إلى أن غياب ما سبق قد أدى فيما أدي إلى جعل الإقليم عرضة لسيطرة المهربين وتجار المخدرات في العالم، ذلك لقربه من ولاية "هلمند" الأفغانية، التي تعد بدورها أكبر مزرعة مخدرات في العالم. ولجوء الفارين من قوات التحالف الدولي بعد سقوط نظام طالبان، ومن بينهم أعضاء في تنظيم القاعدة. وتتزايد نتيجة لذلك نسب البطالة وبالتالي معدلات الفقر بين أفراد المحافظات التي تسكنها أغلبية سنية، إذ تشير بعض الإحصاءات إلى أن السنة الإيرانيين يمثلون ما تتراوح نسبته بين %50-35 من نسبة المعطلين عن العمل في إيران، فيما تحتل محافظة "كرمنشاة" المرتبة الأولي بين المحافظات الإيرانية التي تعاني من البطالة.

وعلى الرغم من أن إقليم سستان- بلوشستان قائم اقتصاديًا بالأساس على الزراعة، يؤكد قاطنوه على أنه لم يتم تدشين أي مشروع من شأنه النهوض بقطاع الزراعة في الإقليم، لاسيما مشروعات بناء السدود التي توفر المياه اللازمة للزراعة، حيث لم يتم تدشين سوي سد واحد هو سد " بيشين" - والذي يؤكدون بشأنه أنه لم يستكمل بعد - كما لم يتم بناء مصنع واحد في الإقليم منذ تأسيس مصنع "بلوش للنسيج"، بالرغم من الخطط الطموحة التي وضعتها الحكومة الإيرانية التاسعة بهدف إنهاء عزلة المحافظات النائية، وتطوير بنيتها التحتية وذلك من خلال رصد 50 تريليون ريال إيراني – كما سبق لتوضيح في موضع سابق- فإن أي من هذه الخطط لم يتم تنفيذها على أرض الواقع في الإقليم.

 

الوضع الاجتماعي

 

لا ينفصل الوضع الاجتماعي للأقلية السنية عن وضعها الاقتصادي، فبالإضافة إلى التهميش الاقتصادي، يواجه السنة تغييب لمواد الدستور القاضية باحترام مذهبهم العقيدى، وما يتيحه هذا الاحترام من امتلاك ما يكفي من المساجد الخاصة بأهل السنة على الأقل في المناطق التي تسكنها أغلبية سنية، ومدارس لتدريس الفقه السني، ووجود صحف محلية تعبر عن معتقداته.

ولعل أبرز ملامح تجاهل هذه المواد من الدستور هي عدم وجود عدد مناسب من المساجد في المحافظات التي يسكنها أغلبية سنية، وعدم وجود مسجد واحد لأهل السنة في طهران رغم مطالبة سكان العاصمة من أتباع المذهب السني بوجود هذا المسجد، إذ يأتي الرفض لهذا الطلب بدعوى أن وجوده سيؤدي إلى توترات مذهبية، في حين يوجد 4 معابد للزرادشت، إلى جانب 12 كنيسة للأقلية المسيحية، و 23 معبد يهودي في العاصمة طهران، من أصل 76 معبد في إيران، بالإضافة إلى أن المساجد المنشأة بالفعل تخضع وباستمرار لمراقبة السلطات الإيرانية، التي لجأت في بعض الأحيان إلى هدم مساجد سنية في مناطق أغلبيتها سنية مثل (مدن سلماس، وبلوشستان، وخراسان).

ويعد مسجد الشيخ فيض في محافظة "خراسان"، الذي تحول إلى منتزه عام، هو المثال الأبرز في هذا الإطار، لاسيما وأن هدمه في منتصف تسعينيات القرن الماضي قد نتج عنه ردة فعل عنيفة من قبل بعض السنة البلوش، تمثلت في تفجير أحد المقامات الشيعية في مدينة مشهد، ومّثلت أول تحرك مسلح للبلوش السنة ضد السلطات الإيرانية.

أما بالنسبة للمستوي المتوفر من التعليم لأبناء الأقلية السنية، فيؤكد السنة على معاناتهم من مشاكل جمة في الحصول على القدر المناسب من التعليم، إذ لا يُقبل أبناؤهم بسهولة في المدارس والجامعات، كما لا يسمح لهم بالدراسة في الخارج، بالإضافة إلى أن المدارس الموجودة في محافظاتهم لا يمكنهم دراسة المذهب السني فيها، نظرًا لكون مدرسي التربية الدينية من الشيعة، كما أن المدارس السنية التي يستطيعون بنائها لا يتم الاعتراف بها رسميًا من قبل الدولة، وبالتالي يُستدعي طلابها إلى الخدمة العسكرية خلال فترة الدراسة.

وفي ظل عدم توافر البيانات الدقيقة عن الأقليات في إيران فإنه بالرجوع إلى الإحصاءات التي أعلنها عبد العزيز دولتي بخشان - النائب السابق في البرلمان الإيراني، ومستشار وزير التربية والتعليم إبان فترة حكم الرئيس السابق محمد خاتمي- خلال اجتماع المؤسسة العليا للتعليم والبحث العلمي الذي عقد في أواخر ديسمبر 2003 ، وتتناول عدد الطلاب السنة البلوش 2003 ، يتضح أن هذا العام قد شمل 4 ملايين طالب – في إيران خلال العام الدراسي 2002 يدرسون في الجامعات والمعاهد الإيرانية، بلغ عدد الطلاب الجامعيين السنة البلوش منهم في جميع الجامعات الإيرانية 200 طالب جامعي، أي أن حصة السنة البلوش من بين 4 مليون طالب جامعي إيراني قد بلغت 0.005 %، وهذا يعني أن من بين كل 10 آلاف طالب جامعي إيراني هناك 5 طلاب منهم من السنة البلوش. وهي نسبة لا تعبر عن حجم البلوش والسنة في المجتمع الإيراني، علمًا بأن البلوش يحتلون المرتبة الثانية بعد الأكراد في تكوين الأقلية السنية في إيران.

 

الوضع السياسي

 

تمتع أهل السنة في إيران بمزايا نسبية على الصعيد السياسي، حيث شارك علمائهم في وضع الدستور مع قائد الثورة الإيرانية الإمام الخميني، من خلال الشيخ المفتي زاده، والشيخ عبد العزيز البلوشي النائب المنتخب في مجلس الخبراء في دورته الأولي، الذي عهد إليه صياغة الدستور الإيراني بعد قيام الثورة كممثل لأهل السنة. وقد لعب أهل السنة إبان هذه المرحلة دورًا مهمًا في تأييد الخميني ضد الأحزاب اليسارية بقيادة منظمة مجاهدي خلق وزعيمها مسعود رجوي. غير أن ما تضمنه الدستور من مواد اعتبرت تمييزية ضد السنة، قد أسهمت في تراجع هذا الدور السني في مؤسسات صنع القرار السياسي الإيراني، وبالرغم من أن هذا التواجد لم ينعدم نهائيًا لاسيما بعد أن شهد انتعاشًا خلال فترة حكم الإصلاحيين بقيادة خاتمي، حيث بلغ عدد الأعضاء السنة في مجلس الخبراء في دورته الرابعة ثلاثة أعضاء، وفي مجلس الشورى الإسلامي في دورته السادسة 18 نائب، رشح أحدهم عن مدينة ذات أغلبية شيعية، وهي مدينة أرومية، فإن هذه النسبة قد تراجعت خلال الدورة البرلمانية السابعة، ليصل عدد النواب السنة 12 نائبًا فقط، وهي نسبة متدنية للغاية بالنظر إلى تعداد % الأقلية السنية في المجتمع الإيراني الذي لا يقل عن 7 مليون نسمة، باعتبار أنها تمثل 10 من السكان، ففي حين يمثل كل 200 ألف شيعي، نائب واحد في البرلمان، يمثل كل 500 ألف (سني نائب واحد).

ويشير المراقبون إلى أن أجهزة الأمن الإيرانية قد استطاعت أن تبقي التوتر في العلاقات بين السنة والشيعة تحت سيطرتها إلى حد كبير، منذ قيام الثورة وحتى عام 1982 ، حينما تم حل المجلس المركزي لأهل السنة، حيث تدهورت العلاقات بين الأقلية السنية والحكومة الإيرانية فيما بقيت دائرة الصراع محصورة بالدرجة الأولي في إقليمي "كردستان، وسستان- بلوشستان".

وعلى الرغم من تأكيد الشيخ محمد إسحاق مدني مستشار الرئيس الإيراني محمد خاتمي – حين أدلى بهذا التصريح خلال عام 2003 – "على أن المجتمع الإيراني لم يعرف صراعات ذات طابع مذهبي وأن الجميع ينصهر في بوتقة الانتماء إلى إيران، وأن التمثيل السياسي القائم على الانتخاب إنما يتم اعتمادًا على معيار الكفاءة ليس المذهبية"، فإنه لا يمكن فهم لجوء الأقلية السنية إلى تشكيل معارضة مسلحة، وليس مجرد أحزاب سلمية لمواجهة أي تمييز يمكن أن يحدث ضدها. حيث قامت المعارضة السنية بتشكيل العديد من الحركات والجماعات المسلحة في مواجهة النظام، تنفصل عن نظيرتها الكردية القائمة على أساس عرقي بهدف تحقيق حلم الأكراد في الانفصال ليس عن إيران فقط وإنما عن كل الدول التي يعد الأكراد فيها أقلية، وذلك بعكس المعارضة العربية غير المسلحة.

ويمكن القول بأن أحداث العنف التي شهدها عام 1994 والتي أعقبت هدم مسجد خراسان السني كانت بمثابة شرارة البدء الأولي لتحرك الجماعات المسلحة السنية داخل إيران، حيث أعلنت جماعة سنية يطلق عليها "الحركة الإسلامية الإيرانية" مسئوليتها عن تفجيرات مشهد، تلا ذلك الإعلان عن جماعة أخري تطلق على نفسها اسم "المعارضة السنية المسلحة" التي تأسست في منتصف الثمانينيات في بيشاور بباكستان، وجماعة "جند الله" الأنشط بين الجماعات السنية المسلحة في إيران والتي تبنت العديد من عمليات العنف الموجه ضد الحكومة الإيرانية. كان أخرها وأعنفها تفجير حافلة للقوات البرية التابعة للحرس الثوري في 14 فبراير 2007 ، أدي إلى مقتل 11 عنصرا وجرح 31 . بالإضافة إلى نشاط الجماعة في عمليات خطف الأجانب والإيرانيين، سواء كان ذلك ردًا على قتل أحد عناصرها أو للمقاضية بأحد معتقليها لدي الحكومة.

جاء تعامل الحكومة الإيرانية مع الاضطرابات العرقية التي شهدتها البلاد منذ مطلع الثمانينيات - والتي بدأها الأكراد عقب حنث الإمام الخميني بوعوده بمنحهم حكمًا ذاتيًا، في حال إسقاط الشاة – وحتى أخرها عام 2007، وفق آليتين مجتمعتين الأولى: هي سياسة القمع واعتماد الدوائر الأمنية الإيرانية أساليب احترازية لتلافي الوصول إلى حال تأزم في المناطق التي يقطنها الأقليات، وذلك من خلال عسكرة هذه المناطق ورصد التحركات المعادية وتجفيف مصادرها ومنابعها قبل افتعالها أزمات، فعبر مراجعة التعامل الرسمي لطهران مع ملفاتها العرقية نجد أنها آثرت التعامل بجدية مع أي نزعات عرقية متطرفة وتحجيم التطلعات العرقية عبر مطاردة وتضييق الخناق على التيارات التي تتحرك وسط الأقليات بأطروحات تعتبر عدائية للحكومة المركزية.

ويتم التضييق والمطاردة تحت مسميات كثيرة مثل مكافحة التيارات الشيوعية والوهابية والعمالة للمخابرات الأجنبية ومكافحة التهريب والمخدرات خصوصا في الحالة البلوشية حيث تنشط فيها تجارة المخدرات وتهريبها من باكستان وأفغانستان.

الثانية: إلقاء اللوم على الخارج، حيث تتهم طهران الدول الغربية، لاسيما الولايات المتحدة وبريطانيا بمساعدة عناصر هذه الأقليات في تشكيل أحزاب قومية وحركات مسلحة لزعزعة استقرار الداخل، ودعم المعارضة الإيرانية في الخارج. وقد كرس من هذا التوجه الإيراني التواجد الأمريكي المكثف على الحدود الإيرانية في كل من العراق وأفغانستان، (وقواعدها المنتشرة في دول الخليج).

وقد كان لهذه الآليات أثرها السلبي في معالجة مشكلات الأقليات التي لم تشهد حسمًا في أي منها، إذ يتبع كل توتر إجراءات قمعية تنهيه مؤقتًا ليكون في انتظار فرصة أخري للصعود إلى السطح مجددًا، وعلى الرغم من أن السلطات الإيرانية قد تخلت جزئيًا عن محرمات الحديث عن مخاطر الأزمات القومية لمكونات المجتمع الإيراني، وذلك من خلال تصريح وزير الأمن محسن ايجه في جلسة علنية للبرلمان الإيراني خلال الدورة البرلمانية السابقة بأنه "قلق من مستقبل القضايا القومية والوضع الغامض الذي تمر به حاليًا"، وهو ما عُد اعترافًا رسميًا بحقيقة التنوع وحقوق الأقليات وارتباط الأمن بالحل الجذري لهذه القضية، فإن خطوات في هذا الإطار لم تتخذ بعد، فلا تزال حملات الاعتقال بدون محاكمة قيد التنفيذ من قبل السلطات الإيرانية بحق الحركات المعارضة التابعة للأقليات، فيما شهد العام 2007 العديد من حالات الإعدام التي بلغت 300 حالة، أي بمعدل 4 حالات كل خمسة أيام، كانت الأقلية العربية الأكثر تأثرًا بهذه الإجراءات، الأمر الذي عرّض إيران لانتقادات عنيفة من قبل المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان.

 

رانيا مكرم، باحثة سياسية متخصصة في الشأن الإيراني، والنص مقتطف من كتابها: (الأقليات في إيران..الواقع والمستقبل).

 

 

 

المزيد من ملفات

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب