من أوراق الأيام

News image

سؤال الحرية كراهن تاريخي دائم

News image

شيئ عن أوهام الديمقراطية وسواها

News image

في مفهوم العولمة: التاريخ والمعنى

News image

قانون الولاء و"أسرلة" الأرض و"يهودية الدولة"

News image

ظواهر الهزيمة على المسرح وكواليسه

News image

اليقظة المتأخرة: هل يقرأ العرب؟

News image

الصحراء الغربية في الوثائق والمعاهدات الدولية

News image

فلسطيننا وخزعبلاتهم: كلام في يهودية إسرائيل

News image

الأصوليات.. وفتن التآويل الأخيرة!

News image

متى نتقدم؟ متى يكون الاقتصاد وطنيا؟

News image

رُويبضة العصر، ومبدأ حرية التعبير..!

News image

الدولة القومية والشركات العابرة للوطنية

News image

عندما تتحوّل الحياة العصرية إلى استعمارٍ للذات

News image

يهودية الدولة ومهمة طرد "الغزاة الفلسطينيين"!

مدونات عربية

(3) الجامعة لحظة منفلتة، فكر، تاريخ PDF طباعة إرسال إلى صديق
الاثنين, 28 يونيو 2010 00:47

سعيد بوخليط - "لا يمكنني إرسال ابني، الحاصل على الباكالوريا بدرجة حسن إلى الجامعة. من يوجد هناك، فقط مجموعة "حثالة"؟".

بهذا الجواب القاطع، ردت امرأة تشتغل مدرسة للبيولوجيا في التعليم الثانوي، حينما استفسرتها صديقتها عن "خلاص" الجامعة، كحل ممكن بالنسبة لابن الأولى، والذي على الرغم من حصوله على معدل جيد في مادة العلوم الرياضية. فقد عجز عن ولوج أغلب المعاهد والمؤسسات قصد مواصلة التكوين في ميدان الهندسة.

جواب كما هو مشار إليه أعلاه ينطوي على التأويل التالي: ابن تلك السيدة عبقري، قد يقترب من سلالة "إينشتاين" وبالتالي لا يمكنها أن تجازف به إلى مدرجات الجامعة المغربية، لأنها مرتع لـ"الحثالة" على حد تعبيرها دائما. ولكونها تخشى عليه الإنمساخ إلى كائن غبي تفضل ألف مرة توجيهه إلى أبواب مؤسسة خاصة حتى ولو كان الأداء الشهري مكلفا جدا. لكن المهم، هو الحصول على "تكوين جيد وسط مناخ معرفي سليم" ثم الظفر بعد ذلك بوظيفة "سمينة" تمكن ابن السيدة من وضع سوسيو-اقتصادي ناجح وفق التصنيف الاجتماعي السائد، والحمولة الثقافية التي أورثها لنا المجتمع التقليدي. كان ذلك، مضمر تفكير السيدة وهي تنتفض بجنون ضد محاورتها. حينما أحالتها على الجامعة المغربية كرحلة طبيعية لما بعد الباكالوريا، والمشوار الذي أضحى أكثر من غيره تقليدا في كل التجارب التعليمية سواء في الدول المتقدمة أو تلك الواقعة أسفل سافلين.

قبل تليين مفاصل هذه المقالة، أريد الإشارة إلى مسألتين أساسيتين:

* أنني لا أنتمي إلى جسد الجامعة المغربية بأي شكل من الأشكال، وما يربطني فقط بها تلك الشهادة المصابة بالكساح. لذا، فأي موقف قد أتخذه هنا إيجابا أو سلبا لا يستند شرطيا بأية صفة من الصفات أو خلفية سوسيو-إقتصادية وكذا سوسيو-معرفية. اللهم إلا صفة مواطن من حقه مثل الجميع، التعبير عن أرائه بخصوص المؤسسات التي تؤثث فضاء منظومته المجتمعية.

* المسألة الثانية، تتمثل في تقاطعي حقا بشكل من الأشكال مع صاحبة نظرية ''الحثالة''. لكنني أختلف معها قصدا، مضمونا وأفقا وتبريرا. فهي تتحدث من وجهة نظر برغماتية نفعية غارقة إلى أخمص القدمين في أنانية عمياء كما هو الحال اليوم مع جل المتعلمين بالمغرب. فالجامعة هي كذلك في نظر السيدة وأمثالها لأنها أضحت عائقا وسياجا سميكا أمام التموقع الاجتماعي من خلال الغنيمة الاقتصادية. في حين يعتبر الهم العلمي والمعرفي كجوهر في ذاته، آخر الأشياء التي يتم استحضارها، بمعنى ثان، حينما ينتقد اليوم المغاربة مؤسسة الجامعة فليس غيرة على العقل المغربي. تحمسا لجوائز نوبل أو خوفا على مشروع ثقافي مجتمعي متين جدا، ينطلق من الجامعة لكي يعود إليها ثانية، ولا لأن الجامعة كفت منذ زمان على إنتاج أدمغة تشبه في قوتها الديناميت من فلاسفة وشعراء وأدباء وفيزيائيين وسياسيين كبار. ثم اكتفت اليوم، بذوات ربما غير قادرة حتى الإمساك بفرشاة الأسنان.

من باب الثرثرة المجانية، واللغو الزائد التأكيد في كل مناسبة على أن المقياس الحضاري لمجموعة بشرية ما، يتمثل في قوة الأدمغة التي تخرجها إلى العالم، غير ذلك تفاهة في تفاهة. وبالتأكيد، فإن مؤسسة الجامعة تشكل الفضاء البوصلة والمحور القادر أكثر من غيره على جعل المجتمع ذكاء متجددا والذكاء مجتمعا ممكنا.

حينما أتحدث هنا عن الجامعة، فإنني لا أقصد بها تلك البناية الإسمنتية التي تحمل على الواجهة اسما هكذا. يشرف عليها جهاز تراتبي ينطلق من شخص اسمه الرئيس أو القيدوم. وطاقم من الموظفين يعمل مع بداية كل سنة على تهييء الحصص الزمانية، تواريخ الامتحانات، الإعلان عن النتائج توزيع الشهادات. ثم يذهب كل واحد إلى حال سبيله، في انتظار المسار ذاته مع بداية السنة الموالية.

إنها الدورة الأبدية التي تتعفن من خلالها الجامعة المغربية كل لحظة، حيث تشتغل بنفس المنظومة البيروقراطية الصنمية التي تحكم جل مؤسساتنا. وهي بذلك، تعكس الترهل والانحطاط المجتمعي الذي نعيشه، ثم بشكل أكثر الفساد الذي يعم المنظومة السوسيو-اقتصادية التي تسير دواليب هذا البلد.

الجامعة لحظة منفلتة، فكر، تاريخ. السلطة المقدسة الوحيدة في المجتمع. ماهيته أفقه، جهازه الشرايني. قد نستدرك أي شيء افتقدناه في التجربة المجتمعية إلا الروح الثورية للجامعة. إذا اختلت وتلاشت، فإن المجتمع تعمه خلايا سرطانية، ليرتقب نهايته السريرية المأساوية في كل آن.

الجامعة هي المعرفة والمعرفة تصنع التاريخ. أما التاريخ فإننا نعشق الحياة به ومعه. وكلما تطلع الشعب إلى الحياة فإنه حتما سيحب ذاته.

حينما أقرأ وأسمع مجموعة من الروايات عن اللحظة الكيفية لجامعة السبعينات والثمانينات بالمغرب. يظهر بأن الوضعية في تلك الفترة تضمنت وانطوت على شروط معرفية وأنطولوجية وضعت ماهية الجامعة في قلب التفكير المجتمعي. وخلقت مجموعة من القنوات والروافد قصد القطع مع البنيات المجتمعية التقليدية الممخزنة إيديولوجيا، ثم ربط المغرب بحركة التغيير الكوني. كانت الجامعة أداة وماكينة للإنتاج الإيديولوجي من خلال التفكير في كيفيات بناء مجتمع حداثي فعلا وقولا، يؤمن بالإنسان أولا وانتهاء. شخصيا حينما أعود إلى تلك الفترة محاولا القبض على الزخم الفكري والمفهومي الذي غمر الجامعة، وتلك الثروة الهائلة من أدبيات اليسار. وكذا الرموز الطليعية الكاريزمية التي أطرت النقاش المذهبي والعقائدي. قلت، حينما يحدث معي ذلك فإنني أحس بالفخر والاعتزاز، لكنه مصحوب أيضا باحتراق داخلي عن الفرص الكبيرة التي أضاعها المغرب نتيجة لا وطنية القوى الرجعية الفاسدة المرتبطة عالميا وبنيويا بالتحالف الإمبريالي الاستعماري، والتي اجتثت بكل ما تملك من وسائل فكرية ومادية أسباب وممكنات المجتمع الطليعي الذي أرادته الجامعة آنذاك ومن خلالها القوى التقدمية اليسارية.

لو لم يقف أعداء التنوير وخفافيش الظلام أمام حس الفتوة الجامح الفكري الذي لبس الجامعة تلك الفترة ثم تخلوا عن ساديتهم وأنصتوا قليلا بإيجابية لذلك الصدى الحالم. فربما مثل اليوم المغرب قوة اقتصادية تفوق بكثير تلك التي لإسبانيا أو الصين الشعبية. لكنهم ركبوا نوازعهم وأنانيتهم المتوحشة وتركوا الوطن للجحيم.

قد لا يختلف اثنين، على أن المجتمع المغربي لا يتفنن آنيا إلا في نحت أشكال وتمظهرات العطالة بمختلف المجالات والفضاءات. فساد النخبة السياسية مع افتقاد كلي للحس الوطني، شلل على المستوى الاقتصادي ترهل فظيع اجتماعيا وثقافيا. فإن مؤسسة كالجامعة تجاوزت ذلك كثيرا، لتتحول إلى رائدة في صناعة الموت و بامتياز. بل أضيف، بأننا نهدر فقط مزيدا من المال والزمان مع استمرار هذه الكوميديا التافهة التي لم تعد تقنع حتى الأطفال الصغار.

لقد تحولت أغلب الجامعات المغربية، إلى هياكل محنطة تفتقد لأدنى شروط الحياة. تحتاج حتما إلى ثورة ثقافية وإنسانية تخول لها من جديد إمكانية التفكير في الأسئلة الوجودية التي تواجه تجربتنا المجتمعية. وبالتالي، القيام بقطائع جذرية سياسيا، اقتصاديا واجتماعيا للالتحاق بركب التقدم والإنفكاك من مزبلة التاريخ التي تحيط بنا من كل جانب. بدون ذلك، فلا دور للجامعة.

لا يعقل بتاتا، ونحن على بعد كيلومترات من كيفيات التداول المعرفي كما يحدث في أوروبا. أن تقدم الجامعة المغربية نفسها بشرا ومفهوما كما يلي:

لا زالت أغلب المدن والمناطق الحضرية المغربية تفتقد لمؤسسة جامعية ولو بالمفهوم البدائي للتسمية.

غياب التخصصات القوية التي تمكن حقا من توفير بذور الإقلاع النهضوي: أقصد بذلك الفلسفة والعلوم الإنسانية الإجتماعية. بحيث لا نعمل إلا تفريخ الغوغاء، الدهماء والدوغماطيقيين، وهم بالمناسبة أخطر بكثير من أسلحة الدمار الشامل.

لا شك أن مجموعة كبيرة من المظاهر المشينة فكريا وسياسيا، كما نصادفها في يومياتنا داخل المجتمع المغربي تعتبر نتيجة منطقية وطبيعية لغياب علوم مثل: السوسيولوجيا، السيكولوجيا، الإثنوغرافيا، الانثربولوجيا، علم الأديان، تاريخ الأديان، الإبستمولوجيا، تاريخ العلم، علوم الجنس، علوم التربية...، عن الجامعة المغربية. سيقول قائل، بأنني أغالط بهذا الخصوص، الدليل على ذلك وجود بعض هذه المباحث ضمن النظام المعرفي لمجموعة من المؤسسات، وكذا وجود بعض "المبرزين" الحاصلين على ديبلومات عليا في هذه التخصصات المهمة، مما يعني حضور الجامعة.. لكن هذا الاستطراد متهافت جدا للمعطيات التالية:

أغلب أصحاب تلك الحقول تكونوا أصلا في الجامعات الأورو- أمريكية.

منذ ظهور الجامعة المغربية، ظلت الفلسفة و بعض مشتقاتها حبيسة مدينتي الرباط وفاس في حين تم حرمان الآخرين من أسباب الفكر التنويري. نظرا لدواع إيديولوجية يعرفها الأمي قبل المتعلم. في المقابل، تم تعميم أقسام ما يسمى بالدراسات الإسلامية على جل المؤسسات الجامعية في أفق محاربة الفلسفة ومعها الفكر اليساري الثوري. ثم غرس الفكر الرجعي الذي تتقاطع فيه مصالح الأنظمة الشمولية والقوى الارتدادية اللاتاريخية ومن بينها جماعات الإسلام السياسي.

من البديهي أن العلوم الإنسانية مثل العلوم النووية -بدون مبالغة- تحتاج إلى ميزانيات خاصة وإرادة قوية من قبل النظام السياسي مع توفر عنصر الحرية، ينتعش معه مناخ ملائم للبحث واستخلاص النتائج الحاسمة. أما أن يظل الدرس حبيس حكايات الجدران والفصول، ثم الاكتفاء بقراءات أبحاث الآخرين وترجمتها فإن ذلك يجعل من وجود تلك العلوم بلا معنى.

العلوم الإنسانية قضية وطنية. أوراش دائمة ومختبرات معممة للبحث والتفكير. كما أن الفلسفة، حالة جد إنسانية وليس بدرس توضع له حصص ويحتفظ به في كراريس. وبكل بداهة أيضا، فإن شهادة جامعية في الفلسفة لا تمكنك من الحس والإنتشاء الفلسفيين. قد تكون في أفضل الحالات مؤرخا للفلسفة، أما فيلسوفا فذلك سر آخر لا يعرفه إلا من منحتهم الطبيعة هذا الامتياز.

من الثابت أيضا، أن ضعف التكوين والتحصيل المعرفيين، مرتبط عضويا وهيكليا بمسألتين: الأطر والمربون من جهة. ثم النظام البيداغوجي من جهة ثانية.

بالنسبة للعلة الأولى، فمن الضروري الإعتراف للحقيقة والتاريخ، أنه باستثناء المدرسين الجامعين الملتزمين صدقا بمشاريع علمية وهم في الغالب نفسها تلك الأسماء الوازنة داخل الحقل الثقافي المغربي والعربي. فإن ماهية ما يسمى بالأستاذ الجامعي تتوزع بين رجل يشتغل مثله مثل أي موظف إداري آخر. معتقدا بأن مهمته تكمن في تجميع معلومات بناء وانسجاما مع شهادة علمية يملكها مقابل الحصول على أجرة عند آخر كل شهر.

أما الصنف الثاني فهو أقل درجة من هذا المستوى حيث يعجز ولو الإشتغال عند لحظة تقديم الدرس بمفهومه المتخلف لأن ما يهمه أساسا استراتيجية التسمية والألقاب المجانية بين ثنايا الوضع الاجتماعي. يكفي الواحد من هؤلاء فقط إخبار الجميع بواسطة وثائقه الشخصية، أنه موظف في الجامعة المغربية بدرجة أستاذ. وبطبيعة الحال نزيف متواصل لميزانية الدولة بشكل عبثي.

لأن الخواء لا يولد إلا الخواء، فإن أغلب هذه العناصر - بالمناسبة يسيطرون على جل المؤسسات الجامعية- ذوات مريضة جدا تعاني من عقد نفسية وكبت جنسي وتبلد ذهني، بحيث لا تختلف في تفكيرها عن أغلب عامة الناس. كما يتميزون بجبن فكري مريع، بحيث لزالت أستحضر صور بعض المدرسين- العبيد وهم يظهرون أنواع التفنن في تقبيل يد العميد، لمجرد أن يرضى عنهم ويجعلهم في خانة الأتباع وحماة الولائم. بل منهم من يهيئ له أجواء الليالي الحمراء وكأنه هارون الرشيد حتى يظل هذا العميد راضيا مرضيا ويكتب تقارير إيجابية إلى وزارة الداخلية تشيد بولاءاتهم المطلقة. مع العلم، أن وظيفة العميد لم تخرج في أغلب مسارات الجامعة المغربية عن دور رجل استعلامات ضمن جهاز وزارة الداخلية، وكذا الهيئات الأمنية.

تلك الأجواء الملوثة الفاسدة، تحت وطأة ضعاف النفوس، أوصلت الجامعة المغربية إلى ما هي عليه اليوم لتتحول من قابضة على التاريخ إلى بؤرة لاغتيال الأحلام وتمييع الشخصية المغربية.

إن ما نتابعه يوميا في أخبار الصحف عن المدرسين الذين يخيرون الطالبات بين مؤخراتهن والرسوب أو النجاح، أو تحويل مقررات رديئة إلى استثمار تجاري. بل وذلك المشهد السوريالي الأكثر غرابة من الخيال، المتمثل في هؤلاء الأشخاص الذين يشرفون ويؤطرون ما يسمى بالبحث العلمي، وكذا تشكيل اللجان المكلفة بانتقاء بعض المرشحين للتدريس بالجامعة، يقومون بمهمة كتلك، ولم يصدروا مقالة علمية واحدة في حياتهم باستثناء تلك السيرة التي تدافع عن نفسها برقم الهاتف الشخصي. لكنهم رغم هذا الفقر الفكري المدقع يطوون المكان ضجيجا، ولا يخجلون بتاتا في التشدق بامتلاكهم ناصية الفكر الإنساني، وبأن الدهر ظلمهم أشد ما يكون التنكيل، لأنهم بالأحرى يستحقون الانتساب إلى عباقرة اليونان. لقد أضحت فعلا الجامعة مرتعا للحثالة.

مقياس الجامعة، توليد النظريات والمفاهيم. غير ذلك تغدو جثة متعفنة. الجامعة امرأة جميلة ذكية إلى درجة الوقاحة. تستفز المجتمع دوما بلماذائيتها المتوالية. حقيقة تفتقد لتراث، لأنها لا تتملى إلا اللحظة والمستقبل غير مكترثة بما تحقق. طموح جامح، فهي التاريخ. المجتمعات التي تكون قادرة على الاستمرارية، هي من نجحت في إيجاد التوازي بين الجامعة والمجتمع، أي رأس الإنسان وتحت حزامه.

بالنسبة لقضية تخلف النظام البيداغوجي، فقد تنعكس وتظهر جليا في عدم قدرة جيلنا الحالي على تمثل العالم. حيث أخضعونا كفئران تجارب لحمولة بيداغوجية فاسدة، تفرز الذوات الغارقة في النمطية، وتكشف عن تمزقات وتصدعات إكلينيكية حيال المواقف الوجودية.

فشل البيداغوجيا، نتج عنه صورة فولكلورية للمثقف المغربي يعيش أكثر من حالة وجدان في اللحظة الواحدة. أغلبنا، يعاني من انفصام في الشخصية. يجب الاعتراف بذلك. مسألة تتمظهر بوضوح في الاختيارات المجتمعية الكبرى. ماذا نريد حقا من العالم؟ يستحيل أن تعرف للمجتمع المغربي وجهة معينة واستراتيجية واضحة المعالم، ثم اختيارا واضحا يشتغل من أجله الكل. إن أكبر درس طورناه في مؤسساتنا هو تلك التوتاليتارية العمياء، أدت كما قلت إلى ذوات مشلولة الإرادة كليا، منخورة الكيان تحولت إلى مجرد أرقام في حسابات الهلامية. لا يمكننا إذن ضمان أي شيء سوى الارتداد والنكوص الطفولي. تصوروا معي، استمرار الجامعة إلى الآن على نفس منوال المنطق العمودي الفاشي في صياغة العلاقة بين المتعلم وما يسمى مؤسساتيا بالأستاذ والذي هو متعلم آخر. أما الأستاذية المنغلقة المنتصرة لذاتها فهي بكل تأكيد جهل مطبق.

حينما أدرك اليونان العظماء لب المعرفة، صرخت الروح السقراطية كل ما يمكننا معرفته جهلنا الدائم، وبالتالي علينا أن نشق باستمرار طريق المعرفة. أما في الجامعة المغربية، فكل من ساقته عجائب هذا الزمان الرديء لكي يستحوذ على مصير الناس، يفترض في نفسه أنه عقل كوني معتبرا الباقي مجرد بقع سوداء في مساحة العالم. مع أن العقل أعدل قسمة بين الناس، كما بين ذلك العقل الكوني حقا: ديكارت.

كثيرة هي الوقائع المأساوية التي عشتها مع أبناء جيلي بين دهاليز الجامعة المغربية، بسبب البنية التسلطية التي تحكمها والتردي الفظيع للدرس المعرفي، وأذكر بمرارة الحرب الهمجية التي يعلنها اتجاهك الطاقم، إذا أظهرت حدا أدنى من الانزياح والاختلاف عن منظومتهم الفاقدة لكل حس. إن ما يسمى بقيم التسامح، الانفتاح والتعدد.... غير موجودة إلا في برامج السياحة الجبلية. أما الواقع الثقافي والسياسي فلا يبدع وبأعلى درجات التقدير، غير بنيات العنف والقهر المادي والرمزي، فكيف لهذا المجتمع أن يتفاعل مع صيرورة العالم بجامعات تحتفي بالأغنام، وتكد في سبيل الجهل والظلام؟

أتذكر أيضا وبشكل خاص، عبثية الأشياء حينما تختبر أمام أستاذة قادتها الصدفة إلى أن تنتهي بشهادة "دكتوراه" في الفلسفة وهي لا تحب الفلسفة بتاتا. هكذا حينما سألتني في إحدى الامتحانات الشفوية عن الفرق بين الخطاب العلمي والفلسفي؟ وأردت الاستشهاد في سياق جوابي بالفيلسوف هيدغر أوقفتني في الحال مثل جرافة وشرارة البلادة تتطاير من عينيها:

- "أوف...،لا تقول لي هيدغر ولا غريندايزر.أعد لي ما أمليته عليكم أو أخبرني بأنك لا تعرف شيئا".

لا أدري ما ذا سيكون رد فعل الألمان؟ إذا علموا باختزال هذه المدرسة في الجامعة المغربية لأحد أدمغتهم العتيدة كما هو الأمر مع هيدغر وتعويضه بغريندايزر (وهو لمن يجهله بطل إحدى الأفلام الكارطونية، الموجهة للأطفال الصغار) .. لكم إذن التعليق.

هي قطرات قليلة جدا من فيض، وستستمر المحاكمة إلى أن تأتي الأيام بالجامعة التي نريدها حقا لهذا الوطن.

 

سعيد بوخليط، كاتب وأكاديمي مغربي.

 

 

المزيد من ملفات

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب