من أوراق الأيام

News image

سؤال الحرية كراهن تاريخي دائم

News image

شيئ عن أوهام الديمقراطية وسواها

News image

في مفهوم العولمة: التاريخ والمعنى

News image

قانون الولاء و"أسرلة" الأرض و"يهودية الدولة"

News image

ظواهر الهزيمة على المسرح وكواليسه

News image

اليقظة المتأخرة: هل يقرأ العرب؟

News image

الصحراء الغربية في الوثائق والمعاهدات الدولية

News image

فلسطيننا وخزعبلاتهم: كلام في يهودية إسرائيل

News image

الأصوليات.. وفتن التآويل الأخيرة!

News image

متى نتقدم؟ متى يكون الاقتصاد وطنيا؟

News image

رُويبضة العصر، ومبدأ حرية التعبير..!

News image

الدولة القومية والشركات العابرة للوطنية

News image

عندما تتحوّل الحياة العصرية إلى استعمارٍ للذات

News image

يهودية الدولة ومهمة طرد "الغزاة الفلسطينيين"!

مدونات عربية

(3) الخيار النووي للطاقة: مشروع للأغبياء فقط PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأحد, 11 يوليو 2010 21:48

 

المتوسط اونلاين - منذ أن عاد الرئيس الفرنسي من جولته الخليجية في كانون الثاني-يناير 2008 محملا بمجموعة من العقود لبناء مفاعلات نووية، والمنطقة العربية برمتها تقريبا، أو بالأحرى، كل من لديهم مال ليبذروه، ينشغلون بالسعي لبناء مفاعلات نووية.

الإنشغال ما يزال قائما، وذلك على الرغم من ان الجميع يلاحظ ان أوروبا التي تملك قدرات نووية، تستثمر في الشمس. والسؤال الذي يتحاشاه منفقو الأموال العرب هو: لماذا تبيع أوروبا لنا، مصدرا للطاقة، بينما هي تستثمر في آخر؟ هل المسألة مسألة "تنويع" مصادر؟ أم أنها مسألة محاولة "لبيع الماء في حارة السقايين"، (أي، بيع الطاقة لمن يملكون مصادر متنوعة منها)، فقط من اجل استنزاف أموالهم؟

الشيء الذي لا جدال فيه هو ان الطاقة النووية، قذرة. وتشكل قذارتها مشكلة متفاقمة وشديدة التعقيد. ونفاياتها تظل مصدرا للتلوث لمئات الأعوام. ويبدو ان الاستراتيجيين الغربيين لا يجدون أكثر منا غباء لكي يورطوه بقاذوراتهم، ويبيعون علينا ما هم يريدون التخلص منه.

هنا مقال كتب عقب زيارة ساركوزي الى المنطقة، ونحسب انه ما يزال يحتفظ بقيمته.

 

تلخيص الإبريز.. في إستغباء عرب باريز

 

علي الصراف

 

نجح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، في غضون بضعة أيام قضاها الأسبوع الماضي في جولة بين دول الخليج العربية، بجمع عقود تتراوح قيمتها بين 80 و120 مليار دولار.

ولئن كانت الدول الخليجية هي “المُصدّر” الأول للطاقة، فلا حاجة الى أن يغمى على أحد إذا علم أن معظم العقود التي وقعها ساركوزي تستهدف (إحزر ماذا؟)… بيع الطاقة الى هذه الدول!

وهذه قد تبدو نكتة، إلا أنها حقيقة.

عشرات المليارات من الدولارات ستذهب لبناء محطات لما يسمى بـ”الطاقة النووية” السلمية لتكون بمثابة واحدة من أكبر المهازل في التاريخ الإقتصادي للبشرية منذ اختراع موقد الحطب حتى الآن.

فالمرء لا يبيع الماء في حارة السقائين. وبالتالي فانه لا يبيع “طاقة” لمن لا شغل لهم سوى بيع الطاقة. ولكن ماذا سيقال عن سقائين هم الذين يتبرعون، من أموال شعوبهم ومستقبل بلدانهم، بشراء الماء من سقّا لا يعدو كونه نصّاب دولي كبير، كل بضاعته انه يستطيع الضحك على ذقونهم.

والطاقة النووية التي يعتزم شيوخ الطاقة شراءها من باريز، لن تتوقف في كلفتها على بناء محطات نووية، وعلى صيانتها اللانهائية من التشققات والتآكل (وهو أمر مألوف في مفاعلات الطاقة النووية)، وانما على شراء اليورانيوم المخصب، وبعد ذلك التورط بدفع تكاليف التعامل مع النفايات النووية، ثم دفع تكاليف الخبرات المستوردة، ثم تكاليف التقنيات الجديدة والتحسينات التي سيقال انها ضرورية لحفظ قدرة المفاعلات على العمل، ثم تكاليف حماية هذه المفاعلات من المخاطر الأمنية. وهذا يعني المزيد من أعمال الرقابة، تحت أنف الحاكم، وتحت أبطه، لئلا يكون هناك “إرهابي” يعتزم التسلل لسرقة ما قد ينفع في انتاج “قنابل قذرة”. وليس من المستغرب أبدا ان يتم اختراع “ارهابيين” كلما احتاجت شركات الأمن الغربية عقودا جديدة لحماية تلك المفاعلات من… “الإرهاب”.

وهذا يعني ان عشرات المليارات، التي ستذهب في عملية النصب التاريخية هذه، لن تكون هي الأخيرة، إذ ستتبعها عشرات وعشرات أخرى الى أن يكتشف السقّا انه، كان بالأحرى، اكبر مغفل في التاريخ منذ اكتشاف سوء الفهم حتى الآن.

هناك حكاية عراقية تقول: كان هناك مزارع بطران. كان يزرع حنطة في نصف أرضه، وشعيرا في نصفها الآخر. وكان ينعم بعائدات النصفين. وحدث ذات يوم أن رأى شيخا يمتطي حصانا. وأراد أن يتمشيخ مثله. فباع الحنطة ليشتري حصانا. واضطر الى ان يقدم الشعير طعاما للحصان. فصار مضربا للمثل في سوء التدبير. وقيل فيه: “إلما يعرف تدابيره، حنطته تاكل شعيره”.

ولكن، إذا كان كل هذا سيئا بما فيه الكفاية، فهناك ما هو أكثر منه سوءا للتدبير.

فالدول الخليجية التي تطفو على أكبر حقول النفط والغاز في العالم، والتي تستطيع انتاج أنواع عديدة من الطاقة الرخيصة الى ما يتراوح بين 50 و100 عام، فان هذه الدول ترزح تحت طائل حرارة شمسية 360 يوما في السنة تكفي لانتاج طاقة كهربائية تغطي كل استهلاكها المستقبلي من الطاقة بتكاليف زهيدة للغاية، وبخبرات وتقنيات يمكن تطويرها محليا.

15 في المائة من الطاقة الكهربائية التي يستهكلها الألمان يتم انتاجها من مصادر بديلة، بينها الطاقة الشمسية، وذلك من دون ان تكون سماء ألمانيا مشمسة الى ذلك الحد الذي يشبه السعير الذي تعرفه منطقة الخليج. وألمانيا، في النهاية، ألمانيا وليست الكويت (.. اتقوا الله على الأقل).

والمرء، قد يرغب بان يبحث عن بدائل للطاقة، وهذا أمر مفيد وضروري، ولكن هل من الضروري ان يسقط في فخ عملية نصب بهذا الحجم بحيث يدفع عشرات المليارات من اجل مفاعلات لن تنتج من الكهرباء ما يساوي كلفة انشائها وصيانتها ومتاعبها اللاحقة.

الكهرباء، على أي حال، سلعة. ولهذه السلعة سعر. وإنتاجها يجب ان يكون مقبولا من الناحية التجارية. أي ان المرء لا يبني مصنعا لكي ينتج بضاعة لا تستطيع مبيعاته ان ترد كلفة المصنع أبدا.

والحساب الذي يمكن أن يجريه طالب في الصف السادس الإبتدائي سيكفي دليلا على ان عملية بناء مفاعلات نووية لانتاج الطاقة الكهربائية ليست سوى خسارة صافية، لكي لا نقول انها مشروع للنهب على المستوى الرسمي.

فكلفة بناء المصنع يجب ان تُسترد من عائدات الانتاج (الأرباح ناقص تكاليف ومواد التشغيل) على مدى لا يزيد على العمر الإفتراضي للمصنع. فاذا كان عمر المفاعل النووي 10 سنوات (قبل أن يصبح استبداله ضروريا)، فهذا يعني ان المفاعل يجب ان ينتج طاقة كهربائية تساوي (في قيمتها على مدى 10 سنوات) قيمة الإنشاء وتكاليف التشغيل على مدى عشر سنوات.

وهذا يعني على الأقل: تكاليف الإنشاء+ (تكاليف التشغيل السنوية × 10) = العائدات السنوية × 10.

فاذا قيل ان المفاعل النووي سيتم بناؤه بقيمة 20 مليار دولار، وان تكاليف تشغليه على مدى 10 سنوات ستكون 20 مليار دولار أخرى، فان هذا المفاعل يجب ان يكون قادرا على انتاج طاقة كهربائية بقيمة 4 مليارات دولار سنويا، أو 40 مليار دولار خلال 10 سنوات.

فيما عدا ذلك، فان العملية لن تعدو كونها عملية ضحك على الذقون.

وللعلم، فانه لا يوجد “بطيخ مسّمر” من هذا النوع في العالم كله. لا يوجد مفاعل نووي في العالم ينتج كهرباء بقيمة 4 مليارات دولار سنويا.

بمعنى ان كلفة بناء المفاعلات النووية يجب ان تساوي قيمتها الإقتصادية، وإلا فما الداعي لوجودها أصلا؟

إذا كان بعض شيوخ الطاقة مغرمين بالنووي، لسبب من الأسباب، فان شركة مثل “بريتش انيرجي” وهي واحدة من أكبر شركات انتاج الطاقة الكهربائية من المفاعلات النووية في أوروبا، تملك تسع محطات لانتاج الطاقة في بريطانيا، ثمان منها نووية. وكل قيمة هذه الشركة، بمفاعلاتها الـ 9، لا تتجاوز 10 مليارات دولار (5.8 مليار استرليني). وهذه الشركة تبيع الـ”ميغا واط- ساعة” بقيمة 38.4 جنيه استرليني (نحو 70 دولار) (بكلفة انتاج تصل الى 25.4 جنيه استرليني، أي نحو 45 دولار لكل “ميغا واط- ساعة). وحتى شهر نوفمبر-تشرين الثاني الماضي (حيث قدمت تقريرها الفصلي) كانت “بريتش انيرجي” قد انتجت على مدار السنة الماضية 36.4 “تيرا واط- ساعة”، وحققت أرباحا بقيمة 511 مليون استرليني، وهو ما يفسر (إذا ما ضُرب الرقم بـ 10سنوات) سبب القيمة السوقية الراهنة للشركة. (وإذا جاز الإعتماد على عنصر رئيسي واحد، فمن المقبول بوجه عام، في الأسواق الرأسمالية ان تقدر قيمة كل شركة بقيمة أرباحها السنوية مضروبة بما يتراوح بين 10 الى 20 سنة، حسب معدل “التآكل” التي يقتضيها التشغيل ومعدل النمو في الأرباح).

الآن،..

إذا إتضح ان الإستغباء الفرنسي لا يساوي قيمة بضاعته، فمن الأفضل للمال والأحفظ للكرامة، النأي عنه.

أما إذا وجدتَ أن لديك من الطاقة ما يكفي لمدة 50 سنة، فانك ستبدو عاقلا أكثر، ومنطقيا أكثر، ووطنيا أكثر، لو انك أخذت وقتاً في تقليب الخيارات وحاكمت الفكرة محاكمة حصيف يعرف كيف يحفظ مصالح شعبه وبلاده.

ولا شيء يمنع منتجي الطاقة ان يبحثوا عن بدائل، ولكن أليس من المنطقي أكثر ان تبقيهم هذه البدائل كمنتجين للطاقة بدلا من ان ينقلبوا الى مستهلكين لها؟

ألا تلاحظ أي إنقلاب مأساوي، في الوضعيات التجارية، يقترحه هذا الخيار؟

وإذا كانت الدنيا كلها خيارات، فلماذا يجب ان نقع على الخيار الأسوأ. ثم، ألا يفترض بالأمر أن يكون منطقيا من ناحية الحساب؟

بمعنى آخر، ألا يفترض بالسعر أن يكون معقولا؟

بمعنى ثالث: يجب بناء 9 مفاعلات نووية بقيمة 10 مليارات دولار (سعر “بريتش انيرجي”) وهذه المفاعلات يجب ان تنتج 36 “تيرا واط-ساعة” سنويا على الأقل. (والـ “تيرا واط- ساعة هي 10 مُضاعفةً مرة بعد مرة – أو مرفوعة الى- 12 ضعفا من الواط-ساعة، وللمقارنة فان الكيلو واط هو 10 مرفوعا الى 3 مضاعفات، والـ ميغا واط هو 10 مرفوعا الى 6 مضاعفات، والـ غيغا واط هو 10 مرفوعا الى 9 مضاعفات).

بمعنى رابع، إذا كان هناك صهيوني فرنسي يحاول أن يستغبينا، فنحن لسنا مضطرين الى أن نستغبي أنفسنا. يمكن ان نقول له: لدينا مدارس تُخرّج الآلاف سنويا من طلاب المدارس الإبتدائية، وهؤلاء، مع الأسف، يعرفون شيئا من الحساب.

بمعنى خامس، فان بناء مفاعلات نووية قد يكون فكرة سخيفة تحت سماء تسطع بها الشمس 18 ساعة في اليوم، (تاركة الساعات الباقية تغلي بالحرارة)، إلا ان الأسخف منها هو ان الخيار النووي سيكون مثل المنشار “طالع واكل، نازل واكل”. وهذا ضرر دائم. ودليل دائم على عدم احترام الحساب. وسيعد أكبر إهانة للجمع والطرح والضرب والقسمة منذ إختراع الأرقام حتى الآن.

بمعنى سادس، ان بناء مفاعلات نووية بمعرفة وتجهيزات وإمدادات وحماية أجنبية، لن ينطوي على أي قيمة استراتيجية او مستقبلية. بل مجرد خطر زائد عن الحاجة، ومجرد مصدر للتلوث، ومجرد مشروع ليس لانتاج الطاقة، بل لإنتاج الفساد.

بمعنى سابع، إذا كانت القصة هي قصة انتاج طاقة، وإذا كان الغربيون يبكون على هذه الطاقة، فلماذا لا يبنوها في ديارهم، و”يحلوا عن ربنا”؟ لماذا هم يريدون التخلص منها في أرضهم، بينما يبيعونها علينا؟

بمعنى ثامن: إذا كان لدينا مال زائد، ونريد التبرع به لشركات أجنبية وننهب جزءاً منه (بالحلال)، فالمرء ليس مضطرا ان يكون مفضوحا الى تلك الدرجة. القليل من ستر المشاريع “ذات الفائدة المشتركة” قد ينفع ويستر.

بمعنى تاسع، لماذا عندما كانت المفاعلات النووية قرارا وطنيا كانوا يحاربونها، ولماذا عندما أصبحت قرارهم التجاري الخاص صاروا يتسابقون لبيعها علينا؟ وليس عصيا على الفهم انهم يعارضون مساعي إيران النووية لأنهم لا يريدون لأي أحد غيرهم أن يكتسب المعرفة ولا القدرة على اتخاذ القرار.

بمعنى عاشر، تستطيع التسويف. تستطيع كسب رضاهم (إذا كنت مضطرا) بمشاريع أخرى، أقل حساسية من ناحية إكتساب المعرفة والخبرات.

وبدلا من ان يأكل نصفُ الثروة نصفَها الآخر، فان الانفاق على التعليم، على سبيل المثال، هو بالتأكيد إستثمار أفضل. وهذا حتى ولو ضاع نصفه هدرا، فعلى الأقل سوف تستطيع ان تنعم بالنصف الآخر، بينما انت تعرف انه سيكون مبعثا لإنتاج ثروة قد لا تنضب أبدا.

 

المزيد من ملفات

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب