|
الأحد, 18 يوليو 2010 23:35 |
المتوسط اونلاين - المتمعّن في الخطاب النيوليبرالي المعاصر يلاحظ تركيزا مبالغا فيه على حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية في كل أرجاء المعمورة. لقد تدعّم هذا الخطاب خصوصا في السنوات السبعين. في البلدان الغربية رفعت لواء النضال من أجل حقوق الإنسان مجموعات من المثقفين الذين كانوا في معظمهم محسوبين على الماركسية بتلوناتها المختلفة والذين اكتشفوا فجأة حقوق الإنسان وذلك على ضوء الفظائع التي حصلت في بلدان المعسكر السوفيتي. تحوّل الخطاب إلى مطلب لفئة ضيقة قدّمت نفسها كضحية لهذا القهر الذي تعرضت له الشعوب على مدى عقود وقد تماهى معهم عديد من المثقفين من بلدان الجنوب فأصبح النضال من أجل حقوق الإنسان ضربا من المطالبة بحقوق فئة معينة من المجتمع. ساهمت الحركات "الاشتراكية الديمقراطية" و"الإصلاحية" في هذه الموجة بل أن جزءا هاما من هذه الأخيرة قد وقع استقطابه من طرف القوى النيوليبرالية وأصبح يقوم بدور الوسيط في فرض مشاريع الهيمنة والتوسع. هكذا تحولت حقوق الإنسان على أيدي هؤلاء إلى حقوق شكلية لأقلية من المحترفين السياسيين الذين يبتغون موقعا في المشهد السياسي العام.
الديمقراطية إلى أين
نحن في زمن الديمقراطية الافتراضية، ديمقراطية الأنامل والأعداد، ديمقراطية المال والقوة، ديمقراطية تفرض علينا الصمت والسكون والتقبل. هي ديمقراطية التبادل التجاري والاستهلاك. كل يستهلك حسب قدرته : فهذا يستهلك الأمم والبلدان وذاك يستهلك الخيرات المنجمية والفلاحية وذاك يستهلك قدرات الناس ومعارفهم ويحولها بعد ذلك براءة وملكا خاصا وذاك يستهلك المنتجات التافهة وأخيرا تستهلك الفئات الضعيفة التي لا تقدر على دفع أسعار المنتجات أوهاما تبثها لها وسائل الدعاية. أليست هذه قمة الديمقراطية العصرية. فعلا وكما توصل لذلك بعض المفكرين المعاصرين كلما تخلفت الثقافة إلا وزاد الاستهلاك الذي أصبح ثقافة العصر. ديمقراطية السوق والتبادل التجاري الحر والمنافسة الشريفة كلها أكاذيب تفندها الفضائح المالية والسياسية اليومية. أصحاب الجاه والمال لا يتوانون عن الكذب وسرقة أموال العموم والإدلاء بنتائج وهمية كما حدث بالنسبة للشركة العملاقة Enron وأمثال هذه الحالة كثيرة. فحتى الديمقراطية الاقتصادية والتجارية التي وعدوا بها لا نجد لها أثرا في الواقع الملموس بل نجد تحالفا مشبوها بين الشركات الكبرى وبين السلطة السياسية.
لقد تراجع ذلك الدور الذي قام به المواطن الغربي في دحر سلطة الكنيسة المستبدة لكي ينصهر في البداية في الدولة-الأمة ويتحول إلى ما أطلق عليه البعض بالمواطن-الجندي الذي يجوب الأمصار ل"يحضّر" الشعوب "البربرية" لينتهي به المطاف في هذا العصر إلى حالة "المواطن-المستهلك" المجرّد من كل سلاح وبالأخص منه النقد والمراجعة. من المثير للدهشة أنه في مجتمع يدّعي أنه في طريقه لتعميم الديمقراطية وعولمتها بفضل التكنو-علوم والزيادة في الإنتاج نجد أن أقل من 3% من المجتمع ينتمون للأحزاب أو النقابات. هناك مواطنون دون مواطنة. المواطن لا يعرف حتى ماذا يأكل بما أن الشركات العملاقة ترفض وضع بيانات حول طريقة الإنتاج (الغذاء المحور جينيا). الانتخابات في البلدان الغربية تخضع لضغوط المؤسسات المالية. ففي الولايات المتحدة الأميركية تؤثر مؤسسة National Rife Association (وهي منظمة تدافع عن الحق في حمل سلاح خاص) على نتائج الانتخابات بفضل الدعم المالي الذي تقدمه لمرشحيها.
اليسار التقليدي الذي انبثق من قلب الأنوار وترعرع في رحم الليبرالية و شب على حب "التقدم" (ومن هنا جاء مصطلح "التقدمية") والإنتاج والإنتاجية والانبهار الأعمى بالتكنولوجيا صادر إلى حدّ كبير ذلك التوق إلى الحرية والذي تجسد في الحركات الاشتراكية الماقبل ماركسية. سرق هذا اليسار ذلك الحس العام لدى العمال ولدى الشعب بصفة عامة ليؤطره ويوجهه الوجهة التي يريدها وإذا بنا أمام ثنائية (حركة ليبرالية وأخرى اشتراكية ديمقراطية) تعبر عن نفس الأزمة والمأزق.
لقد حبست الليبرالية القدرة على تخيل شيء مخالف لها إذ هي تقدم كل "إنجازاتها" باسم العلم الذي يسمو على كل معرفة. الخطاب النيوليبرالي يمزج بين الدعوة لديمقراطية افتراضية بدون مواطن ولا مجال أو زمان أي ديمقراطية فارغة من كل محتوى ملموس وبين شمولية طرية سلسة تخترق المخاييل وتغزوها وتحبس العقل والخيال بما أن أحكامها تستند إلى "عقلانية" انفلتت من عقالها فأصبحت في نفس الوقت كل شيء ولا شيء.
الديمقراطية تحتضر ولكن الإنسان لم يعلن بعد الاستقالة للأيدي الخفية ولا لقوانين التاريخ حتى وإن زعم أصحابها أنها علمية (كلما أريد لفكرة النجاح تلحف أصحابها بالعلم تماما كما كان المستبدون السابقون يشرّعون أحكامهم باسم الدين ويقدمون أنفسهم بصفتهم ورثة الله في ملكه). نحن في مرحلة ما بعد الديمقراطية ونقصد بها ما بعد الديمقراطية التمثيلية. الديمقراطية المنشودة هي التي تعيد الاعتبار للجوانب السياسية والثقافية والفنية وتعيد الاقتصاد إلى حجمه الحقيقي بصفته وجها من أوجه الحياة. لقد انهارت كل الأسس التي بنيت عليها الديمقراطية الغربية وهاهي تتراجع حتى عن المبادئ التي أعلنتها. لم يبق لدعاة الديمقراطية الكاذبة إلا الوعيد والوعود.
لقد عرفت العشرية الأخيرة بداية استفاقة اتخذت أشكالا متعددة وأفرزت ممارسة جديدة للديمقراطية لا تمت للديمقراطية الشكلية في شيء وتتناول القضايا المختلفة للشعوب. مع تعمق أزمة النيوليبرالية محليا وعالميا وفشل حركات اليسار التقليدية وبأنواعها في تقديم بديل مغاير بدأت تلوح بوادر نهضة عالمية جديدة تتجاوز المألوف وتصيغ الجديد. لا يمكن أن نتنبأ إلى أي حدّ ستتعمق هذه الحركة وتتسع لكننا نستشعر بذرات وعي كوني جديد قد يفضي إلى مقاربات فذة تساهم في إخراج البشرية من عنق الزجاجة الذي وضعتنا فيه الليبرالية الجارفة.
|