.jpg)
المتوسط اونلاين - يودع مئات آلاف الطلاب العرب سنويا مقاعد الدراسة الجامعية وسط معالم البهجة بالحصول على شهادات علمية تخول لهم وفق المتعارف عليه ترك مقاعد التحصيل والإقبال على الحياة العملية ليفجروا طاقاتهم، لكن كل ذلك لا يتحقق أغلبه فالواقع في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين هو غير ما كان حاصلا في العقود الأولى من النصف الثاني من القرن العشرين.
وبعد أن كان الحديث عن تفاقم البطالة بين خريجي الجامعات نوعا من المحظورات في بعض الدول العربية، بدأت في الآونة الأخيرة بعض الأصوات تتعالى من داخل المؤسسات الرسمية تطالب بوقف "تفريخ" حاملي الشهائد بصورة عشوائية والبحث في المقابل عن ضوابط للمواءمة بين طوابير الخريجين الطويلة وسوق العمل الضيقة.
ويقول مدير إحدى أحدث جامعات السعودية إن سوق العمل في المملكة لا تحتاج إلى مزيد من خريجي الشريعة وأصول الدين. ويضيف مدير جامعة جازان في الجنوب محمد هيازع في تصريحات صحفية إن سبب عدم افتتاح كلية للشريعة وأصول الدين إلى الآن في الجامعة هو عدم وجود حاجة في سوق العمل لخريجي الشريعة وأصول الدين، ويتابع هيازع "لا نريد أن نضيف بطالة جديدة، والسوق متشبعة بمثل هذه التخصصات".
ويشير إلى أن الدراسات التي لدينا تؤكد وجود اكتفاء في مثل هذه التخصصات وغيرها من التخصصات النظرية، ما نخطط له أن نتوسع أكثر في أعداد المقبولين في التخصصات العملية التي تحتاجها المنطقة والوطن.
ورغم أن الدول العربية تصنف على أن أغلبها من الدول السائرة في طريق النمو ولا توجد أي دولة بينها تخلو من الأمية، إلا أنها تمتلك جيوشا من حاملي الشهادات غالبيتها الساحقة لا تساهم في تطوير المجتمع، من ذلك أن هناك بعض الاختصاصات تدفع سنويا بالآلاف دون إلى البطالة، في حين أن الاختصاصات ذات المستويات الراقية يواجه خريجوها البطالة أيضا لعدم وجود فضاءات تساعدهم على تحصيل وظائف، الأمر الذي يدفعهم إلى الهجرة طواعية أو استقطابهم من الدول المتقدمة كأوروبا الغربية والولايات المتحدة وكندا.
وتقذف الجامعات العربية سنويا بنحو 300 ألف خريج يهاجر حوالي 70 ألفاَ منهم سنوياَ خارج بلدانهم العربية، مما يجعل خسارة هذه البلدان من هجرتهم لا تقل عن 1,57 بليون دولار سنوياَ.
وفي مفتتح كل عام دراسي تستقبل الجامعات أكثر من ثلاثة ملايين طالب، وبالنظر إلى تضخم عدد السكان، فإن هذه الأرقام تتضخم أيضا، كما أن انتهاج بعض الدول سياسة التشجيع على استقبال أكثر عدد من الطلاب في الجامعات الحكومية بادعاء أن هذه السياسات تساهم في رقي المجتمع، وما يجعل هذه السياسات فاشلة من الأساس، أنه لا تقابلها خطط لإدماج آلاف الخريجين في الحياة المهنية بعد التحصيل، وهو ما يعرض غالبيتهم إلى البطالة، وهو ما يعني إعادة صياغة مظاهر التخلف دون القضاء عليها.
ورغم أن بعض الجامعات وهي في أغلبها خاصة قد حققت بعض النتائج من حيث جودة التعليم وكفاءة الإطار التعليمي والخريجين، بيد أن الجامعات الحكومية حافظت على طابعها "المتدهور".
وكانت دراسة قد صدرت في عام 2004، حذرت من تردي واقع التعليم العالي بالبلدان العربية، ودعت إلى دور أكبر للجامعات الخاصة التي تبلغ نسبتها حاليا 35% تقريباً من مجموع الجامعات.
وأشارت الدراسة التي أعدها نائب رئيس شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا في الامارات أحمد عنكيط إلى أن "اغلب المناهج الدراسية وخاصة العلمية والتقنية منها تعاني من التبعية شبه المطلقة إلى المصادر الأجنبية (..) ويسودها الجانب النظري على حساب الارتباط مع الواقع العلمي أو المهني".
ويبلغ عدد الجامعات العربية حاليا بين 240 ـ 250 جامعة لا يستجيب أي منها لمقاييس التعليم العالي وفق المواصفات العالمية.
ففي عام 2007، كشف استطلاع للرأي حول أفضل 100 جامعة في العالم فضيحة للجامعات العربية، إذ لم توجد أي واحدة ليس من ضمن الـ 100 جامعة الأولى، بل الـ 500 الأولى في العالم، ووجدت نفسها خارج التصنيف.
وبين التصنيف أن الجامعات الـ20 الأولى في العالم كانت من نصيب الولايات المتحدة ثم بريطانيا واليابان، والجامعات الـ(100) الأولى في العالم تنضم إلى القائمة فرنسا، المانيا، كندا، السويد، سويسرا، هولندا، استراليا، ايطاليا، اسرائيل، النمسا، الدانمارك، فلندا، وروسيا، أما الجامعات الـ( 200) الأولى في العالم يضاف إلى ما سبق كل من بلجيكا، الصين، أسبانيا، كورية الجنوبية، البرازيل، سنغافورة، المكسيك.
وبين الجامعات الـ(300) الأولى في العالم تضاف دول مثل نيوزيلندا، جنوب إفريقيا، هنغاريا، اليونان، إيرلندا، تشيكيا، الأرجنتين، وبين الجامعات الـ(400) الأولى تضاف دول مثل بولندا، الهند، تشيلي.
وبين الجامعات الـ(500) الأولى في العالم تضاف دول مثل ( تركيا والبرتغال).
لكن ما يثير الصدمة أن الجامعات العالمية صاحبة المراتب الأولى في الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، يدير أكاديميون عرب الكثير من مراكز الأبحاث فيها، والبعض منهم يحتل مراتب متقدمة في صناعة القرار العلمي، لا سيما في وكالة الفضاء الأميركية ناسا.
يذكر أن غالبية علمائنا الذين يستفيد منهم الغرب تكونوا في جامعاتنا العربية، لكن غياب الفضاءات الملائمة لتفجير طاقاتهم في بلدان المنشأ يدفعهم إلى الهجرة، حيث توجد سبل كثيرة للأبحاث والدراسات المعمقة، فضلا عن التمويل.
وتوضح الأرقام فجوة كبيرة بين واقع التعليم العالي في الوطن العربي والدول المتقدمة، فبينما لا يتجاوز الإنفاق السنوي على الطالب يبلغ 2700 دولارا أميركياً بشكل وسطي نجد هذا الرقم الرقم يتضاعف عشرات المرات في الدول المتقدمة ليصل إلى ما بين 16 ـ 45 ألف دولار سنوياً.
ويبلغ معدل الإنفاق العربي السنوي على البحث العلمي 0.15% من الناتج المحلي الإجمالي، ولا تزيد حصة الجامعات عن 30%. وهي نسبة لا تكاد تذكر مقارنة عما تحصل عليه جامعة بيركلي الأميركية لفروعها التسعة من حكومة ولاية كاليفورنيا مقابل خدماتها البحثية، حيث تحصل على ستة أضعاف ما ينفقه العرب على التعليم العالي في كل الجامعات العربية.
وتبلغ نسبة ما تنفقه الدول المتقدمة في هذا المجال من 15 ـ 25 ضعفاً مما تنفقه البلدان العربية مجتمعة في هذا المجال.
ورغم التفاوت بين البلدان العربية في الإنفاق على التعليم العالي إلا أن الصورة الجماعية تبقى باهتة وتبين أن هذا القطاع أصبح أحد عوامل تخلفنا الحضاري، بدل أن يكون السلاح الأمضى لنحت المستقبل، وسفينة النجاة المنيعة نحو الأفضل، لكن من خلال واقع الحال فإن هذه السفينة غير قادرة على بلوغ شطآن التقدم لتغرق في نصف الطريق.
|