علي الصراف - في التاسع من نيسان-ابريل من كل عام يستعيد العرب، والفلسطينيون خاصة، ذكرى مجزرة دير ياسين عام 1948 التي نفذتها العصابتان الصهيونيتان "ارغون" و"شتيرن". وينظر المؤرخون الى هذه المجزرة على أنها الأساس الذي وقف عليه كل ما صار يعرف بإسم "النكبة". فالرعب الذي بثته تلك المجزرة كان كافيا ليدفع بعشرات الآلاف من الفلسطينيين الى أن يفروا من قراهم وبلداتهم، تاركين بعض منازلهم مفتوحة الأبواب والشبابيك، وبعضها الآخر مغلقا ليأخذ أهليها مفاتيحها معهم أملا بالعودة.
والمفاتيح اصبحت رمزا تاريخيا، إمتدادا من تلك الحادثة. وهي لا تُذّكر الفلسطينيين بمنازلهم فحسب، ولكنها تُذّكر الإسرائيليين بحمام الدم الذي ارتكبوه.
وسيظل التاريخ يحمل إسم "مجزرة دير ياسين" على انها دليل على مدى الوحشية الصهيونية، وعلى أنها شاهدٌ على واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
في تلك المجزرة سقط ما يترواح (حسب اختلاف التقديرات) ما بين 250 و360 ضحية.
ولسوف ينتظر الليبيون نحو نصف قرن بعد تلك المجزرة ليكونوا شهودا على مجزرة أبشع في سجن أبو سليم. فعصابات القيادة الليبية، لم تثبت أنها أكثر وحشية من العصابات الصهيونية فحسب، بل أنها اكثر جبنا أيضا. فكلا الطرفين شنّا هجوما مسلحا على مدنيين عزل، سوى ان العصابات الصهونية ارتكبت جريمتها في الهواء الطلق، حيث كان يمكن لبعض سكان القرية أن يلوذوا بالفرار. بينما كان ضحايا سجن أبو سليم محاصرين في زنازينهم ولا منفذ لديهم للفرار من زخات الرصاص. حتى اذا غرقت الأرض بالدماء، قام جنود العقيد بالاجهاز على كل من بقي حيا بطلقات مفردة، لينتهوا بمجزرة اكبر بخمس مرات من مجزرة دير ياسين، وتساوي بجحمها تقريبا مجزرة "صبرا وشاتيلا" التي ارتكبها الغزاة الاسرائيليون وعملاؤهم عام 1982 في بيروت.
1200 سجين، أعزل، مقيد، محاصر قتلوا بأكثر ما يكون الدم باردا عام 1996، ليتربعوا قمة السلسلة الأخرى من مجازر منظمة "أرغون" الليبية التي يقودها "الزعيم القومي" و"القائد الوحدوي" العقيد معمر القذافي.
وعلى الرغم من ان سجل الجريمة يضعها في مصاف أكبر الجرائم ضد الإنسانية، إلا ان ممثلي منظمة "شتيرن" الليبية (من "الإصلاحيين") يسعون للظهور بمظهر الحملان الوديعة، وذلك من اجل غسل مسرح الجريمة.
فعن طريق عملية نصب يقال انها "قانونية"، يسعى "الإصلاحيون" الى اقناع ذوي الضحايا بالتخلي عن ملاحقة المسؤولين وبيع دماء الضحايا مقابل الحصول على تعويضات.
تقول مجزرة دير ياسين الليبية أشياء لا تقل أهمية عما قالته مجزرة دير ياسين الفلسطينية.
أولا، الشعب الليبي بات منكوبا بـ"ثورة" مستعدة لارتكاب أبشع الأعمال، وأكثرها وحشية، من اجل امتلاك السلطة (الارض في الحالة الفلسطينية) والبقاء فيها عنوة، لان كلا منهما يستمد شرعيته من قوة متعالية (مبادئ مقدسة، ومشروع تاريخي، وأحلام عصافير).
ثانيا، العمى الأيديولوجي واحد. فالاسطورة التي أقنعت الصهاينة بانهم على حق، هي ذاتها الاسطورة التي تقنع عصابتي "ارغون" و"شتيرن" الليبيتين بانهما على حق. هناك الأرض "وعد إلهي" مقدس. وهنا "السلطة للجماهير".
وهل هناك "حق" أسطع من الوعد الإلهي؟ وهل هناك "حق" أكثر قدسية من "سلطة الجماهير"؟
ثالثا، زيف الأسطورة يزيد وحشيتها اندفاعا في أعمال القتل. فهي تريد أن تثبت نفسها بالعنف والقهر، وذلك كلما بدا أن الواقع يسخر منها ويكشف بطلانها.
رابعا، هناك رمز. والفاشية لا تعمل من دون رمز. ولكي يكتمل الرمز فانه بحاجة الى كتاب مقدس. ثيودور هرتزل كتب "مدينة اليهود" ("Der Judenstaat")، ليتحول الى الأساس النظري للحركة الصهيونية، فيما كتب العقيد القذافي "الكتاب الأخضر" ليكون الأساس النظري للمشروع "الجماهيري". وعلى الرغم من سخافة الكتابين، وضحالتهما الفكرية، إلا انهما (في ظل أجواء التقديس) كانا كافيين ليتحولا الى كتابين مقدسين بالمنظور الحركي للصهيونية الاسرائيلية وللـ"جماهيرية" الليبية.
خامسا، هناك "مؤمنون" مخلصون للعقيدة. وهؤلاء هم أداة الوحشية الأبرز. ومن بطشهم يستمد النظام قدرته على البقاء. سوى فارق وحيد بين النموذجين: فبينما يبطش المؤمنون بالعقيدة الصهيونية بشعب آخر، فان المؤمنين بالعقيدة "الجماهيرية" يبطشون بشعبهم نفسه. كلا الطرفين على أي حال ينظرون الى أعدائهم على أنهم كائنات لا تستحق الوجود، وعلى أن قتلهم أمر مشروع. المتشددون الصهاينة يعتبرون اعداءهم "صراصير"، والمتشددون القذافيون يعتبرون أعداءهم "كلابا ضالة". والصراصير تُداس، والكلاب الضالة تُقتل، من دون أي اعتبار لأي قيم إنسانية.
الصورة التي يكرسها كلا النظامين، الصهيوني والجماهيري، عن أعدائهما، تقصد تكريس القابلية على البطش والوحشية. فالإنسان الذي تقتله ليس بانسان، انه كلب ضال. وبالتالي فلا تبعات على قتل من يستحق أن يُقتل.
سادسا، العدو ليس أفرادا، في كلا النظريتين، ولا المعارضون. انهم "الآخر" بصفة جماعية. وكل ما يأتي من "الآخر" هو شر مخيف. على هذا الأساس تُصبح التصفيات الجماعية أمرا مفهوما. أنها محاولة لتصفية "الآخر" ككل، وللايحاء لمن قد يبقى منه حيا، انه سائر الى زوال، وانه سوف يُسحق.
لا ينظر المتشددون الصهاينة الى الفلسطيني على انه "فرد"، قد يكون صاحب أسرة، او مدنيا مسالما، او عابر سبيل. بل على انه ممثل للآخر. ولهذا السبب، فحتى عندما تجري تحقيقات في اعمال قتل لمدنيين عزل من جانب الجنود الاسرائيليين، فان المحاكم الاسرائيلية تصدر أحكاما مخففة، وسرعان ما يتمتع مرتكبو الجرائم بالعفو. الشيء نفسه يفعله صهاينة النظرية الخضراء، فهم لا ينظرون الى معارضيهم على أنهم أفراد، بل على انهم تهديد جماعي.
نزع الصفة الفردية عن "الآخر" عملٌ يؤدي وظيفة واحدة، على أي حال: جعل التصفية أسهل. مثله مثل اعتقاد مُرتكب الجريمة بأنه على "حق" وان حقه "مقدس".
سابعا، الضحايا عادة ما ينظرون الى الوحشية من جانبين، فردي يتصل بالاشخاص الذين يرتكبون الجريمة، وعام يتصل بالنظام المؤسس للجريمة. النظر الى المجرمين كأفراد (قد يكون احدهم صاحب أسرة، او "شرطي مسكين")، يمنحهم امتيازا انسانيا لم يمنحوه هم لضحاياهم.
قتل الغريم لغريمه، جريمة ذات بعد واحد، فردي. اما القتل لأسباب سياسية فانها جريمة ذات بعدين، فردي وعام في آن معا. واقتصار المحاكمات على الافراد في الجرائم السياسية ليس سوى محاولة رخيصة لتبرئة النظام والسماح له للإفلات من الجريمة. وهذا ما يحاول أن يفعله مَنْ يُزعم انهم "اصلاحيون". فهم يريدون التضحية بأفراد (وفي الغالب، لكي يتم العفو عنهم لاحقا)، مقابل ان يفلت النظام من المسؤولية.
محاكمة الأفراد مطلوبة من الناحية القانونية، لانهم ارتكبوا أعمالا غير مشروعة، حتى ولو كانوا أجبروا عليها باتباع الأوامر. القانون الدولي لا يحمي الأفراد الذين "يتبعون الأوامر" في أعمال القتل الجماعي. ولكن محاكمة النظام المؤسس للجريمة مطلوبة أكثر. والقانون الدولي لا يعفو عن الأنظمة التي تمارس أعمال القتل الجماعي، حتى ولو تخلى ذوو الضحايا عن حقهم في الملاحقة. "الجرائم ضد الإنسانية" سُميت بهذا الإسم لانها ضد القيم والمعاني الإنسانية. وليس من المنطق أن تعفو "شتيرن" عما ارتكبته "أرغون"!
العقيد القذافي وسيف الإسلام القذافي وجهان لجريمة واحدة. واحد يبطش، والآخر يمسح.
للحظة، قلت في نفسي، ماذا لو عرضت تقديم المساعدة من اجل البحث عن سبيل لإعداد ملف للملاحقة القانونية في لاهاي ضد واحدة من أبشع ثقافات القتل في تاريخنا المعاصر. ولكني سرعان ما استدركت، قائلا: إخجل من نفسك يا ولد. فالشعب الليبي شعب عظيم، ولديه من الشرفاء والأحرار ما يكفي لكي يقاوموا ما تفعله "ارغون"، ولكي لا تنطلي عليهم ألاعيب "شتيرن".
الصبيانية والرعونة التي مارسها الزعيم الليبي راكمت من الوحشية ما جعل دير ياسين مزحة. وصبيانية سيف الإسلام القذافي لن تكفي لطي صفحة سوداء من تاريخ ليبيا.
مجزرة سجن أبو سليم لم تكن دليلا على الوحشية فقط.
لقد كانت برهانا ساطعا على إنعدام الحس والضمير. وقد يعفو من يرغب بالحصول على مقدار من المال، ولكن "الإنسانية" لن تعفو. والجرائم بحقها، كما يعرف الجميع، لا تسقط بالتقادم.
|