من أوراق الأيام

News image

سؤال الحرية كراهن تاريخي دائم

News image

شيئ عن أوهام الديمقراطية وسواها

News image

في مفهوم العولمة: التاريخ والمعنى

News image

قانون الولاء و"أسرلة" الأرض و"يهودية الدولة"

News image

ظواهر الهزيمة على المسرح وكواليسه

News image

اليقظة المتأخرة: هل يقرأ العرب؟

News image

الصحراء الغربية في الوثائق والمعاهدات الدولية

News image

فلسطيننا وخزعبلاتهم: كلام في يهودية إسرائيل

News image

الأصوليات.. وفتن التآويل الأخيرة!

News image

متى نتقدم؟ متى يكون الاقتصاد وطنيا؟

News image

رُويبضة العصر، ومبدأ حرية التعبير..!

News image

الدولة القومية والشركات العابرة للوطنية

News image

عندما تتحوّل الحياة العصرية إلى استعمارٍ للذات

News image

يهودية الدولة ومهمة طرد "الغزاة الفلسطينيين"!

مدونات عربية

(3) الإمبراطورية الأميركية وأفغانستان والهزيع الأخير PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأحد, 08 أغسطس 2010 11:35

عمر نجيب - يوم الثلاثاء 15 سبتمبر 2009 وفي الوقت الذي تصاعد فيه الجدل بقوة داخل الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها حول مخاطر فشل التحالف الغربي في الحرب الأفغانية، صرح الرئيس الاميركي باراك اوباما في مقابلة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز ان "افغانستان ليست فيتنام"، رافضا فكرة المقارنة بين الحربين.
وقال اوباما في المقابلة التي اجرتها معه ايضا شبكة "سي ان بي سي"، انه "يجب استخلاص العبر من التاريخ، كل مرحلة من التاريخ مختلفة عن الاخرى. انت لا تنزل النهر نفسه مرتين. بالتالي، فإن افغانستان ليست فيتنام".
واتى كلام اوباما هذا ردا على سؤال حول ما اذا كان يتخوف من ان يلقى المصير نفسه الذي لقيه الرئيس الاسبق الديمقراطي ليندون جونسون. وكان جونسون، الذي انهارت شعبيته امام المعارضة المتعاظمة في حينه لحرب فيتنام، عدل عن الترشح لولاية رئاسية ثانية في انتخابات تشرين الثاني- نوفمبر 1968 التي انتهت بفوز المرشح الجمهوري ريتشارد نيكسون، الذي انهى الحرب مع الفيتنام متقبلا الهزيمة.
ويزداد الوضع تدهورا للحلفاء في افغانستان حيث تصدر شهر آب- اغسطس الفائت قائمة الاشهر الأكثر دموية بالنسبة للقوات الاميركية في هذا البلد منذ اطاحت بنظام طالبان اواخر 2001.
واظهر استطلاع للرأي اجرته شبكة "سي ان ان" ونشرت نتائجه الثلاثاء ان نسبة قياسية من الاميركيين (حوالي 58 في المائة) تعارض الحرب في افغانستان، مقابل 38 في المائة يؤيدونها.
وتشكل المقارنة مع حرب فيتنام، التي لا تزال ذكراها تقض مضاجع الاميركيين، موضوعا حساسا بالنسبة الى أي رئيس اميركي، لأنها تذكر مواطنيه انهم انهزموا وهم دولة عظمى في حرب ضد دولة من العالم الثالث، وأنه وحتى لا تتكرر النكسة يجب التعامل مع العالم بإسلوب مخالف للذي يريد فرضه المحافظون الجدد أو الحالمون ببناء الإمبراطورية. وكان سلف اوباما جورج بوش قد رفض فكرة المقارنة بين حربي العراق وفيتنام.


العسكريون خائفون


يوم الأحد 23 آب-أغسطس 2009 قال الأدميرال مايك مولين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة إن الأوضاع في أفغانستان "خطيرة وتشهد تدهورا حادا". وأوضح مولين في مقابلة تلفزيونية "أعتقد أن الأوضاع تشهد تراجعا خطيرا.. لقد أكدت على ذلك خلال العامين الأخيرين"، مضيفا أن مقاتلي طالبان طوروا أنفسهم وأساليبهم.
وذكر إن القائد الجديد للقوات الأميركية وقوات حلف الناتو في أفغانستان، الجنرال ستانلي ماكريستال يعكف حاليا على تقييم الوضع وسيقدم تقريره في هذا الشأن في غضون أسابيع، مؤكدا أنه "لم يتم حتى الآن اتخاذ أي قرار بشأن زيادة القوات هناك".
وأضاف أن "التوجيهات التي وصلت إلى ماكريستال مني ومن وزير الدفاع روبرت غيتس تدعو لتقييم الوضع الحالي والإبلاغ عن احتياجاته ثم نصل بعد ذلك إلى اتفاق".
وأوضح أن الولايات المتحدة في حاجة إلى سنوات عديدة لضمان الأمن في أفغانستان وتأهيل القوات الأفغانية.
وهذه التصريحات التي تعكس نوعا من الإحباط وسط القيادة الأميركية جاءت في وقت غير موات للرئيس أوباما الذي جعل من أولوياته تركيز القدرات الأميركية لحسم الحرب الأفغانية.

دعاة الإنسحاب

بعد 24 ساعة من تصريحات الأدميرال مولين دعا سناتور أميركي، الاثنين 24 أغسطس، الرئيس باراك اوباما إلى تحديد جدول زمني للانسحاب من افغانستان.
وقال السناتور روسيل فاينغولد العضو في الحزب الديموقراطي الذي ينتمي اليه اوباما، إنه "حان الوقت للبدء ببحث جدول زمني مرن لأن الناس في اميركا وفي افغانستان وفي باقي العالم يرون أننا ننوي سحب قواتنا".
وأضاف فاينغولد في تصريح لصحيفة "ابليتون بوست-كريسينت" أن "اظهار أن لدينا فكرة وتاريخا للرحيل هو أحد الاشياء الجيدة التي يمكن أن نقوم بها من أجل النجاح في افغانستان".
وقال السناتور الأميركي إنه "بعد ثماني سنوات من الالتزام الأميركي لست مقتنعا أن إرسال قوات جديدة بإستمرار إلى أفغانستان هو استراتيجية جيدة"، معربا عن تخوفه من أن تزيد التعزيزات التي ترسل إلى كابول من ضغط طالبان.
اذا كان فاينغولد هو أول سناتور أميركي يطالب بالانسحاب من افغانستان التي أرسل إليها أوباما 21 ألف جندي إضافي منذ تسلمه السلطة، فإن المراقبين ينتظرون تزايد الأصوات المطالبة بالانسحاب داخل الهيئة التشريعية وحتى بعض الجماعات الضاغطة والمؤثرة على قرارت البيت الأبيض خاصة وانها أصبحت مقتنعة بأن لا سبيل لكسب الحرب في أفغانستان.
يعرف كل قائد جيش القاعدة رقم 1 حول تنفيذ السياسات بوسائل أخرى: لا تبدأ حربا قبل أن تعرف كيف ستخرج منها.
مشكلة الولايات المتحدة والحلفاء الذين انضموا اليها منذ نهاية 2001 انهم أدركوا ربما بعد فوات الأوان وبعد زهاء 8 سنوات من الحرب انه ربما لا يوجد أمل لكسب الحرب.
رونالد نيومان السفير الأميركي السابق في أفغانستان يلخص المأزق بشكل دبلوماسي حين يقول "إن افتقاد الحكومة الأفغانية للشرعية والتأييد الشعبي واستشراء الفساد السياسي في أفغانستان يجعل مهمة القوات الدولية معقدة للغاية ويجعل المواجهة العسكرية مع طالبان أقرب لحرب لا نهاية لها".
الانتخابات التي نظمها الحلفاء الغربيون في شهر أغسطس 2009 ورغم كل ما صرف فيها من أموال طائلة ورغم الأجواء المسرحية التي أحاطت بها وتوريط المنظمات الدولية فيها لتعطيها نكهة من الشرعية انتهت بمهزلة وفشل لم يمكن حتى لمراقبي الاتحاد الأوروبي إنكاره.
ويوجد داخل الولايات المتحدة تياران رئيسان حول الاستراتيجية المثلى لتعامل الإدارة الأميركية مع الحرب الأميركية في أفغانستان. يدعو الأول، والذي أضحى أكثر رواجا في واشنطن، لسحب القوات الأميركية من هذا البلد وترك إدارة شؤونه لأهله مستندين إلى الخبرة التاريخية في أنه عبر التاريخ لم تتمكن قوة من السيطرة على هذا البلد. ويرون أن على واشنطن المساعدة في التوصل إلى تسوية سياسية مع من تصفهم دوائر في الإدارة الأميركية بالمعتدلين من حركة طالبان، تضمن عدم استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات "إرهابية" ضد حلفاء الولايات المتحدة. ولكن الانسحاب الأميركي من أفغانستان، حسب هذا التيار، لا يعني عدم السعي الأميركي لملاحقة تنظيم القاعدة.
ويدعو التيار الثاني لضرورة وجود القوات الأميركية في أفغانستان، لترابط الحرب الأميركية في أفغانستان وتشابكها بعديد من القضايا المحورية والمهمة بالنسبة لواشنطن كالحرب على "الإرهاب" والصراع على الطاقة في آسيا الوسطى والملف النووي الإيراني ومواجهة المحور الصيني – الروسي، ولذا يدعون إلى زيادة القوات الأميركية والغربية في أفغانستان للسيطرة عليها وتخليصها من تنظيم القاعدة وحركة طالبان.
وحتى الآن يتبنى الرئيس أوباما أفكار التيار الثاني. فمنذ حملته الانتخابية العام الماضي وهو يعلن أن أفغانستان أولوية للأمن القومي الأميركي وأنها "حرب ضرورية". ومع دخوله البيت الأبيض غير الرئيس الأميركي القيادة الأميركية في أفغانستان بتعيين الجنرال ستانلي ماك كريستال قائدا للقوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان ليخلف الجنرال ديفيد ماكيرنان بعد أقل من سنة من توليه مهامه. وإحدث أوباما تغييرا في الاستراتيجية الأميركية بحيث نقل الاهتمام من العراق إلى أفغانستان وساند زيادة القوات الأميركية العاملة هناك.
ولكن هذه الاستراتيجية التي يتبناها أوباما لم تنجح حتى الآن. ففي تقريره حول تقييم الوضع الاستراتيجي للنزاع الأفغاني قال الجنرال ستانلي ماك كريستال: إن الاستراتيجية الأميركية في أفغانستان غير ناجحة.
ولم تؤد استراتيجية الرئيس أوباما الى تقليص الخسائر البشرية للقوات الأميركية أو تحقيق تقدم ملموس على المستوى الميداني في المواجهة العسكرية مع حركة طالبان. وفي المقابل تمكنت الحركة من محاصرة العاصمة الأفغانية كابول وفرض سيطرتها على مساحة واسعة من الأقاليم الأفغانية ووجودها في المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان، فضلا عن تعزيز تحالفاتها مع عدد كبير من قادة القبائل الأفغانية وتهديد استقرار النظام السياسي الأفغاني الذي أقامته الإدارة الأميركية.
حيث أشارت شبكة سي.‏إن‏.‏إن الإخبارية الأميركية "سي إن إن" إلى أن شهر آب-أغسطس الماضي قد شهد تصاعدا ملحوظا في الخسائر البشرية التي منيت بها القوات الأميركية في أفغانستان منذ بدء الحرب في عام 2001 بعدما وصل عدد القتلى من الجنود الأميركيين خلال هذا الشهر إلى 48 جنديا أميركيا في مقابل 45 قتيلا خلال شهر يوليو ليصل إجمالي الخسائر البشرية للقوات الأميركية في أفغانستان إلى حوالي 796 قتيلا خلال سنوات الحرب الثماني.
ومن المتوقع أن تزيد تلك الخسائر مع اتجاه الولايات المتحدة لزيادة عدد قواتها في أفغانستان البالغ قوامها حوالي 62 ألف جندي، وذلك بعد إبداء وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس موافقته على مقترحات الجنرال ماك كريستال حول إرسال 6 آلاف جندي إضافي إلى أفغانستان على الرغم من تعبير غيتس عن قلقه.
ولم يقتصر تصاعد الخسائر البشرية في الآونة الأخيرة على القوات الأميركية وإنما امتد لغالبية القوات المشاركة في العمليات القتالية لاسيما القوات البريطانية التي ارتفع عدد القتلى في صفوفها ليصل إلى حوالي 211 قتيل منذ بدء العمليات العسكرية في أفغانستان عام 2001 مما أدى لتصاعد الانتقادات الداخلية في بريطانيا حول استمرار التواجد العسكري في أفغانستان وهو ما يستدل عليه بالاستطلاع الذي أجرته صحيفة "الصن" البريطانية وتضمن تأكيد حوالي 68 في المائة من البريطانيين عدم رضائهم عن أداء القوات البريطانية في أفغانستان، بما يعني أن بريطانيا قد لا تتمكن من زيادة عدد قواتها في أفغانستان على غرار الولايات المتحدة وأن الخلاف بين الولايات المتحدة والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي حول زيادة عدد القوات الدولية في أفغانستان قد يستمر لفترة في ظل عدم وجود مؤشرات على تحسن الأوضاع  الميدانية.

انها حرب استنزاف

بينما تعمل إدارة أوباما على توسيع وتعزيز الانخراط الأميركي في أفغانستان، يحذر عدد كبير من الخبراء الأميركيين من أن الولايات المتحدة تأخذ على عاتقها التزامات أمنية وسياسية قد تستمر لفترة طويلة بما يعني تضاعف التكلفة المادية للوجود العسكري في أفغانستان على المدى القريب. حيث كشف تقرير صادر عن هيئة أبحاث الكونغرس عن تصاعد الإنفاق العسكري الأميركي في أفغانستان بصورة مطردة بين عامي 2001 و2009 ليصل إجمالي الإنفاق خلال تلك الفترة إلى حوالي 223 مليار دولار.
مع نهاية سنة 2008 بدأت الشروخ والتصدعات تظهر وسط التحالف الغربي، وهكذا أبدى وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير رغبته في إنهاء مشاركة القوات الألمانية للتدخل الأميركي في أفغانستان.
وقال شتاينماير في حديث صحفي: إن القوات الألمانية التي يبلغ عددها 7100 فرد لم تنفذ عملية واحدة خلال السنوات الثلاث الماضية، إلا أنها تتعرض من وقت لأخر إلى هجمات من قبل عناصر طالبان.
وطالب شتاينماير بعدم التجديد لمهمة القوات الخاصة والاكتفاء بتجديد مهمة القوات الألمانية ضمن قوات المساعدة الدولية "ايساف" ومهمة الاستطلاع الجوي.
وجاءت التصريحات الألمانية بالتزامن مع تصريحات أطلقها قائد القوات البريطانية في إقليم "هلمند" العميد مارك كارلتون سميث، وأقر فيها بأنه لا ينبغي توقع نصر حاسم على حركة المقاومة الأفغانية طالبان، بل الاستعداد للتفاوض على صفقة مع الحركة.
وأضاف سميث: "لابد من خفض سقف التوقعات لأننا لن نربح هذه الحرب، وإن الأمر ينحصر الآن في خفض مستواها إلى حدود يمكن للقوات الأفغانية أن تتعامل معها، ولا تصير فيه تهديدا إستراتيجيا".
ولم يستبعد القائد العسكري البريطاني أن تغادر قواته أفغانستان تاركة موجة هجمات مستمرة، وقال: "لا أظن أنه بعد ذهابنا لن تكون في هذا الركن من العالم جماعات مسلحة، وسيكون ذلك أوهام لا مصداقية لها".
من جانبه أكد البريغادير مارك كارلتون سميث، القائد العسكري البريطاني الكبير في تصريحات لصحيفة "صنداي تايمز": "ان الحرب ضد حركة طالبان لا يمكن الانتصار فيها لان الوقت لم يعد وقت انتصارات وانما مفاوضات مع حركة طالبان".

ثلاثة اسباب لانهيار الامبراطوريات العظمى

الذين يطالبون بتعجيل الإنسحاب من أفغانستان يشيرون الى أن عملية الانهيار السوفييتي بدأت بالهزيمة في افغانستان ويحذرون من ان بداية الانهيار الاميركي تبدأ مثلها ايضا. فنظرية البروفسور بول كندي استاذ التاريخ في جامعة "ييل" الاميركية حول صعود وهبوط القوى العظمى تتجسد بوضوح حاليا حسب رأيهم، فقد قال ان هناك ثلاثة اسباب لسقوط الامبراطوريات العظمى، اولها تصاعد الانفاق على الأمن الداخلي، وثانيها، التوسع في الحروب العسكرية في الخارج، وثالثها، ظهور منافسة قوية تجارية واقتصادية من قوى عظمى ناشئة.
هذه الاسباب جميعا تنطبق على اميركا. فتكلفة الانفاق على الأمن الداخلي في ذروتها تحسبا لعمليات ارهابية، وحربا العراق وافغانستان استنزفتا الخزانة الاميركية، والقوى العظمى الجديدة التي تنافس اميركا تجاريا واقتصاديا تتمثل حاليا في الصين وروسيا والهند واوروبا، وهذه القوى تتجنب السقوط في الفخاخ التي أدمت القوة العظمى الأولى في العالم وجعلتها تتخبط في متاهات وأزمات لا تنتهي.
معضلة ساسة البيت الأبيض انهم غير قادرين أو غير راغبين في ادراك حقيقة الأوضاع في مناطق الصراع التي يتدخلون بها.
في أفغانستان تحالفت واشنطن خلال عقد الثمانينات مع حركات المقاومة الأفغانية ضد التدخل السوفيتي الذي استمر زهاء عشر سنوات، ولكنها لم تنجح في السيطرة سوى على عدد قليل منها، ومن رحم المخابرات الأميركية تكونت نواة ما أصبح لاحقا تنظيم القاعدة، وكان اسامة بن لادن أحد الذين عولت عليهم المخابرات الأميركية بفروعها المختلفة لتجنيد المقاتلين العرب للقتال الى جانب الأفغان ضد السوفييت، وواشنطن هي التي حثت دول الخليج العربي البترولية على مد اسامة بن لادن وغيره ممن قاتلوا الجيش الأحمر بمئات ملايين الدولارات وأطنان السلاح، بل انه مع ظهور بوادر إنكسار الجيش الأحمر تمططت الأحلام الأميركية في كسر شوكة الدب الروسي بشكل حاسم عن طريق امتدادات الحركات الجهادية في أفغانستان الى بطن الإتحاد السوفيتي الرخو المتمثل في الجمهوريات المسلمة.
عندما شاركت واشنطن في الحرب ضد السوفيت في أفغانستان كانت تستهدف تحقيق أهداف اخرى منها منع الكرملين من الحصول على منفذ الى المياه الدافئة أو تمرير نفط وغاز سيبريا والجمهوريات الجنوبية الى المحيط الهندي، وفرض طوق من التحالفات يحد من قدرة موسكو على النفاذ الى جنوب أسيا وكذلك الحد من توسع النفوذ الصيني شرقا وغربا، ووضع لبنات وضع يمكن من الحيلولة دون قيام تحالف ولو مرحلي بين الصين والهند أو بين الصين وباكستان.
جزء هام من صانعي القرار في باكستان وخاصة جهاز مخابراتها ومن ورائه المؤسسة العسكرية ساند حركة طالبان وساعدها على اسقاط حكومة نجيب الله المتحالفة مع موسكو والوصول الى السلطة. اسلام آباد كانت تسعى لأن تكون أفغانستان حليفا لها قبل أي طرف آخر وأرادت ان تكون بمثابة ساحتها الخلفية التي تؤمن نوعا من التوازن لها في الصراع المستمر مع الهند.
طهران ونيودلهي لم تنظرا بعين الرضا لتفوق طالبان وعملتا على مساندة خصومها بمدهم بالسلاح وهنا التقت مصالحهما نسبيا مع واشنطن. موسكو لم تكن مرتاحة لفوز طالبان خاصة على ضوء خوفها من أن تكون حليفة للحركات التي تريد تخليص الجمهوريات السوفيتية السابقة في الجنوب من الأنظمة المتحالفة مع الكرملين، غير ان الساسة الروس كانوا مرتاحين لإبتعاد طالبان المستمر عن نفوذ الإدارة الأميركية.
عندما غزت واشنطن أفغانستان سنة 2001 وأجبرت باكستان تحت التهديد العسكري على السماح لها بإستخدام أراضيها لضرب طالبان، لم تنجح في وقف تعاطف جزء كبير من صانعي القرار في اسلام آباد مع طالبان، وقد وصل الأمر خلال حكم الرئيس بوش الى اتهام المخابرات الباكستانية بمد طالبان بالسلاح والمعونات ودخول واشنطن في صراع خفي ومعلن مع الرئيس برويز مشرف.
في موسكو كان الشعور لدى صانعي القرار مختلطا بشأن التدخل الأميركي في أفغانستان، ولكن كان هناك من وجد ان هناك فرصة لتصفية الحساب مع واشنطن، وهذا واضح في الأسلوب الذي اتبعه الكرملين في التعامل مع طلبات البيت الأبيض لتمرير السلاح والمؤن للقوات الأميركية عبر الاراضي الروسية وجمهورياتها السابقة.
موسكو والصين لا يريدان نصرا أميركيا في أفغانستان بل يريدان لها حرب استنزاف مكلفة وإنشغالا يحرمها من القدرة على التحرك والتدخل بفعالية في مناطق اخرى من العالم، وفي نفس الوقت لا يرغبان في تحقيق طالبان نصرا حاسما. ولكن بما ان الحرب الأفغانية ضد الولايات المتحدة والمستمرة منذ ثمان سنوات قد أظهرت انه ليس هناك بديل يعتد به في الحرب فإن موسكو وبكين تأملان في انتصار طالبان مختلفة وقيادات بفكر واقعي لا تخضع أو تتحالف مع الغرب ولا تكون خصما للكرملين.
ايران وفي نطاق صراعها للبحث عن مجال حيوي التقت مع واشنطن في العمل على كسر شوكة طالبان وهي تريد جزءا من الكعكة. يوم 15 تشرين الاول-اكتوبر 2008 طالب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى في إيران علاء الدين بروجردي بعض الدول الأوروبية بدعم ما وصفها حكومة أفغانستان الشرعية أي الحكومة التي نصبها المحتل الاميركي بدلا من العمل على التفاوض مع حركة طالبان. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا" عن بروجردي خلال لقائه وفدا برلمانيا فرنسيا في طهران قوله "إن السياسة التي ينتهجها عدد من الدول الأوروبية والتي تتمحور في إجراء اتصالات مع العناصر المتطرفة في أفغانستان لا تصب في صالح أمن واستقرار المنطقة.
تقارير الصحف الغربية ومنذ بدء التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان اشارت الى الإسناد الإيراني، وتحدثت عن ضخ ملايين الدولارات شهريا الى الحركات المسلحة المناهضة لحركة طالبان في غرب أفغانستان وبشكل يفوق ما كانت تقدمه طهران عندما كانت طالبان تنشر نفوذها في سنة 2001 على ما تبقي من اراضي بلادها خارج سيطرتها.

تقاسم النفوذ

بموازاة مع انجراف التحالف الغربي في ما يدعى بالمستنقع الأفغاني تصاعد تسرع الحكومة الإيرانية في عرض مزيد من التعاون لعل ذلك يساعد في منع أو تأخير هزيمة التحالف، وهكذا ويوم الاثنين 13 ابريل 2009 اعلن رئيس الشرطة الايرانية الجنرال اسماعيل احمدي مقدم ان بلاده مستعدة لتدريب الشرطة الافغانية، نافيا اجراء محادثات مع الحلف الاطلسي حول امكانية التعاون مع القوات الاجنبية في افغانستان.
وللمرة الاولى منذ حوالى 30 عاما تم عقد اتصال علني بين ايران والحلف الاطلسي عبر لقاء في مارس 2009 بين احد دبلوماسييها وممثل لامين عام الحلف الاطلسي في مقر الحلف، كما اعلن مسؤول في الحلف في 26 آذار- مارس.
واعلن المسؤول ان "الايرانيين مهتمون بامكانية التعاون حول افغانستان وشاركت ايران في المؤتمر الدولي حول افغانستان في لاهاي في اواخر مارس بعد تلقيها دعوة رسمية من الولايات المتحدة.
كل المعطيات تشير الى أن معركة أفغانستان دخلت فصلها الختامي سواء ادركت أو لم تدرك واشنطن وحلفائها انه يجب التوصل في أقرب وقت الى حل تفاوضي حول تنظيم الانسحاب من بلاد جبال هندو كوش، قبل أن يتكرر مشهد الفرار المذل من سقف السفارة الاميركية في سايغون، في 30 نيسان-أبريل 1975.
هناك من يتركون خط الرجعة مفتوحا حتى لا يلامون على الهزيمة، فيوم 16 ايلول-سبتمبر 2009، قال الاميرال مايكل مولن رئيس هيئة الاركان المشتركة للجيوش الاميركية ان مشكلة مصداقية الحكومة الافغانية لدى الشعب الافغاني تشكل تهديدا خطيرا للاهداف الاميركية يعادل تهديد مقاتلي طالبان.
واضاف امام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الاميركي ان "نقص الشرعية في الحكومة على كل مستوى" كان عاملا رئيسيا في عودة طالبان بعد ان اطاحت بهم القوات التي قادتها الولايات المتحدة من السلطة عقب هجمات 11 أيلول- سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة.

عمر نجيب، صحافي مصري مقيم في المغرب، المقال مأخوذ من أرشيف المتوسط الورقية

 

المزيد من ملفات

أخبارك، أولا بأول

الناشر الألكتروني العربي الأول للكتب