المتوسط اونلاين - على مدى تاريخ المغرب العربي المعاصر كان للمهندس دور اجتماعيّ محوريّ إذ مثّل مركز الثقل لاستراتيجيات التنمية سواء منها العمرانيّة أو الصناعيّة أو الزراعيّة. ولكن، أيّ صورة للمهندس في مرحلة الاستعمار وما هو موقعه في المجتمعات المغاربيّة المعاصرة خصوصا في العقود الأخيرة التي تواجه فيها بلدان المغرب العربي الكبير تحدّيات الانفتاح وتحرير القطاعات الاقتصاديّة؟
أوّل صورة عرفتها بلدان المغرب العربي الكبير هي صورة المهندس القادم من البلد المستعمر ليكشف ويبني عالما متحضّرا على غرار ما تعرفه البلاد المصنّعة. ترسّخت هذه الصورة في الأذهان وفرضت على المجتمع خصوصا وأنّ القوى الاستعماريّة قد حالت دون تكوين مهندسين مغاربيّين. بعد الاستقلال تغيّرت الرّهانات والتحدّيات. كان على هذه البلدان أن تسعى إلى استبدال المهندسين الفرنسيّين بإطارات تقنيّة وطنيّة للإشراف على عمليّة التنمية الصناعيّة الموجّهة وفقا لتخطيط الدّولة التي ستصبح بسرعة فائقة أوّل مشغّل للمهندسين سواء تلقوا تعليمهم في الخارج أو في بلد من بلدان المغرب.
أمّا اليوم فلقد تغيّرت المعطيات. فلقد دخلت بلدان المغرب العربي الكبير مرحلة من تحرير الاقتصاد وما ينتج عن ذلك من اشتداد التزاحم. كلّ ذلك يطرح قضيّة دور المهندس في المؤسّسة ومدى قدرته على إدارة التكنولوجيا الجديدة وعلى الابتكار التكنولوجي. حتى وإن لم تتخلّ الدّولة نهائيّا عن دور المشغّل للمهندسين إلاّ أنّها لم تعد الضامن لتشغيل الإطارات التقنية التي وقع تكوينها حديثا. كما أنّ دور الدولة في دفع التنمية قد تراجع.
أدّى كلّ ذلك إلى إعادة هيكلة أنظمة التكوين وتقسيم جديد للقطاعات المهنيّة وبروز استراتيجيّات جديدة لدمج المهندسين في الحياة المهنيّة كما أنّ صورة المهندس التي هيمنت على مدى عقود قد عرفت هزّات وتحوّلات عميقة.
في الجزء الأوّل من القرن 19 برزت الحاجة للتقنيّين والمهندسين خصوصا في الميدان العسكري وكلّ ذلك يهدف مقاومة الضغوط الإستعمارية والتصدّي لها. المهندس العسكري هو ذلك التقني الضروري الذي يقدّم حلولا عسكريّة ناجعة لمقاومة القوى الأوروبيّة. في هذا الإطار وقع إنشاء المدرسة الحربيّة بباردو في سنة 1840 (مكتب المهندسين) والتي عرفت أيضا بمعهد البوليتكنيك. تركّزت مناهج التعليم في هذا المعهد على المواد العلميّة والرياضيّة والتكوين العسكري. لاقت هذه العصرنة
التي لم تتجاوز المجال العسكري الفشل الذريع. فبخلاف أوروبا لم يرافق بروز مدارس المهندسين نموّا صناعيّا. ثمّ جاء الاستعمار ليحول دون تصنيع البلاد المستعمرة. من بين بنود معاهدة الحماية الاستعماريّة التزام البلد المستعمر بعدم مزاحمة الصناعات الفرنسيّة وبالاقتصار على توفير المواد الزراعيّة لصالح البلد المهيمن. إذا استثنينا بعض الحالات النادرة يمكن الجزم أنّه لم يشمل إطار المهندسين على المهندسين والتقنيين المغاربة. فعلى سبيل المثال وفي بداية القرن العشرين قامت القوى الاستعماريّة بأشغال هامّة في تونس ولم يمثّل العنصر التونسي سوى 5% من العاملين القارّين والوقتيّين على حدّ سواء. في سنة 1945 عبّر الفرع التونسي لاتّحاد المهندسين والتقنيين عن انشغاله لانحصار عدد المهندسين والتقنيين التونسيّين.
أمّا في الجزائر فلقد منع الاستعمار المواطنين الجزائريّين من تلقّي تعليم تقني فالعدد القليل من المؤسّسات التعليميّة يقدّم تكوينا تقنيا لغالبية من الأوروبيّين. في الفترة 1949-1950 كان عدد الطلبة الجزائريّين 77 من بين 453 طالبا مرسّما في مؤسّسات التعليم التقني الزراعي. أمّا بالنسبة للتعليم التقني المهني فلقد كان عدد الجزائريّين 271 من بين 1702. تجسّد الصورة المهيمنة للمهندس في المهندس الفرنسي. في فرنسا أوكل للمهندس "دور هام في تطوير الإنتاجيّة والحدّ من تكاليف الإنتاج والوسيط في الصراعات داخل المؤسّسة".
في سنة 1895 أنشئت المؤسّسة الفرنسيّة للمهندسين المعمّرين وفي سنة 1898 أنشئت مدرسة الأشغال العامّة وقد أفصحت هذه المؤسّسة التعليميّة منذ البداية عن توجّهها الاستعماري خصوصا ابتداء من سنة 1912 مع بداية الحماية الفرنسيّة للمغرب الأقصى. أمّا المؤسّسة التعليميّة الأولى فلقد كانت تعتني بالتوسّع العمراني وبدور المهندس في البلدان المستعمرة مع التأكيد على السكك الحديديّة كوسيلة أولى للتهيئة الترابيّة للمستعمرات.
لقد روّجت هاتان المؤسّستان التعليميّتان للصورة النموذجيّة للمهندس الاستعماري بصفته "أداة للتغيير التي تقودها عزيمة لا تكلّ" فهو المعماري والمحافظ على السلامة والميكانيكي والقائد وزعيم المجموعات البشريّة التي توكل لها مهمّة التنفيذ وهو الوحيد القادر على النقد والتصوّر والتأقلم مع جميع الأوضاع والحالات". من بين القطاعات الهامّة التي يقوم فيها المهندس بالدور المحوري نذكر الأشغال العامّة والبريد والاتّصالات. الأغلبيّة الساحقة من المهندسين هم من أصل فرنسي إذا استثنينا بعض الأسماء مثل المهندس التونسي محمد علي العنابي والمهندس التونسي محمد الميلي. ترتفع نسبة المهندسين أصيلي البلد المستعمر في مدارس الهندسة الزراعيّة. لقد بعث الاستعمار
مدارس زراعيّة لتكوين المعمّرين وتهيئتهم من الناحية النفسية للبقاء و"التعمير". لكن ذلك لم يمنع من تمكّن أبناء بعض الملاّكين العقاريّين الكبار من مزاولة تعليم زراعي إلى جانب الفرنسيّين.
لقد مثّلت الزراعة القطاع الرئيسي الذي عمد فيه المهندس الاستعماري إلى فرض نظرته للتنمية. فلقد طبّق المهندسون الفرنسيّون التقنيات الزراعيّة المعتمدة في فرنسا وأقلموها مع أوضاع المستعمرات.
بخلاصة عندما تحصّلت بلدان المغرب العربي على استقلالها كانت تفتقد للمهارات والكفاءات التقنية وبالذات للمهندسين.
المهندس المغاربي بعد الاستقلال
ابتداء من السنوات الستين وتحت تأثير الإيديولوجيا التنمويّة المهيمنة في الغرب شرعت بلدان المغرب العربي في تكوين إطارات وكفاءات تقنية قادرة على تخطيط وإدارة التنمية الاقتصاديّة والإشراف على المؤسّسات المؤَمَّمة. لقد وقع تشجيع الطلبة على التوجّه إلى فروع التعليم التقنية والعلميّة كما وقع تشجيع أنجب التلاميذ للتوجّه إلى دراسة الهندسة.
تعدّدت مؤسّسات التكوين وزادت أعداد الطلبة من سنة لأخرى ويمكن تشبيه هذا التوجّه بالاستراتيجيا الستالينية للتنمية الاقتصاديّة حيث قامت الدولة بدور المقاول ورجل الأعمال إضافة إلى دورها المحوري في التعليم. في كلّ البلدان العربيّة أصبحت الهندسة مهنة مقدّسة وأولويّة وطنيّة حتى في المغرب الأقصى الذي كان نظامه الاقتصادي أكثر ليبيراليّة مقارنة ببقيّة بلدان المغرب العربي. فلقد مثّل القطاع العمومي عصب الاقتصاد في السنوات الستين والسبعين من القرن الماضي.
أغلب المهندسين كانوا يعملون في القطاع الحكومي وشبه الحكومي. ابتداء من السنوات الثمانين دخلت اقتصاديات البلدان العربيّة مرحلة جديدة. فلقد فشل نموذج التنمية كما تراجعت مداخيل الدولة من مبيعات المواد الأوّلية والمنجميّة والنفط وساعد ذلك على تخلّي الدّولة عن دورها الذي التزمت به في العقود الأولى للاستقلال.
في الأثناء انهارت صورة المهندس الموظّف وتراجع دور المهندس في المجتمع. في معظم القطاعات العموميّة تحوّل المهندس إلى بيروقراطي وتراجع دوره التقني لصالح مهام إداريّة وبالتوازي تراجعت قدرته الشرائيّة وتدنّى موقعه في السلم الاجتماعي. لكنّ ذلك لم يشمل جزءا هامّا من المهندسين الذين تلقّوا تعليمهم في المدارس العليا الفرنسيّة والغربيّة بصفة عامّة كمعاهد البوليتكنيك.
فبينما ارتقى الجيل الأوّل من هؤلاء إلى مواقع المسؤوليّة العليا في المؤسّسات العموميّة اندفع جيل السبعينيات إلى بعث مكاتب دراسات خاصّة بارتباط بالمؤسّسات الصناعيّة الأوروبيّة الكبرى وتوجّه جزء هام من جيل الثمانينات فيما بعد إلى الاستقرار في البلدان الأوروبيّة أو في بلدان أخرى كبلدان الخليج وحتّى وإن قرّروا الرّجوع إلى البلد فإنّهم التحقوا بفروع للمؤسّسة الأمّ المنتصبة في بلدهم.
في بلدان المغرب العربي الكبير يمكن تقسيم القطاع الخاصّ إلى نوعين من المؤسّسات:
مؤسّسات خاصّة كبرى توفّر عددا محدودا من مواطن الشغل للمهندسين.
عدد هام من المؤسّسات الصغرى والوسطى بعضها شبه حرفية ونشطة لكنّها تعتمد يدا عاملة يقع إعدادها في مواقع العمل وذلك بما يتلاءم مع حاجياتها مع الإستنجاد في ظروف مؤقّتة ومحدودة بخبرة مكاتب الدراسات وخدمات بعض المهندسين.
لقد اقترن تراجع الدولة بفرض سياسات إعادة الهيكلة وما أصبح يعرف بالتأهيل وذلك بدعم من المؤسّسات المالية الدوليّة وقد انطلقت هذه العمليّة في سنة 1983 بالمغرب الأقصى في سنة 1986 بتونس في سنة 1995 بالجزائر. في منتصف التسعينات وقّعت تونس والمغرب معاهدات تحرير التجارة مع السوق الأوروبيّة المشتركة. أدّى ذلك إلى إعادة تشكيل سوق الشغل وإعادة هيكلة وتقسيم للقطاعات المهنيّة. تراجعت أعداد المهندسين المشتغلين في القطاع العمومي مقارنة مع القطاع الخاصّ بينما تشكّلت هرمية في أوساط المهندسين المشتغلين بالقطاع الخاصّ وتنوّعت فروع النشاط الهندسي ممّا أدّى إلى تراجع اللّحمة المهنيّة للمهندسين.
وضعيّة المهندسين الزراعيّبن المغاربة شديدة الدّلالة على هذا الوضع الجديد. فالجيل الأوّل من المهندسين الزراعيّين أصبحوا يشغلون مناصب إداريّة في المؤسّسات العموميّة بينما ضاقت سوق الشغل بالنسبة للجيل الجديد من المهندسين الزراعيّين وارتفعت نسبة البطالة في أوساطهم. أمّا في تونس فيلاحظ المختصّون تجنّب القطاع الخاصّ تشغيل المهندسين واليد العاملة المختصّة وذلك للحدّ من كلفة الإنتاج.
تخصّصت بلدان المغرب العربي الكبير في قطاعات محدّدة من ذلك النسيج والزراعة والسياحة والإلكترونيك والميكانيك ولا يمكن لهذه البلدان أن تزاحم مثيلاتها في السوق الدوليّة سوى بالحدّ من كلفة الإنتاج. لكن في الأثناء ظهرت قوى اقتصاديّة جديدة قادرة على مزاحمة المنتجات المغاربيّة كالصين وبلدان جنوب شرقي آسيا.
في المغرب الأقصى الذي عرف انتعاشة لقطاع الاقتصاد المصرفي تراجع دور المهندس مقارنة مع مهن أخرى مثل الإطارات العامّة في قطاع التجارة والمؤسّسات المصرفيّة. فاليوم أغلب المهندسين في هذا البلد من جذور متواضعة ومتوسّطة بينما يتوجّه أبناء العائلات الميسورة إلى اختصاصات التجارة والمال.
لا يمكن فصل أزمة المهندس في المغرب العربي الكبير عن محتوى برامج التعليم،
فجزء هام من المهندسين زاول تعليمه في البلدان الأجنبيّة وبالأخصّ أوروبا. أسّست عديد المعاهد في تكوين الهندسة بجميع فروعها واختصاصاتها بينما لازالت القلّة من التلاميذ المتميّزين يزاولون تعليمهم العالي بأوروبا وجزء هام منهم يختار البقاء هناك. من ناحية أخرى برزت معاهد هندسة خاصّة ولم تقدر إلى حدّ اليوم مزاحمة المعاهد العموميّة والارتقاء إلى مستواها.
لازال المهندسون في المغرب الأقصى الذين زاولوا أو يزاولون تعليمهم العالي في المدارس العليا الأوروبيون يشكّلون نخبة المجتمع السياسيّة والاقتصاديّة.
تواجه المؤسّسات الاقتصاديّة في بلدان المغرب العربي الكبير تحدّيات جمّة لعلّ أهمّها خضوع منتجاتها للمواصفات الدوليّة وهذا لا يتأتّى سوى بدعم مجهود الابتكار والجودة والتنويع في المنتجات وذلك استجابة لـ"حاجيات" السوق التي لم تعد فقط وطنيّة بل وبالأخصّ أجنبيّة. لكن معظم الدراسات تشير إلى أنّ مساهمة المهندس في البحث والابتكار لازالت محدودة جدّا وهذا راجع لعدم التطابق بين الشهادة المتحصّل عليها (محتوى التعليم) والدور الموكول له في ميدان الإنتاج وموقعه في إدارة عمليّة الإنتاج وعلاقته بالقطاعات الاقتصاديّة الأخرى والمهن الأخرى.
وهكذا، فمن المهندس الموظّف الذي كوّن النخبة التي أدارت مخطّطات التنمية في بداية الاستقلال إلى المهندس المعاصر الذي يبحث عن الاندماج في نسيج اقتصادي منفتح على الخارج هذه هي مسيرة المهندس في المغرب العربي الكبير ولعلّها صورة صادقة لوضعيّة جلّ المهندسين العرب.
لا يمكن فصل المعضلات والصعوبات التي يتعرّض لها المهندس العربي دون ربطها بالوضع الاقتصادي العامّ وبالتحوّلات التي يعرفها الاقتصاد العالمي والتي حتّمت على كلّ بلدان الجنوب الانصهار في نموذج عالمي سطّرته القوى الاقتصاديّة العالميّة الفاعلة.
|