من أوراق الأيام

News image

سؤال الحرية كراهن تاريخي دائم

News image

شيئ عن أوهام الديمقراطية وسواها

News image

في مفهوم العولمة: التاريخ والمعنى

News image

قانون الولاء و"أسرلة" الأرض و"يهودية الدولة"

News image

ظواهر الهزيمة على المسرح وكواليسه

News image

اليقظة المتأخرة: هل يقرأ العرب؟

News image

الصحراء الغربية في الوثائق والمعاهدات الدولية

News image

فلسطيننا وخزعبلاتهم: كلام في يهودية إسرائيل

News image

الأصوليات.. وفتن التآويل الأخيرة!

News image

متى نتقدم؟ متى يكون الاقتصاد وطنيا؟

News image

رُويبضة العصر، ومبدأ حرية التعبير..!

News image

الدولة القومية والشركات العابرة للوطنية

News image

عندما تتحوّل الحياة العصرية إلى استعمارٍ للذات

News image

يهودية الدولة ومهمة طرد "الغزاة الفلسطينيين"!

مدونات عربية

(1) ما هي الديمقراطية؟ هل نحن بحاجة لخدعتها أصلا؟ PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأحد, 18 يوليو 2010 23:41

 

ديمقراطية غزاة

المتوسط اونلاين - أهي ديمقراطية سوق، أم سوق ديمقراطية؟ وماذا عن الأشكال التي تظهر فيها في الحياة الاجتماعية؟ ومن اين تنبع الأزمة في ما تقترحه ليبراليتها المعاصرة؟
عرفت البشرية السوق منذ القدم ولكن هذا الأخير لم يأخذ الأهمية التي نعرفها اليوم إلا مع بروز المجتمعات الرأسمالية التي وضعت الاقتصاد والإنتاج في محور الحياة. المجتمع الليبرالي هو مجتمع السوق والتبادل الحر بل أن التجارة تحتل مكانة مركزية في الاقتصاد.
لكن المتعمق في سير الأمور يلاحظ أن الدولة تتدخل بصفة مباشرة في تسيير الشؤون الاقتصادية من إنتاج وجباية ونفقات. كما أن القطاع الخاص يرتبط بألف خيط بالدولة (دعم أجنحة سياسية، خلق اللوبيات، تنفيذ أشغال لصالح الدولة، الخ). مع تطور المبادلات التجارية العالمية وبالخصوص بروز مؤسسات دولية تشرف على هذه التجارة برز تناقض بين عولمة الإنتاج من ناحية والحدود السياسية القومية لتدخل الدولة التي تحول دورها تدريجيا إلى مسيّر لهذه العمليات جاهدة للتوفيق بين هذه الظواهر المتناقضة.
من ناحية أخرى إن هيمنة الشركات العابرة للقارات واحتكارها لإنتاج مجزئ وموزع في كل أرجاء العالم جعل من حرية التجارة تجارة إجبارية. فقطاع الفلاحة وحده يبرز لنا زيف الإدعاء بوجود سوق دولية حرة حيث تلجأ الدول الأوروبية والغربية عامة إلى دعم فلاحتها عند الإنتاج والتصدير (والفلاحة الغربية لم تعد قادرة على الصمود من دون دعم الدولة) بينما تطالب بلدان الجنوب برفع دعمها لمنتجيها. يمكن القياس على ذلك في المجالات الأخرى.
إذن لا توجد سوق حرة بالمعنى الكامل وكما تروج له الدعاية النيوليبرالية بل أن التجارة الدولية التي أصبحت تحتل الواجهة هي في طريقها نحو القضاء على الأسواق المحلية والجهوية. إذن ما المقصود باقتصاد السوق؟ المقصود هو بالأساس توجيه اقتصاديات كل البلدان نحو السوق العالمية. هاهو الرأس المال الدولي وبعد أن أحكم قبضته على المواد الأولية وموارد الطاقة واحتكر البحوث العلمية يسعى إلى الهيمنة على الكائنات الحية وتحويلها براءات اختراع أي ملكا لحفنة من الشركات العالمية وبالتالي حرمان السكان الأصليين من حقهم في بيع هذه المواد في أسواقهم المحلية وفي الأسواق الدولية. فالنبات والحيوان والجينات بما في ذلك جينات البشر تصبح ملكا للشركات. يمنع المزارعون من تبادل بذورهم (تلك كانت من بين الإجراءات الأولى التي أقرتها قوات التحالف بعد دخولها العراق) وتفرض قوانين البراءة التي تنتفع منها المؤسسات الكبرى.
أخيرا لقد أصبحت المضاربات المالية الدولية السمة المميزة للعصر إذ يعرف ما يسميه البعض الاقتصاد الوهمي توسعا على حساب الاقتصاد الحقيقي فحجم المبادلات والمضاربات المالية يفوق حجم الإستثمارات المباشرة والموجهة لمختلف قطاعات الإنتاج.
إذن لا وجود لسوق حقيقية وفعلية.
الديمقراطية هي إعادة الاعتبار للجانب المحلي والجهوي. ينسحب ذلك على مجال الإنتاج والتسويق إذ أن الحفاظ على الخصوصيات المحلية هو في نفس الوقت حفاظ على التنوع. ففي مجال الإنتاج الفلاحي لا يمكن فرض التعاضد القسري على المنتجين وفرض توحيد الإنتاج بل لا بد من ترك الحرية لهؤلاء في اختيار الطريقة التي تلائمهم إنتاجا وتوزيعا. بطبيعة الحال لا بد للنشاط الاقتصادي أن ينصهر في مخطط عام مع التزام السلطة العمومية بتقديم العون لهؤلاء المنتجين لمجابهة القضايا التي تهمهم (التقنيات، تهيئة المساحات، تقديم النصائح، مقاومة ظاهرة التلوث والانجراف والتصحر الخ...). المعضلة لا تتمثل في وجود السوق ولكن في وجوب اضطلاع المواطن والمجموعة بدور مركزي في توجيه الإنتاج. فالديمقراطية هي مع سوق يتحكم فيها المستهلكون الذين يحددون في كل مرة حاجاتهم. أما السوق التي تتحكم فيها الاحتكارات وتفرض فيها سلعها عن طريق وسائل الدعاية فهي أبعد ما يكون عن التجارة الحرة.

تجليات الديمقراطية في الحياة المعاصرة

 يمكن لنا أن نقسم مجالات الحياة إلى ثلاث:
- مجال الحياة الفردية: كالحرمة الجسدية والأذواق والميول الخاصة والمفهوم الخاص للسعادة والمعتقدات الشخصية. لكن هذه الميول الفردية لا يمكن فهمها بمعزل عن المجتمع بل هي في علاقة ديناميكية معه وبالتالي لا وجود لفرد نقاربه بصفة معزولة عن محيطه. في المجتمعات الشمولية والكليانية تتدخل الدولة في هذا المجال وتحتكره وتفرض علاقة ذات اتجاه واحد. على سبيل المثال كانت السلطة السوفيتية تتدخل حتى في طريقة اللباس للمواطنين وتفرض أخلاقيات تؤول إلى ذوبان الفرد.
- مجال الحياة الخاصة-العامة: هو ما يطلق عليه البعض بالمجتمع المدني وهو مجال يلتقي فيه الأفراد والمجموعات ويخلقون أشكالا من الفكر والفن والإنتاج والبحث العلمي وغيرها من النشاطات، كل ذلك بارتباط بالمجال العمومي. أشكال التجمع والتعاون يحددها الأعضاء وذلك بصفة مستقلة ويقوم المجال العمومي بتقديم العون لبروز مثل هذه التجمعات دون أن يفرض عليها توجهات مسبقة.
- المجال العمومي: يشمل كل الميادين التي ترتبط بالمصلحة العامة وفي البلدان الليبرالية أصبحت هذه المجالات حكرا على قلة من الأفراد والمجموعات الضيقة.
لكي لا يتحول المجال العمومي إلى مجال خاص ولكي لا تتحول التشريعات والقوانين إلى ثوابت وضوابط مقدّسة لا بد من التأكيد وبصفة معلنة ومنصوص عليها على ضرورة تسلح الأفراد والمجموعات بفكر نقدي بحيث "يُربّى" الفرد على العقلية النقدية. أشكال الديمقراطية التي يمكن أن نطلق عليها بالديمقراطية المباشرة لا يمكن صياغتها وتصورها بصفة نهائية ولكنها خلق فعلي لعامة الناس وقد تتخذ شكل مجالس أو برلمانات مصغرة جهوية ومحلية بحيث لا يتحول فيها الانتخاب إلى وسيلة لتأبيد السلطة وممارسة الاستبداد بل يصوغ من خلالها المواطنون أشكالا للمراقبة الدائمة. نعود ونقول أن السياسة الفعلية هي مشاغل الناس اليومية وليست ممارسة العمل السياسي التقليدي. كل مظهر من مظاهر الحياة علميا كان أم اجتماعيا أم ثقافيا وفنيا هو مجال للممارسة الديمقراطية التي لا يمكن حصرها في طبقة أو فئة. فالتاريخ قديمه ومعاصره يبين لنا أنه لم تكن الديمقراطيات الشعبية والبروليتارية سوى "ديمقراطية" الأحزاب وحفنة من "المثقفين المحترفين" بل أنه حتى داخل هذه الأحزاب كانت دكتاتورية الفرد هي السمة الغالبة والتصفيات الجسدية هي القانون. أما الديمقراطية البرجوازية التمثيلية فهي لا تعدو أن تكون ديمقراطية الأقوياء وأصحاب الجاه والمال. الديمقراطية ليست قانونا ثابتا وجوهرا نهائيا ومطلقا. هي لا تصاغ في الكتب والمقالات وإن كنا مجبرين للتطرق لها ومقاربتها بل هي بالأخص خلق متواصل لا يستقر على منهج وممارسة. نعود لنقول: لا تنفصل الديمقراطية عن ممارسة الديمقراطية. كما أن الديمقراطية الجذرية والمباشرة لا تستثني أيا كان مهما كانت معتقداته أو توجهاته. المحك يظل القضايا اليومية والفعلية التي تواجهنا كل يوم. لهذا لا يمكن للديمقراطية المباشرة أن تلجم الأصوات باسم الدفاع عن صفاء القيم والمبادئ.

الديمقراطية مكانا وزمانا

الديمقراطية هي إعادة الاعتبار للمحلي والجهوي وللتاريخ. إن التأصل في الجهة والتعلق بالأرض والموقع والوطن شرط من شروط التضامن الاجتماعي. الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين يستند إلى انتماء وتاريخ مشتركين. فعندما يشعر الفرد أنه يتقاسم مع المجموعة ماضيا وحاضرا ومستقبلا، عندها يمكن له أن ينفتح على مجالات أوسع. فالكونية ليست نقيضا للمحلية. فالجهات والمواقع هي كأوراق الشجرة التي تتعلق بالأغصان.
"انتهى التاريخ" هكذا أقر فوكوياما. لم يعد لنا أي شيء نفعله وما تبقى من مهام لا يتجاوز عمليات التسيير. طوينا صفحة الماضي بدون رجعة ودخلنا عالما جديدا. إنه مجتمع الأنامل. دخلنا القرية العالمية.
 الجغرافيا من المنظور المعاصر تغيّر مدلولها ولم تعد ترمز إلى المواقع والجهات والتضاريس والمناخ. المقصود بالجغرافيا المعاصرة هو الكل المكاني، الكون الواحد الموحد الذي تشقه الكابلات والطرق السيارة الإلكترونية والمحاط بالمراكب الفضائية والأقمار الصناعية. نحن نعيش تراجعا تاما للموقع والمكان والمجال والإقليم والقطاع والمناطق كقيم لها دلالتها ومعانيها.
 المجال أو المكان لا يمكن اختزاله في شكله المعطى والخام الذي يتراءى لنا في شكل مسافات ومساحات وتضاريس وأبعاد. هو كذلك المجال المتعدد والمتنوع والفعلي والذي يبرز من خلال انبثاق أشكال جديدة لا حصر لها. إنه بالخصوص ذلك المجال الذي نخلقه، نبتكره، نصوغه ونكيفه. فالإنسان يكيف المجال حوله ويصوغه فلاحة وبنيانا وعمرانا ومعمارا وينسج داخله علاقات ومخاييل ومهجا وأهدافا ورؤى. بارتباط بالمجال ومختلف الأشكال والصور التي ابتدعتها البشرية على مر الأزمان ظهر المزارع والصناعي والصياد والنحات والمعماري والفنان ورجل العلم والتكنولوجيا وكلها نشاطات ارتبطت بمجالات حددها الإنسان وصاغ على قاعدتها أعمالا وصورا وأشكالا وقوانين وشحنها بمعاني ودلالات. المنفى هو ليس ذلك المكان البعيد بل هو ذلك المكان الذي لا يشعر فيه الإنسان بالتواصل والتناغم بينه وبين محيطه ومجاله وبالتالي بين جملة الناس الذين يقطنونه. Robert Jaulin عالم الإثنولوجيا الفرنسي وصاحب الكتاب الشهير "السلام الأبيض" يرى أن العبيد (ويقصد بهم هؤلاء الذين يعيشون تائهين وفي حالة تشرد) لا يعيرون أي اهتمام يذكر للمكان والموطن. يعود بنا هذا المفكر إلى عصور الأنوار لكي يسطر لنا تاريخ تهميش المكان وذلك عبر القرون التي تعاقبت وصولا إلى يومنا الحاضر. منذ انطلاقتها نددت الأنوار بالطابع الرجعي والمتخلف والبالي للتميزات والخصوصيات المحلية وذلك كنقيض للأمة National-Building. فالمدن الكبرى هي بصدد جرف وإفناء شعوب كاملة. فوهم المدينة المستقلة عن عالم الريف والمتنكرة له، مدينة يسكنها التجار والباعة ورجال المال بجميع أصنافهم كان الطاغي على الذهنية العامة ومخاييل الناس. نموذج الحياة العصرية يُشخّص في مدينة تخلّصت من كل أثر للبربرية الفلاحية. في هذا الإطار كان رجال المدينة يقارنون المزارعين بـ"الأمم المتخلّفة وغير المتحضرة". يرى Fernand Braudel أنّ الأرياف في الغرب كانت تعتبر بمثابة مستعمرات. في المقابل ظهرت حركة رومانسية اختصّت بنقدها اللاّذع والصريح لهذا التوجّه ودعت إلى إعادة الاعتبار للمجالات والمواقع المفقودة.
مع بروز المدن الكبرى والشبكات المعماريّة المحيطة بها وذلك على حساب المدن الصغرى والقرى ظهرت شبكات الطرقات وخصوصا منها الطرق السيارة التي ساهمت في تهميش مناطق والتهمت أراضي ومساحات شاسعة وبذلك تعمّقت المركزيّة وأصبح يرمز إلى سكّان القرى والمدن الصغرى بسكان المحافظات والدوائر أي ما يعادل عندنا بـ"الآفاقي".
لقد تجسّدت سلطة المدينة في كونها أحكمت الطوق على الريف الذي تعتمد عليه في غذائها وذلك بدهائها وحيلها. فبالتحكّم في الأسواق المالية والمعلومات والأسعار وفرضها لتكنولوجيتها من آلات وأسمدة ومبيدات نجحت المدينة في تحقيق رهانها في فرض المركزة. إنه رهان الأزمنة المعاصرة والمتمثّل في فصل الإنسان عن تقنياته. وقع فصل المزارعين عن بذورهم وتعويضها بالبذور المهجنة التي تمتلكها شركات كبرى منتصبة في المدن و تبخّرت آلاف البذور والأعشاب والأشجار التي جهد المزارع قرونا في إعدادها وأقلمتها مع المحيط.
عرف تهجير الأرياف تصاعدا مستمرّا منذ الأنوار وشيئا فشيئا تغلّبت التجارة والنقل والمرور والترويج والعبور على المجال والمنطقة والأرض والانتماء والتأصّل. في العالم قاطبة يتخلّى الإنسان عن الأرض. أما البقيّة الباقية من الذين مكثوا في الأرياف فهم معرّضون للتداين وتحوّلوا إلى أشباه مرتزقة للآلة المدينية.
 تذوب المدينة العصرية في تيار وسيل ودفق من العلاقات والشبكات الواسعة وصولا إلى الوهمي وغير المرئيّ والافتراضي. الجديد مع بروز التقنيات العصرية وخصوصا تقنيات الاتصال الحديثة هو أنه حتى المراكز السكنية والعمرانية الكبرى تتعرّض هي الأخرى للتهميش.
فبعد أن همّشت المدينة الريف على مدى قرون من الزمن ها هي الأخرى تتعرض لنفس المصير. منظمة اليونسكو تتنبأ بزوال 500 مليون مزارعا إلى حد سنة 2020 وذلك بفعل المكننة المكثفة للأرياف وتعميم البذور المحورة جينيا إضافة إلى مشاريع السدود العملاقة التي ستساهم في محو مئات بل آلاف من الأرياف في بعض البلدان. مع القرية العالمية ومجتمع الكابلات لم يعد للموقع والمكان حسابا وقيمة سواء كانت مدينة أم ريفا. القطيعة بين المدينة والريف تجسد القضاء على كل تواصل واستمرار: الطبيعة، البحر، الهضبة، المعابر... الخ. تهميش المجال والمكان والموطن يقابله تعظيم وترفيع في شأن الزمن الحاضر: العصر المابعد صناعي، عصر المعرفة، عصر الثورة التقنية المذهلة (والحال أنه مادامت هذه الثورة المباركة من صنع الإنسان فلا مجال ولا مدعاة للإذهال إلا إذا ما أريد لنا أن نصمت ونخاف ونندهش ونقدس هذا التقدم).
لم يقتصر الزمان على إلغاء المجال والحلول محله بل أنه يلغي ذاته نفسها. فهوس المستقبل والخوف منه والصراع من أجل البقاء وضمان موقع فيه جعلنا نعيش نقصا في المصير. المخاطر تحفّ بنا من كل جانب: أوبئة، فيضانات، عدم استقرار، افتقاد الأمن والأمان، حروب، تناقص موارد المياه والطاقة، تلوث البحار، مخاطر ناتجة عن البحوث البيوتكنولوجية. العلم والتكنولوجيا استقلا عن المجتمع والثقافة ولا يخضعان للمراقبة. "لنكن أسياد وأصحاب الكون" مقولة لديكارت تحكمت في مصير البشرية منذ الأنوار إلى حد يومنا هذا. لكن كلما نتحكم إلا ويزيد عجزنا، كلما نتنكر للأرض والمكان والموطن إلا ونتيه في عالم الكوابل وتنتقم منا الطبيعة. كلما طوينا الماضي وواريناه التراب إلا وانتفض وتمسك بتلابيبنا. في زمن لم يعد يعير أي اهتمام للزمان والمكان لا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية لأن هذه الأخيرة هي خلق تاريخي اجتماعي مرتبط بمجال وميدان ينحته الناس بمعية بعضهم البعض. أما وقد تحولت المواطنة إلى انتماء لعالم مبهم فوق المكان والزمان فذلك يعني أننا دخلنا مرحلة جديدة لا تمت للديمقراطية في شيء. فإذا كانت الديمقراطية هي السعي لإيجاد حياة جماعية نتواصل فيها لا فقط عن طريق الشفرات والرسائل الإلكترونية أو من خلال النقاش بل وبالخصوص من خلال الممارسة المشتركة، أي ممارسة النشاطات اليومية فهذا يعني صراحة أننا دخلنا مرحلة جديدة من الاستبداد لكن هذه المرة باسم العلم وتحرير التجارة.
لا تنحصر الأزمة التي يمر بها عالم اليوم في الأزمة الاقتصادية. فهي بالأساس أزمة الأسس التي بني على قاعدتها النظام العالمي وأزمة "المعايير" بل هي كما توصل إلى ذلك العديد من المفكرين أزمة وجود. إنها أزمة الديمقراطية الشكلية. التحديات المعاصرة لا تنحصر في مواجهة بعض القضايا الجزئية والمحدودة بل إن الأطر الوطنية والقومية لم تعد توفي بحاجيات الإنسانية. لا بد من طرح المسألة الديمقراطية في إطار أوسع من خلال إرساء علاقات دولية عادلة وذلك على كل المستويات. لا يمكن للديمقراطية أن تتحول إلى مفهوم مبهم مستقل عن المكان والزمان بل لا بد من تكريس الديمقراطية محليا لأن ذلك شرط من شروط الديمقراطية الشاملة وما من شك أن شمولية الديمقراطية لن تتجسد في انتهاج شكل واحد للتعبير السياسي بل إنها تسلك معابر مختلفة بما أنها خلق بشري.
إذن كيف تتراءى علاقة الديمقراطية بالماضي؟ الديمقراطية هي موقف من الحاضر والمستقبل وكذلك الماضي. فالرنو إلى مستقبل متحرر وأوتونومي لا يعني البتة القطع مع الماضي. فاللغة وأنماط السلوك والنشاط وأجزاء هامة من البنية الاجتماعية لا تخضع لهذا التغيير مهما كانت جذريته. فلا يمكن على سبيل المثال التنكر للتراكمات العلمية والفنية وللمعارف العامة لعموم الناس باسم ثورية مزعومة. فالتاريخ يلاحقنا ويلاحق مواضيع معرفتنا. فهل يمكن لنا أن نتحدّث عن "أنساق" بيولوجية أو فيزيائية لكائنات حية من دون أن نتعرض لصيرورتها وتاريخها وأصلها الخاص وفي علاقة بالمحيط. فهيكلة الكون تفترض تاريخا له. لقد أخطأ "وايتهيد" حين ادعى أن علما يتردد في نسيان مؤسسيه هو علم محكوم عليه بالركود والجمود. فاستعادة المواضيع القديمة التي تجاهلها العلم الحديث أصبح في بعض الأحيان أهم وأوكد من الغوص في مسائل رائجة وتحكمها الموضة. فلا يمكن لنا أن نتقاسم المعارف الجديدة إلا بإعادة اكتشاف المعارف القديمة التي تشمل العالم المباشر. فالعلم الحديث الذي اعتنى بالذّرّة والكواكب والأدق والأوسع تغافل عن قضايا هامة كدراسة حركة الرياح والبحار والطاقة الشمسية والديناميكا الحرارية والبراكين والطقس وعلم المواد بل أن العلم المعاصر المتباهي بانتصاراته لا يعلم عن الكائنات الحية إلا القليل أي عشرها. أما المعارف العملية لعموم الناس فقد نظر لها العلماء المعاصرون بازدراء إذ هي تعتمد التجربة المباشرة ولا ترتقي إلى التجربة الموضوعية المخبرية التي تستند لتكنولوجيا متقدمة. تنكر العلم الحديث للتراكمات المعرفية حول البذور وأساليب الري والتربة ومقاومة الآفات والنباتات الطبية (والحال أن أكثر من 15 ألف مادة صيدلية مستخرجة من النبات) والمواد المستعملة في البناء والعادات الغذائية السليمة والصحية. تنكر الإنسان المعاصر للتراكمات الحاصلة في ميدان الفنون من نحت وعمران وموسيقى ورسم والنتيجة أننا نسير في طريق لزجة لا ندري أين نتوجه لأننا قطعنا قطعا كاملا مع الماضي.
لا بد إذن للديمقراطية أن تستعيد هذا الإرث الإنساني لأنه لا يمكن للبشرية أن تنطلق من فراغ.
 

 

المزيد من ملفات

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب