|
الأحد, 01 أغسطس 2010 07:32 |
|
.jpg)
علي الصراف، عبد الكريم العفنان - كيف لشاعر كعبد الرزاق عبد الواحد أن يوصف؟
إنه أكبر من ملحمة، وأعلى من علم. أبن طين العراق ومائه وهوائه ونخيله.
رجل سومري الأبعاد، من جميع نواحيها، من مكان ولادته في زاوية من زوايا العمارة وتحت ظلال نخيلها عام 1930، حتى آخر رمق فيه يرمقه بالحسرة على بغداد.
من قدر جلجامشي جاء ليكون شاعرا بين قمم، والى قدر جلجامشي يذهب ليكون صوتا هادرا، فياضا، رقراقا، عذوبا، شموخا، من اجل العراق.
لم ينهض وطن في روح شاعر كما نهض في روح عبد الرزاق عبد الواحد.
لم ينهض حب للجمال، والعذوبة، (ولأم خالد) كما نهض في دفقه، على كل نحو.
كما لم تنهض حماسة ولا فخر ولا أسى، منذ المتنبي كما نهضت في شعره.
الجواهري العظيم؟ هل كان تحديا؟ أبدا. إلا إذا كان أبو تمام والبحتري تحديا للمتنبي.
كان هناك بين شموس العراق ونجماته جواهري واحد. وهنا نحن هنا نملك بين كواكب الخلق عبد الرزاق واحد.
صنعته العمارة من حر طينها. كما صقلته بغداد من رونقها وجمال روحها وضمخته بعطر دجلتها.
رافق كبار الشعر وأساطينه في العراق حتى كبر بهم ومعهم، ثم فاقهم. فكان ابو خالد، دجلة أخرى تفيض بدفقها الخاص، ودفئها الشاخص.
رجل قيم، ليس كمثله رجل.
شاعر رهافة ليس كمثله أحاسيس تكاد من فرطها أن تنهمر.
أب طيب، وزوج مخلص، وأخ عضود، وقريب ودود، وصديق صدوق، وحبيب عذب ولكنه... هِبةُ حرية وكرامة وأمل.
وبطل.
العراق ليس عراقا من دون عبد الرزاق عبد الواحد.
علمه لا يرفرف بين الأمم من دون نسمة يرسلها، مع الريح، شعرُه. انه شيء من عراق آخر، كوني، رمزي، خلاق، أسطوري وساحر.
أبن طين العراق، وابن سعف نخيله، ولكنه رفيقه وصديقه وأخوه وابن عمه.
يمشي معه في الشعر كما كان يمشي انكيدو مع جلجامش. يصارعه ويصارع من أجله بحثا عن عشبة للخلود.
وليس هذا سوى شيء من أبو خالد.
متنبي آخر؟ ربما. ولكنه الأخير. ولاّدٌ، وصنّاع، وخلاّقٌ، وساطع.
فكيف يمكن لشاعر كهذا أن يوصف؟
مرة نقرأه. ومرة نتأمل العراق فيه، ونتأمله. ومرة نراه الى سعفة يرنو ليخادعها بسحره فترنو. و... مرة كتب يقول:
مرَّة قيلَ لي
لمَ مِن دونِ كلِّ الشَّجَرْ
تحتفي بالنخيلْ؟
لم أجد ما أقول
غيرَ أنيّ تَذكَّرتُ كيف الفصول
تتعاقبُ كانت على بيتنا في العماره..
وتذكرتُ كيفْ
في شتاءٍ وصيفْ
تتغيَّرُ أشكالُ كلِّ الشجَرُ
تتناثرُ أوراقُهُ في المطرْ
وحدَها كانت المطمئنَّةَ في بيتنا
بين بردٍ وحَرّ..
وتذكرتُ..
يا ما رأيتُ بها تَمَرةً نصفَ مأكولةٍ
كان جَدّي يقول
لم أجدْ كالبلابلِ شيئاً أكولْ
إنها تعشق التمرَ،
تأكلُهُ وتغنّي
ووجدتُ مع الوقتِ أنّي
أعشقُ النخلَ والتَّمرَ
أعشقُ فيه البَلابلَ والطَّلعَ
والسَّعَفَ اللايحولْ
رغمَ كلِّ اختلاف الفصول
حين أصبحتُ في سنِّ جدّي
ونظرتُ لمجدِ العراقْ
صرتُ أدري لماذا
دمُ ألفِ شهيدٍ
لسعفةِ نخلٍ يُراقْ. (1989)
فكيف يمكن لنخلة كهذه أن توصف؟
نراهن "أنّ الذي يقلق الضجة الآن" شيء كالقمر، حاولنا أن نساءله عن حدس يراه ويسمعه، فرأينا عراقا كونيا، رمزيا، ساحرا ليس كمثله عراق. ورأينا شاعرا ليس مثله أحد.
ومرة.. تساءل:
"يا قمراً في شواطي العمارةِ
مِن أين نأتي بحَدس الطفولةِ
من أين..؟! (1974)
هو لم يعرف من أين، ونحن لم نعرف من أين يأتي قمرٌ في العراق بحدس مثل عبد الواحد.
واحدٌ، في الشعر، هذا الواحد.
وها هو يتحدث.
* عبد الرزاق عبد الواحد في غربته ومنفاه، كيف تراه؟ بأي عين ينظر الى العالم؟
– الآن اجتمعت عليَّ الغربتان: غربة الروح، وغربة الجسد. كنت معذباً بالأولى وأنا في وطني، فطعنتني الثانية في القلب.. ومنذ خمس سنوات وأنا أنزف دمي شعراً.. أنزف لكن لا أموت.. ودموع العراقيين، وهم يسمعونني، تغسل وجوههم ولكنهم لا ينكسرون.. وحيثما التقيت بهم، أحسست بالعراق بأسره يترقرق بين عيونهم وهم يبتسمون، فيحتضن بعضنا بعضا ًوكأننا نحتضن العراق بأسره.
أيها البشر الكبار.. يا أبناء وطني الطيبين.. ما أروعكم.. وما أبهاكم.. وما أعظم احتمالكم!
* قال عنك الجواهري انك الوحيد الذي يمكن ان تخلفه على عرش الشعر. قصائدك الأخيرة تقول انه على حق. هل الهزة العنيفة التي نشأت بالغزو والاحتلال هل التي اخرجت المتنبي الأخير؟
– لئن كان فيَّ شيء من المتنبي فمنذ قصائدي المبكرة.. أما زلزال الإحتلال فقد أثار في شعري كل فجيعة ابن زريق البغدادي، وكل كبرياء وغضب الحارث بن عباد صاحب القصيدة الهائلة في حرب البسوس :
قرِّبا مربط َالنـَّعامةِ منـِّي
شـابَ رأسي وأنكرَتـْني عـيالي
ويبقى الجواهري شيخي، والمتنبي سيد قافيتي.
* شاعر الوطن والحرية، ماذا يعني لقب كهذا بالنسبة لك؟
– إن أنا إلا واحد من العراقيين الذين يضمون تراب العراق المقدس بدمائهم
الزكية كل يوم، من مقاومين شهداء، أو ضحايا أبرياء.. وكل دم ٍمن دمائهم شهقة للحرية يخفت إزاءها كل صوت.. فأين أنا منهم ؟!.
* أشاعر مقاومة أيضا؟
نعم. وهذا شرفي العظيم الآن.
* تتحدث عن السبعين بصلابة العشرين، ولكن بأسى الخمسين. أهي منقلب حكمة، في عينيك، أم منقلب أقدار؟
– ثلاثة وسبعون عاما ً في العراق ولا تريد للروح فيها أن تكون كجبل حمرين؟
وثلاثة وسبعون عاما ًفي العراق، ولا تتوقع للقلب، وهو يهجرالعراق بعدها
مرغما ً، أن يذبحه الوجع والحنين؟!.
فـَرْط ُ السـّكوتِ على فـَرْطِ الأذى سـَقـَمُ
قد يَسـكـُتُ الجُـرحُ لكنْ يَنطِـقُ الألـَمُ
وَمَعـقِـلُ الظـُّلم ِ، أيـّا ً كانَ صـاحـِبـُه ُ
لا بـُدَّ يـَومـا ً عـلى أهـلـيـهِ يـَنهـَـدِمُ
فـَقـُلْ لِكـُلِّ عـُتاة ِالأرض : مَن غَشـَمُوا
وَمَن عَتـَوا قـَبلـَكم في الأرض..أينَ هُمُ ؟
ألـَم تـُزَلزَلْ صروحُ الأرض ِأجمَعِـها
بـِهـِم كـَما زُلـزِلـَـتْ زِلــزالـَهـا إرَمُ ؟
وَما الذي صارَ هـولاكـو سـِوى شـَبَح ٍ
في حـيـن ِبـغـدادُ مـِلْءَ العـَين ِتـَبـتـَسـِمُ؟!
* ابو خالد، ماذا عن ام خالد؟ أي إمرأة هي؟ بأي سحر سرقتك؟ وبأي قدرة حافظت عليك؟
لـَيـُخـَيـَّلُ لي أ ُمَّ خـالـدْ
فـَرْط َ ما شـَمسُ عـُمري تـَميـلْ
أنَّ ظِلـِّي وَظِلـَّكِ صارا بـِطول ِظِلال ِالنـَّخيـلْ !
نـَخلة ُبيتي.. ومِظـَلـَّة ُكلِّ أوجاعي، وكل إبداعي.. هكذا سميتها يوم دعوتها لكي تتسلم درع دمشق في حفل تكريمي.
هي المثال الأعلى للزوجة.. والمثال الأعلى للأمومة. أكثر من رأيت في حياتي صدقا ً، وإخلاصا ً، ومروءة.. في كل ما تقوله وما تفعله.
أنا سرقتها.. وحافظت هي عليَّ بكل هذه الصفات، وبكونها طبيبة أولادي وأحفادي.. ورحلوا، فكرست نفسها لي. هي الآن أمّ بيتي، وطبيبتي، وصارت تحفظ شعري وتتمثل بحكمه في الحوادث، وتذكرني به وأنا على المنبر كلما نسيت.
* اللقاء الاخير بصدام، متى وكيف كان؟ عن ماذا تحدثتما؟
– قبيل الإحتلال بشهر تقريبا ً، وردتني برقية من صديقي الـشـاعـر السـوداني المبدع صدّيق المجتبي، وكان وزيرا ًللثقافة في حينها، يدعوني إلى السودان، تبعتها برقية أخرى بعد أسبوع.. فهيأت نفسي للسفر. ولأنني كنت مستشارا ً بدرجة خاصة، فإن الموافقة على سفري لابد أن تمر برئاسة الجمهورية.. وحصل.
قبل سفري بيومين، عدت إلى البيت عصرا ًفأخبرتني أم خالد بأنني مدعو للذهاب إلى القصر الجمهوري في الساعة التاسعة مساءا ً.. وذهبت.
أنا الآن سأتحدث عن ليلة شديدة الخصوصية، لذا سأكون دقيقا ًكل الدقة في سرد تفاصيلها.
ذهبت إلى القصر في الساعة التاسعة، فوجدت أمامي حشدا ًمن الناس اعتاد القصر الجمهوري أن يغص بهم كل ليلة لمقابلة الرئيس في أمور رفعوها إليه.. فجلست معهم.
قدم لنا العشاء، وكل ما احتجنا إليه، وبقينا ننتظر حتى الساعة الرابعة فجرا ً، ثم نقلنا بسيارات خاصة إلى موقع آخر انتظرنا فيه حتى الساعة السادسة والربع صباحا ًحيث دعينا إلى دخول القاعة حيث كان الرئيس ينتظر. حين بلغت باب القاعة سمعته يسأل أحد المرافقين : هل جاء عبدالرزاق؟. قال المرافق: نعم سيدي، مع الآخرين. فقال الرئيس: هو لم يطلب المقابلة، أنا الذي طلبته، فلماذا أبقيتموه ينتظر طوال الليل؟.
في تلك اللحظة كنت أجتاز باب القاعة، فقلت مبتسما: شكرا ً لك أبا عدي.
عمري ثلاثة وسبعون عاماً، وأنفقت الليل كله جالسا ً أنتظر. فأقبل عليَّ وابتسامة عريضة تشرق في وجهه وهو يقول: إحسبها عليَّ عبدالرزاق.. هو خطأ من أوصل الرسالة. ثم سلم عليَّ بالطريقة التي كثيرا ً ما وصفتها كلما تحدثت عن لقاءاتي به: تقدم إليّ، وضمني إلى صدره بكلتا يديه، وقبلني أربع مرات على جانبي وجهي، ثم أخذ بيدي وأجلسني قبالته إلى جوار ثلاثة ضباط برتب عالية، اكتشفت فيما بعد أنهم ثلاثتهم قواد فيالق.
كان طلاب المقابلة من الرجال والنساء يجلسون في جانب من القاعة، وأنا والقواد الثلاثة في جانب، مجاورين لهم. وبدأ المرافق يفتح الأضابير المكدسة على مكتبه واحداً بعد الآخر، ويقدم الملف، بعد أن ينادي على اسم صاحبه، إلى الرئيس، يقرؤه، ويناقش صاحبه، ثم يكتب توصيته عليه. إستغرق هذا قرابة ساعتين، حتى إذا فرغ من الملفات جميعها التفت إلينا.
"يا هلا.. جثير الهلا.. شلونك عبدالرزاق؟ "قلت: الله يحفظك أبو عدي.. إذا أنت بخير إحنه بخير. قال "إن شاء الله". ثم التفت إلى الضباط قائلا ً
"شلونهم النشامه؟" فردوا عليه بمحبة تندى لها العين. قال: "شلون همَّتكم؟"
فشرع الثلاثة يقرأون له أبياتاً من الشعر مليئة ً بالحماسة، والنخوة، والمديح له. فضحك ـ رحمه الله ـ ضحكته المتميزة وهو يقول: "أشهد بالله قوادي شجعان.. يقرأون شعراً أمام عبدالرزاق!". فضحكوا هم أيضاً، فقلت:
تعالـَيتَ مَوهوبا ً.. فأكمل هو:
تـَعالـَيتَ واهبا
ولـَبـَّيكَ مَطلوبا ً.. ولـَبـَّيكَ طالبا
قلت: تكريم عظيم لي أبا عدي أنك تحفظ شعري. قال: "أحفظ منه الكثير يا عبدالرزاق". قلت حفظك الله. وبعد حديث قصير مع القواد الثلاثة وقف، فوقف الجميع. سلم عليه القواد واحداً واحداً، وسلم عليه الجميع وهم ينصرفون.. وحين مددت يدي لأسلم عليه قال: "لا. خليك أنت. أريد أن أراك".
جلست معه أكثر من نصف ساعة. سألني عن أحوالي، وعن شعري.. ثم طلب مني أن أقرأ له مقطعا ًخاصا ًمن قصيدتي "سلاما ًعراق القادسيات" سبق أن قرأته له مرتين قبلها، فقرأته. والمقطع هو:
يـَقـولـونَ: هـَل بَعـدَ الـمَـنـيـَّة ِغـايـَة ٌ؟
أجَلْ.. بَعدَها أنْ لا تـَجوعَ، ولا تـَعرَى
وأنْ لا تـَرى لـِلـشـَّرِّ وَجْهـا ً، ولا يـَدا ً
وأنـَّكَ تـُمسي لا تـُراعُ، وَلا تـُغـرى
أجـَلْ بـَعـدَها مِعيارُها..أنْ تـَجـيئَـَهـا
مَهـيـبـا ً.. وأنْ تـَختارَها مِيـتـَة ًبـِكـْرا
وأنْ تـَتـرُكَ الـدُّنـيـا وَذِكراكَ مِلـْؤهـا
ثـَكِلـْتـُكَ إنَّ المَوتَ مَوتـُكَ في الذ ِّكرى
وَلـَو كانَ بـَعـدَ المَوتِ مَوتٌ لـَعـَوَّضَتْ
بـِهِ النـَّفسُ ما عانـَتـْهُ مِن مِيـتـَة ٍ نـَكرا
وَلـكـنـَّهُ الـمـَوتُ الـذي لـيسَ غـَيـرُه ُ
وإرْثـُكَ مـِنـهُ لا يـُبـاعُ، وَلا يـُشـرى!
عندما أكملت، ردَّد مرَّتين :"تعيش.. تعيش".. ثم أردف قائلا ً: "ألـَدَيك أيَّة حاجة عبدالرزاق؟ ". قلت: تسلم أبو عدي.. بسلامتك ما محتاج أي شيء.. ولكن لديّ سؤال أسأله إذا أذنت لي. قال: اسأل. قلت: هل ترى أن الحرب ستنشب؟. قال: "إي عبدالرزاق تنشب. إلا إذا أراد الله سبحانه أن "يَجعَمهم".. ولكنها في الغالب ستنشب". ثم وقف فوقفت. قبلني أربع مرات على جانبي وجهي، ثم قال لمرافقه: "أوصلوا عبدالرزاق إلى بيته بسيارة خاصة". وحين هممت بالخروج، كان آخر ما قاله لي: "سلـِّم لي على لميعة". قلت: تسلم أبو عدي، يوصل.. وستفرح كثيرا ً. وخرجت.. وكان هذا آخر عهدي به رحمه الله
* كيف كانت بغداد. اوقاتها. شوراعها. مقاهيها. ماذا كانت تنتظر في اجواء الحصار؟ ماذا كانت تقول؟
- كان الجو ملغوما ً بالتوقعات.. وكانت دائرة العدوان تضيق حولها يوما ًبعد يوم
.. كان الناس يضربون أخماسا ًبأسداس، مهمومين، متوتري الأعصاب، يلاحقون الأخبار من جميع مصادرها.. وكان أثر الحصار في حياة الناس قد بلغ ذروته القصوى، لاسيما في الجانب الصحي من حياتهم، حيث شحت الأدوية والمستلزمات الطبية بشكل مريع.. وصار الحصول على دواء لمريض يكلفه أضعاف راتبه الشهري إذا كان موظفا ً.. أما الأطفال فلم يكن في عونهم، وعون عوائلهم إلا الله. كان العراق كله يذبح ذبحا ًلاسيما أطفاله.
جاءني إلى الوزارة يوما ًأحد الشعراء الشباب.. جلس في مكتبي وفجأة أخذ ينتحب. قلت : ما بك ؟. قال : إبني بين الحياة والموت. قلت : كم عمره ؟. قال: خمس سنوات. أرسلته إلى طبيب ؟.. قال: أجل. شخص مرضه، ولكن دواءه مفقود إلا في صيدليات خاصة تستورد أدوية أجنبية. قلت: وماذا تنتظر؟ فأجهش في البكاء وهو يقول: سعر الدواء أربعة أضعاف راتبي الشهري. خرجت من مكتبي إلى مكتب صديق في الوزارة، وعدت إليه ومعي ثمن الدواء.. قلت: أسرع الآن إلى الصيدلية. غسل يدي بدموعه وهو يتشبث بها ليقبلها قائلا ً: كيف سأفيك هذا المبلغ؟. قلت : حين يشفى بإذن الله، قل له أنت مدين لعمك عبدالرزاق عبدالواحد بهذا المبلغ، عليك أن تفيه له يوما ًما!
هل أحكي ما لا يقل عن هذه الحكاية وجعاً؟.. واحد من ألمع شخصيات العراق.. مثقف كبير، وموظف أكبر من كبير.. تأخرت يوما ًما في الخروج من الوزارة بعد نهاية الدوام، وحين غادرت مكتبي رأيته يخرج من مكتبه متأبطا ًثلاثة قواميس ضخمة، فضحكت وأنا أقول: أراك مشغولا ًجدا ً بالثقافة هذه الأيام؟!. فابتسم بمرارة وهو يقول: لا والله يا أبا خالد.. أنا ذاهب بها لأبيعها!.
إذا قرأت هذه الأسطر أيها الإنسان الكبير، والصديق الكبير، والموظف الكبير، والمثقف الكبير.. فاعذرني على الوجع الذي جعلني أكتبها في حين قلت لي يومها أنك تأخرت في مغادرة الوزارة حتى لا يراك أحد..!!.
في تلك الظروف كتبت قصائدي الدامية: {أختام الدم}، {ألواح الدم}
{أدرك حدود الصبر}، {المرتقى}، وأكثرها وجعا ً {يا صبر أيوب}.
* لنعد الى الوراء قليلا. الى الأشهر التي سبقت الغزو. كيف كانت؟ ماذا كنت تفعل؟
– كنت أعمل في وزارة الثقافة والإعلام، وكان لي بالإضافة إلى ذلك مكتب ثقافي في شركات الإيمان مع الصديق الحميم الدكتور سطام الكعود رئيس مجلس إدارة هذه الشركات.. وكان أديبا ً يكتب الشعر ويحبه، ويضعني من نفسه موضعا ًشديد الخصوصية. في تلك الفترة اقترح عليّ أن اسجل شعري كله بصوتي على أقراص "سي دي"، وكان يهيّء لمشروع كبير لنشر جميع أعمالي الشعرية مقروءة ًومسموعة. وقد استغرقت عملية تسجيلها أكثر من عام في "ستوديو حكمت" في الأعظمية. وما يزال كل منا يحتفظ بنسخة من هذه التسجيلات في انتظار أن نستطيع يوما ً تنفيذ هذا المشروع، بعد أن نضع صيغته النهائية، ونوقع الإتفاق عليه يوم يتحرر العراق بإذن الله.
كنت أكتب باستمرار، وأنشر باستمرار، وكنت، بالإضافة إلى ذلك دائم الصلة بمجموعة الشعراء الشباب الذين انتموا إليَّ وانتميت إليهم في الندوة التي التقوا عليها وأسموها "ندوة عبدالرزاق عبدالواحد"، وهم الآن عمالقة الشعر العراقي، وسيكونون عمالقة الشعر العربي كله يوما ًما.
هنا أود أن أذكر حادثا ًعميق الدلالة، حدث لي في تلك الأيام. أرسلت ثلاث قصائد حب هي من أجمل شعري إلى مجلة "ألف باء".. ومرّ شهر كامل ولم تنشر، ولم يسبق لمجلة "ألف باء" أن أخرت نشر قصيدة لي.. فاتصلت بالأستاذ أمير الحلو رئيس تحريرها متسائلا ً، فاعتذر بخلل في التنسيق، وارتباك في قسم التصميم.. ثم فجأة ً، ومع زيارة كوفي أنان لبغداد في لحظات الإحتدام القصوى للوضع في العراق، صدرت "ألف باء" مطرزة بثلاث قصائد لعبدالرزاق عبدالواحد في الحب!. بمرارة كبيرة حملت سماعة التلفون وقلت لأخي رئيس تحريرها: معقولة يا أبا خالد؟.. وفي مثل هذا الضيق؟!. وأنت تعلم من سيقرأ هذه القصائد، وماذا سيقول. إعتذر الأستاذ أمير الحلو مرة أخرى وقال: عسى أن لا يكون إلا الخير.
في اليوم التالي اتصل بي الوزير قائلا ً: أبو خالد. عندي لك خبر سعيد، فهل تتفضل عندي لسماعه؟، فذهبت إليه.
إستقبلني الدكتور همام عبدالخالق وزير الثقافة مرحبا ً.. وما كدت أجلس حتى وضع بين يديّ مجلة "ألف باء" مفتوحة ًعلى قصائدي، وقد كتب على صفحتها: " ما دام عبدالرزاق يكتب قصائد حب كهذه فالعراق بخير". وتحت العبارة: "صدام حسين، مع توقيعه".
* كيف تلقيت نبأ دخول الغزاة الى بغداد؟ ماذا كنت تريد ان تفعل؟ ما الذي قلت؟
– كنت في دمشق.. لم أصدق وأنا أنظر إلى التلفزيون. كنت أنظر كالأبله في الوجوه.. تتحدر الدموع من عينيّ بصمت مطبق، ثم ما ألبث أن أنفجر منتحبا ً بين فترة وأخرى.
وجاء أولادي من العراق.. وانتقلوا بي وبأمهم وأطفالهم إلى اللاذقية. إستأجروا لنا بيتا ً ممتدا ً في البحر، فكنت أجلس ساعاتٍ طويلة كل يوم، أرقب مدَّ البحر وجزره في ذهول.. أرقب شروق الشمس وغروبها صامتا ً، حتى خشي ابناي عليَّ.
وسافرت وزوجتي إلى ابنتنا في باريس.. وعاد أولادنا وأطفالهم إلى بغداد. سنة كاملة وأنا في صمت مطبق.. ذاهل عن كل ما حولي، لا أكاد أخرج من البيت. فجأة انفجرت حرائقي كلها طوفان دم ٍعلى الورق.. كانت أولى قصائدي {يا نائي الدار}. منذها والقلم بين أصابعي يتدفق دما ًونارا ًعلى السطور.
* هناك الكثير من القصائد المجلجلة التي تندد بالغزاة وعملائهم، يتم تداولها من دون إسم، وبعضها يُنسب اليك، هل كتبت بالفعل ولو بعضا من تلك القصائد؟
– أنا لا أتابع الأنترنت.. لا أملك وقتا ًلمتابعته.. وقد نقل إليَّ مرارا ً أمر هذه القصائد التي تنشر فيه دون ذكر أسماء أصحابها. وجدت فيها أحيانا ًشعراَ يستحق الوقوف عنده، وأحيانا ًأخرى كلاما ً لا علاقة له بالشعر.. محض شتائم مبتذلة، منسوجة بلغة متهافتة مليئة بالخطأ من كل نوع. يومها نشرت إيضاحاً على عدد من المواقع نفيت فيه نسبة هذه البذاءة إليّ، مؤكدا ًأن قصائدي مؤشرة بعنواني الألكتروني، وموقعة باسمي، وواضحة من لغتي ونسيجي الشعري عند كل من يعرف الأدب.
الغريب أنني كنت يوما ً ما في زيارة لرئيس تحرير جريدة "العرب اليوم"
في عمان، فأخبرني أن الجريدة نشـرت لي قـبل أسبوعـين قصيدة جديدة بعنوان {سلام على بغداد}، قلت: هذه القصيدة قديمة سبق أن نشرت منذ زمن. قال: لا.. هي قصيدة جديدة. وأرسل في طلب العدد الذي نشرت فيه. حين وضعه بين يديّ، وجدت في وسط صفحتها الثقافية الأولى صورة كبيرة لي، وإلى جانبها منظومة تافهة مختلة الأوزان، مليئة حتى بأخطاء اللغة والنحو والإملاء، وعليها مقدمة تحمل اسمي بحروف بارزة!
في اليوم التالي صدرت "العرب اليوم" وفيها اعتذار وتكذيب!. الأنترنت جعل هذا ممكناً هذه الأيام!
* تقول قصائدك الكثير. انها تبكي عراقا غدر به بعض إبنائه. ولكنها تُكبر أبناء ما يزالون يقاتلون. ماذا تقول لعراق الغد؟ كيف تراه؟
– قبل أكثر من شهر كنت مارا ً قرب تمثال الشهيد يوسف العظمة في وسط دمشق، فلحق بي رجل أدركني وأمسك بيدي فالتفتُّ إليه. كان مكتظا ً ببهاء رجولته. قال: عفوا ًأستاذ عبدالرزاق.. لم أصدق أنني رأيتك، فاعذرني على طريقتي الفجة في إيقافك. ابتسمت قائلا ً: عراقيٌّ أنت؟. قال : نعم.. حديث الوصول إلى الشام، وعائد إلى بغداد بعد أيام. قلت: أهلا ًوسهلا ًبك، تفضل. قال: أستاذ.. لأنك عبدالرزاق عبدالواحد، أقول لك: أنا العقيد المتقاعد الركن فلان الفلاني.. من المقاومة!، فخفق قلبي بعنف. قلت: مرحبا ً بك. قال: أستاذ عبدالرزاق.. ملأتنا حبا ً وأنت تكتب للعراق.. وملأت محاجرنا دموعا ًوأنت تبكي على العراق. أرجوك.. أتوسل إليك أن لا تبكي علينا بعد الآن. نحن نقاتل بكل كبريائنا، وبكل عراقيتنا.. ونستميت كل يوم. إننا محتاجون إلى صوتك الذي كان يشد أزرنا، ويثير نخوتنا في القادسية. محتاجون إلى عبدالرزاق عبدالواحد المقاتل الذي كان دمه يتفجر من حنجرته رعدا ًيدفعنا إلى القتال حتى الشهادة، لا الذي تملأ عينيه الدموع.
حين كان يتكلم اغرورقت عيناي بالدموع، فقال مستنكرا ً: ما هذا؟. احتضنته وقبلته.. قلت: هذه دموع النخوة والإعتزاز فلا تخف. عهد عليَّ لك وللعراق أن لا أبكي بعد الآن، وأن لا تسمعا مني إلا ذاك الهدير العالي.. هدير النخوة والكبرياء.
بعد ثلاثة أيام كنت في حفل كبير أقرأ قصيدتي الجديدة {عثرة العمر}.. لحظة انتهائي رأيته يخترق الصفوف المحتشدة، صاعدا ًإليّ على المنبر، وراح يقبلني بنخوة وفرح غامرين!
أنتِ فوقَ الرِّضا، وَفوقَ السـُّؤال ِ
عَثـْرَة َالعُمر، أكبـِري أن تـُقـالي!
هـكذا نحـنُ.. نـَغـتـَلي كـبـريــاءً
قـَد عـَثـَرنـا فـَسـَجِّـلي يـا لـَيــالي!
لـَم تـَسـَلـْنا مَواقـَفُ الـعـِزِّ يـَومـا ً
أنـُبـالي بالـمَوتِ أم لا نـُبـــالي
نـَحنُ قـَومٌ إذا سـَرَيـْنـا حـَمَلـنـــا
مَوتـَنـا قـَبـلَ زادِنــا في الـرِّحـال ِ!
لم نـَنـَمْ في الجحور ِمِثلَ الأفاعي
نحنُ نـَمشي على رؤوس ِالجبـال ِ!
وَعَثـَرنا.. لـِفـَرْطِ نـَخوَةِ حاديـنـا
وَغـَدر ِالأعـمـــام ِ والأخـــــوال ِ
قد عـَثـَرنا.. فـَسـَجـِّلي يا لـَيــالي
قد عَثـَرنا في الغـَدرِ لا في القتال ِ!
حـَولَ أعـنـاقـِنا، وَيـَنبضُ كـِبـْرا ً
لم يَطِحْ في التـُّرابِ زَهْوُ العِقـال ِ
قـُلْ لـِمَنْ يـَلـبَسـونـَهُ وهوَ يـَبكي
ثـَكـِلـَتـْكـُم نـِسـاؤكـُم من رجــال ِ!
{ من قصيدة " عثرة العمر " }
* بغداد، انت إبنها الأجّل، هل ستعود اليك، وهل اليها ستعود؟ من أين ينبثق الأمل فيها؟
– من هذا البطل الذي حدثتك عنه الآن!
* الشعر. ثمة عودة الى البحور. أهو إنقلاب على التجديد؟ ما هي دواعيه؟
- أنا الآن أعيش العراق المقاتل.. وأحتاج إلى كل طقوس قصيدة المعركة، وكلها في أمواج البحر الواحد!
إنه ليس انقلابا ًعلى التجديد.. أنا مجدد حتى في قصائدي التقليدية، ولكن قصيدة المقاومة تحتاج إلى الهدير!
سأروي لك قصة ًمن أطرف القصص، كتب عنها الصديق الرائع، المبدع الكبير يوسف الصائغ ـ رحمه الله ـ مقالا ًبالغ الإثارة:
كان معنا في وزارة الثقافة والإعلام الصديق القاص موسى كريدي رحمه الله.. وكان من دعاة الحداثة المتحمسين. يوما ًما دعي الأدباء إلى غداء في أحد قصور الرئاسة. روى لي يوسف، قال: "جئت إلى المرافق فوجدتها مقفلة.. انتظرت طويلا ًفلم تنفتح بابها، فطرقته. قال: بحذر شديد انفتحت الباب قليلا ً، وأطلّ منها رأس موسى كريدي، وكان مبتل الوجه والملابس، ممتقعا ً. قلت: ماذا بك؟. قال: يوسف أدركني. قلت: ماذا حصل؟. قال: أردت أن أقضي حاجتي فجلست في البيديت بدلا ً من التواليت، وحين قمت بقيت حاجتي في موضعها. فتحت الماء لأزيلها فانفجرت نافورة أدت إلى ما ترى!
حكى لي يوسف ـ رحمه الله ـ الحكاية وهو يكاد يختنق من شدة الضحك. بعد أيام قليلة ظهرت في الصحافة مقالة بالغة الإثارة ليوسف الصائغ تحت عنوان {السلام عليكم أيها الحداثيون!}.
* سؤال الحداثة الشعرية لم يلق، فيما يبدو جوابا شافيا. ربما لاننا حدثّنا في الشعر ما لم نُحدّث في الاقتصاد والسياسة، حتى بدت الحداثة الشعرية وكأنها تسقط على سيفها. كيف تنظر الى هذه المفارقة، اعني مفارقة حداثة ادبية فوق "لا حداثة" في الواقع؟
- الحداثة ليست ملصقا ً يلصقه المرء على جسده، أو عطرا ً يرش منه على وجهه فيصبح حداثويا ً. وهي ليست نموا ًسرطانيا ً يتضخم في عضو من الجسد فيصبح به حديثا ً. إنها نمو متوازن، معافي، منذ تكوّن أول خلية في الجسد.. متشبعة بكل معطيات العصر المادية والمعنوية، معايشة لكل مفرداتها حتى يواكب الإنسان عصره، وأولها مفردات الحياة اليومية التي يعيشها.
* هل خُدعنا؟ أم هل أسرعت بنا الخطى حيثما كان يجب أن نُبطئ؟
- هناك مثل يقول : قد تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت!. أما الذين أسرعت بهم الخطى، فما كانوا إلا أنفسَهم يخدعون!
* كيف تريد أن نتذكرك؟ أي صورة منك هي التي تتمنى أن تنال عشبة الخلود؟
ـ العراقي عبدالرزاق عبدالواحد.
* نعرف ما الذي يزول. ولكن ما الذي يبقى؟
يا سيِّدي.. يا عراقَ الأرض.. يا وَطني
وَكـُلـَّما قـُلـتـُهـا تـَغـرَور ِقُ الـمُـقـَـلُ
حتـَّى أغـَصَّ بـِصَوتي، ثمَّ تـُطـْلـِقـُه ُ
هـذي الأ ُبـُوَّة ُفي عـَينـَيكَ، والنـُّبـُلُ
يا مَنـْجـَمَ الـعـُمرِ..يا بَدْئي وَخاتـِمَتي
وَخـَيـْرُ ما فيَّ أنـِّي فـيـكَ أكـتـَهـِـلُ
أقولُ : ها شـَيْبُ رأسي..هل تـُكـَرِّمُني
فأنتـَهي وَهـوَ في شـَطـَّيـْـكَ مُـنـسـَدِلُ؟!
وَيـَغـتـَدي كلُّ شـِعـري فـيـكَ أجنـِحَـة ً
مُرَفـرِفـاتٍ عـلى الأنـهــارِ تـَغـتـَسـِلُ
وَتـَغـتـَدي أحـرُفي فـَوقَ الـنـَّخيـل ِلـَها
صَوتُ الحـَمائِم ِإنْ دَمعٌ، وإنْ غـَزَلُ
وَحينَ أغفـُو..وهذي الأرضُ تـَغمُرُني
بـِطيـنـِهـا.. وَعـِظـامي كـُلـُّهـا بـَلـَـلُ
سَتـُورِقُ الأرضُ مِن فـَوقي وأسـمَعُها
لـَهـا غـِنـاءٌ عـلى أوراقـِهـا خـَضِـلُ
يـَصيحُ بي : أيـُّهـا الغـافي هُـنـا أبـَدا ً
إنَّ الـعـراقَ مُعـافى أيـُّهــا الـجـَمَـلُ!
{ من قصيدة " يا صبر أيوب "}
(هذه المقابلة منقولة من أرشيف صحيفة المتوسط الورقية)
|