|
الأحد, 18 يوليو 2010 23:30 |
علي الصراف - الولايات المتحدة التي رعت ومولت ودافعت عن ثلاثة أرباع الانقلابات العسكرية في التاريخ المعاصر، تقول اليوم إن زمن الانقلابات العسكرية قد ولى.
صحيح أن دباباتها في العراق ما تزال تخوض، حتى هذه اللحظة، حربا دامية في أكبر انقلاب عسكري في التاريخ ضد سلطة بلد مستقل، إلا أن الانقلاب العسكري في موريتانيا لم يعجب "الصليبيين الجدد" في البنتاغون.
والسبب الرئيسي هو أنهم لم يكونوا هم الذين نظموه، ولأنه نُفذ ضد واحد من صنائعهم، وليس لأنهم صاروا يعتقدون ان الانقلابات العسكرية خطأ من حيث المبدأ. هل صار التنديد بالانقلابات العسكرية "عقيدة سياسية" جديدة للولايات المتحدة؟ وهل ستعارض الولايات المتحدة كل انقلاب عسكري آخر، كما تعارض انقلاب موريتانيا؟ وهل تستطيع واشنطن أن تقدم للجميع تأكيدات متساوية بان تغيير الأنظمة لن يتم الا بوسائل ديمقراطية؟ إذا قال أحد من منافقي البيت الأبيض: "نعم"، فان ذلك سيشكل إدانة قاطعة للانقلاب العسكري الذي نظمته واشنطن ولندن في العراق. كما انه سيشكل إدانة (وفي الوقت نفسه دليلا على انعطاف تاريخي مهم) لجميع الانقلابات العسكرية التي دبرتها واشنطن ضد حكومات دول مستقلة. ولكن، ما لا شك فيه، إنها لن تفعل. كما إنها لن توافق (لكي نشاركها في الإدانة) على توقيع وثيقة دولية تندد سلفا بكل انقلاب عسكري. الشيء الوحيد المؤكد، هو أن الولايات المتحدة ستواصل ممارسة النفاق نفسه بشأن الديمقراطية في كل لحظة يبدو فيها انه مفيد لأغراضها الانتهازية. كما أنها ستواصل تدبير الانقلابات العسكرية ودعم الدكتاتوريات والطغاة في كل مكان يبدو ملائما لمصالحها. حتى إذا ما فضحت تناقضات القدر حقيقة أن واشنطن لا تستخدم عصا الديمقراطية إلا كذريعة خاوية، فإنها لن تتوانى عن استخدام الدبابات للإطاحة بأنظمة ديمقراطية، عندما يكون ذلك مناسبا لمصالحها الخاصة. لا حاجة للتذكير بالانقلاب العسكري الذي نظمه الجنرال بينوشيت في تشيلي عام 1973 والذي اسقط بموجبه حكومة منتخبة ديمقراطيا. في ذلك الوقت، كان الأب الروحي للمحافظين الجدد هنري كيسنجر، يتابع شخصيا النجاحات التي يحققها بينوشيت في أعمال الإبادة الجماعية التي انتهت بمقتل واختفاء عشرات الآلاف من الضحايا المؤيدين لسلطة الرئيس سلفادور الليندي. الديمقراطية لم تكن هي القضية، هناك، بل مناجم النحاس، التي اعتبرتها الصناعة الأميركية عنصرا حيويا للنمو الاقتصادي الأميركي. هل يصح، والحال هذه، أن يُسمح لأي مسؤول أميركي أن يأتي على ذكر الديمقراطية؟ ألن يشكل مجرد مرور الكلمة على ألسنتهم صفعة على وجه الديمقراطية؟
***
تدبير الانقلابات العسكرية ربما كان، في السابق، عملا طبيعيا من أعمال إمبريالية متوحشة، ولكن الجرأة على الجمع بين هذه الإمبريالية وبين تقديم المواعظ بشأن الديمقراطية، قد لا تعدو اليوم كونها مجرد وقاحة مسلحة لإمبريالية متدينة (صليبية) تسوغ لنفسها ما لا تسوغه لأحد آخر. خلاصتها: كل ما نفعله خير (حتى لو كان إبادة جماعية لأبرياء)، وكل ما يفعله الآخرون شر (حتى ولو كان الديمقراطية بعينها). والسبب الوحيد لذلك هو ثقافة الاستعلاء العنصري التي لا تجيز النظر الى الآخرين إلا على انهم كائنات دنيا لا يستطيعون، بطبيعتهم، الإتيان بأي شيء سوى الشر. على هذا الأساس فقط، فان حوض الديمقراطية الصليبية، الذي ظل يفيض طويلا بكل تفاهات دونالد رامسفيلد واضطراباته الذهنية، صار هو المعيار للتمييز بين انقلاب عسكري جيد وآخر سيئ. وهكذا فان الانقلاب العسكري في العراق جيد لان الهدف منه هو جلب الديمقراطية. ولكن لماذا، والحال هذه، لا يكون الانقلاب العسكري في موريتانيا جيدا طالما أن الهدف منه هو جلب الديمقراطية أيضا؟ العسكريون الذين يقودون أعمال الإبادة الجماعية ضد المدنيين في العراق يقولون ان ما يفعلوه ضروري لإرساء أرضية لبناء نظام ديمقراطي. حسنا. ويقول العسكريون الذين قادوا الانقلاب في موريتانيا الشيء نفسه من دون أن يقتلوا قطة شاردة. ألا يستحقون على الأقل ان يمنحوا فرصة. وهم اكثر من ذلك، أنشأوا حكومة انتقالية من مختلف التيارات السياسية لتنظيم انتخابات في غضون عام، واستثنوا أنفسهم من الترشيح فيها، لكي لا يبدو انهم يريدون ان يتخذوا منها غطاء للبقاء في السلطة. فلماذا تصور الولايات المتحدة هؤلاء الناس كغير مرغوب فيهم، بينما ترعى دباباتها حكومة لصوص ونصابين محترفين في العراق؟ ولا يوجد في موريتانيا ما يستحق نهبه. وبوجود حكومة تعددية فان أحدا لا يستطيع أن يزعم أن الانقلابيين يسعون لخدمة مصالحهم الخاصة. ولكن حكومة الفساد في العراق، بمختلف أركانها الذين يتبادلون كراسي النهب الموسيقية، تقاسموا فيما بينهم، أو "أضاعوا" حسب التقديرات الأميركية، 20 مليار دولار من عائدات النفط، من دون أن يتقدم أحد من ديمقراطيي واشنطن ولندن ليحاسبهم أو ليضع حدا لشراهتهم. السبب هو ان الولايات المتحدة مثلما تحتاج نذالتهم وشراهتهم بالذات، لكي يبيعوا لها بلدهم بثمن بخس، فإنها لا تخسر شيئا، لأنهم إنما ينهبون من عائدات بلدهم. المسألة يمكن أن تتلخص في المثال التالي: في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين استولى الجنرال انستازيو سبينوزا على السلطة في نيكاراغوا بعد سلسلة من التدخلات العسكرية الأميركية.. وكان معروفا أن سبينوزا فاسد، كفساد بيض الولايات المتحدة الراهن في العراق، ويقتل معارضيه من دون رحمة ويلقي بجثثهم في الشوارع. فلما بلغ السيل الزبى بأحدهم، رد الرئيس فرانكلين روزفلت عليه بالقول الشهير: May be he is son of a bitch, but he is our son of a bitch.
(قد يكون ابن قحبة، إلا انه ابن قحبتنا نحن) لا يهم ما يفعله سبينوزا في العراق او باكستان او نيكاراغوا او تشيلي او أي مكان آخر. المهم هو ان يكون تابعا لواشنطن. هذه هي الديمقراطية. حتى لو كانت ديمقراطية قصف وحشي وتدمير شامل وقتل جماعي للأبرياء. فما تفعله الإمبريالية الصليبية الجديدة، إنما تفعله من اجل خير البشرية!، أو بالأحرى من اجل رؤية متطرفة في استعلائها العنصري، تنظر الى الآخر بوصفه مصدرا للشر، إلا إذا قبل أن يكون ابن....
***
غزو العراق والدمار المروع الذي ألحق به ومئات الآلاف من البشر الذين قتلوا ويقتلون فيه، والقبور الجماعية التي يدفن فيها الأبرياء مجددا، وأعمال التعذيب والاغتصاب والنهب التي يمارسها جنود الاحتلال واحفاد سبينوزا ضد ملايين المناهضين للاحتلال، كانت تكفي ليس لفضح الطبيعة السياسية المنافقة للديمقراطية الغربية، ولكن أيضا لفضح طابعها العنصري أيضا، ولفضح الثقافة الأصولية التي تقف وراءها، أيضا وأيضا. الموقف من انقلاب موريتانيا، يستحق، زيادة على ذلك، ان يفتح الأبواب على مصاريعها لإعادة النظر حتى بالانقلابات العسكرية إذا كانت أداة تغيير فعلي لبناء ديمقراطية قيم عدالة ومساواة وحرية، وكبديل (محلي الصنع) لديمقراطية النفاق والعنصرية. يكفي المرء شرفا انه ليس حفيدا من أحفاد سبينوزا. ويكفي موريتانيا شرفا إذا أثبتت، بأحزابها المتنوعة، أنها يمكن أن ترسي نموذجا لبناء دولة قانون ومساواة وحرية، حتى لو لم يسم "ديمقراطية". والحال، فاني أكاد أسمع ماذا يقول جورج بوش عن أبناء قحبته في بغداد. وأشعر بالسرور لأن نواكشوط تقدم تعويضا عن بعض ما فقدناه، إذا نجحت في تقديم الدليل على انه قيمة أخلاقية مختلفة.
(هذا النص مقتطف من كتاب "جمهورية الموت")
|