|
الأحد, 08 أغسطس 2010 12:59 |
ثمن الأحقاد
المتوسط اونلاين – الوقت ما يزال مبكرا على تحليل أسباب ودوافع الهزيمة التي تواجهها الولايات المتحدة في أفغانستان.
فالمعركة، بحسب بعض القادة العسكريين الاميركيين لم تنته بعد. ولكنها حسمت بالنسبة لبعضهم الآخر، حتى ان هناك من يدافع عن الفكرة القائلة بأن أقصى ما تستطيع الولايات المتحدة فعله هو ترتيب شؤون ما بعد الهزيمة.
المخططون الاستراتيجيون الاميركيون بدأوا بالفعل في مراجعة خيارات ما بعد الهزيمة. والمشكلة الأولى التي تواجهها الولايات المتحدة لا تتعلق بافغانستان بل بمصير النظام في باكستان.
السبت الماضي قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية انه في ظل تنامي الغضب من بطء الحكومة الباكستانية وردها الفوضوي على أسوأ فيضان وسيول تجتاح باكستان منذ 80 سنة، فان الجمعيات الخيرية الإسلامية المتشددة هي التي الفراغ وتمد يد العون للناس ما يمنحها دعماً جديداً بين الباكستانيين المنكوبين.
وفي الواقع فان نفوذ "الجمعيات الاسلامية" يتصل، من دون أدنى شك، بالحرب في افغانستان، إلا انه يؤكد تنامي نفوذ التيار الاسلامي المتشدد، الطالباني خاصة، في باكستان.
وهناك من يعتبر ان النظام في إسلام آباد لا يعدو كونه شكلا كارتونيا يبقى لمجرد ان الاسلاميين أنفسهم لا يعرفون ماذا يفعلون إذا ألقي الإنهيار على عاتقهم.
وأحد الخيارات المتاحة لحكومة إسلام آباد هي ان تنأى بنفسها عن واشنطن، لكي تفتح الطريق امام مفاوضات مع الجماعات الاسلامية تعطي لقيصر ما لقيصر وما لله لله. أي ان تسحب إسلام آباد دعمها للحرب ضد طالبان، مقابل ان تتخلى الجماعات الاسلامية الباكستانية المتشددة عن تغيير المعادلات السياسية في باكستان.
وفي إشارة الى ان الاسلاميين يمثلون "سلطة" اكثر فاعلية على أرض الواقع، لفتت نيويورك تايمز إلى ان الفيضانات فتحت فرصة جديدة أمام الجمعيات الخيرية الإسلامية لتثبت انها قادرة على تقديم ما يستحيل على الحكومة تقديمه، تماماً كما فعل الإسلاميون يوم ضربت هزة أرضية كشمير في العام 2005، ما ساعدهم على إغراء الناس لتجنيدهم في مجموعات مسلحة محظورة وذلك من خلال منظمات خيرية تشكل غطاء لهم.
وقالت الصحيفة إلى انه في مقاطعتين في شمال غرب باكستان فقط، أمنت 3 جمعيات خيرية إسلامية المأوى للآلاف وجمعت التبرعات وقدمت حوالي 25 ألف وجبة طعام ساخنة يومياً منذ يوم السبت الماضي، أي قبل 6 أيام من توفير الحكومة طعاماً جاهزاً.
ونقلت عن الزعيم الإقليمي لمجموعة "جمعية علماء الإسلام" يوسف شاه قوله "يقول الغرب أننا إرهابيون وغير متسامحين، ولكن وقت الحاجة نحن من نساعد الناس".
في واشنطن، يشعر الرئيس الاميركي باراك أوباما بأن مطبخ الحرب في أفغانستان بات حارا الى درجة قد لا تطاق، وهو ما قد يدفعه الى اجراء مراجعة جديدة اخرى، ستكون الأخيرة، من اجل ترتيب الانسحاب.
وأحد أوجه الحرارة يعود الى تراجع التأيد في صفوف الشعب الامريكي لباراك اوباما من 56% وذلك بسبب أدائه في افغانستان الى 44% الاسبوع الماضي.
ويبدو ان الهزيمة الغربية في افغانستان على يد طالبان باتت واضحة وجلية الى درجة ان الجنرال الامريكي ستانلي مكرستال اعترف مؤخرا بان الوضع الذي تواجهه القوات الاميركية بات خطيرا جدا "ما لم تعدل
خطة الحرب واستراتيجة الاوضاع في افغانستان".
وواجهت الولايات المتحدة وضعا عسيرا خلال الأسابيع القليلة الماضية وذلك مع ارتفاع خسائرها الى معدلات تعد الأعلى منذ اندلاع الحرب قبل 8 سنوات.
وكانت حصيلة خسائر قوات الاحتلال في أفغانستان، خلال شهري يونيو ويوليو الماضيين قد بلغت نحو 200 قتيلا، وذلك رغم اعتماد الاحتلال لاستراتيجية الدروع البشرية الممثلة في المشي وراء القوات الحكومية الافغانية.
ويدرك القائد الجديد لقوات الاحتلال في أفغانستان الجنرال ديفيد بترايوس، ان قائد الحرب السابق الجنرال ستانلي ماكريستال كان على حق، وان الحرب باتت قاب قوسين او أدنى من الانهيار.
ويقول مراقبون انه مع تزايد الكراهية الشعبية لوجود الاحتلال في أفغانستان، بسبب التكاليف، وارتفاع عدد قتلى جنود الاحتلال في دول حلف شمال الأطلسي، وبسبب الجرائم التي تستهدف المدنيين، والبنية الثقافية للشعب الأفغاني، كحوادث تدنيس المصحف الشريف، وهي حوادث متعمدة، تهدف لإذلال الشعب الأفغاني، والنيل من أقدس مقدساته (وقد تظاهر الأفغان في كابل يوم 29 يونيو 2010، احتجاجا على عدوان جديد على المصحف الشريف، واعتقال إمام مسجد)، فإن الطريق لا يبدو ممهداً لبيتريوس، ولا أحد يمكنه القول بأن ذلك سيحقق نصراً للأمريكيين في أفغانستان.
واعترافا بالفشل ، دافع رئيس هيئة الأركان البريطاني ، السير ديفيد ريتشاردز، عن ضرورة البدء الفوري في الحوار مع حركة طالبان ، كجزء من استراتيجية انسحاب قوات الاحتلال من أفغانستان. وقال ريتشاردز لبي بي سي يوم 28 يونيو 2010 أن "وقت التفاوض قد حان".
وقال ريتشاردز "إن أي حملة ضد ما أسماه حركة تمرد عبر التاريخ كانت تشهد في وقت ما حوار بين الجانبين".
ولكن ما الذي قاد الولايات المتحدة الى هذه الهزيمة؟
لقد خسرت الولايات المتحدة الحرب في افغانستان لانها لم تأت الى هذا البلد لتخوض حربا ضد الإرهاب. وإنما لتفرض هيمنتها ومصالحها عليه، وعلى المنطقة بأسرها.
وهي اخترعت اكاذيب ومبالغات من اجل ان تغزو العراق. ولكن مثلما دفعتها المقاومة العراقية الضارية الى الاعتراف بالفشل، فقد دفعتها المقاومة الضارية في افغانستان الى الاعتراف بفشل مماثل.
الإرهاب لم يكن هو القضية بل أطماع الهيمنة والسعي الى التوسع عن طريق سفك الدماء.
لقد جاءت الولايات المتحدة الى افغانستان والعراق مدفوعة بأطماعها الاقتصادية الخاصة وبالاحقاد على المسلمين، ولكنها حملت معها غباء مؤسستها السياسية وجهلها بالبيئة الاجتماعية التي جاءت لتحارب فيها. وكان من الطبيعي ان تكون النتيجة كارثة. فالساحر لا يكون غبيا إلا وينقلب سحره عليه. وبفضل هذا الانقلاب تكبدت الولايات المتحدة ما يناهز 3 تريليون دولار على حربين لم تجن منهما، فوق خسارة المال وآلاف الجنود، إلا انهيار مكانتها كقوة عظمى.
لقد آمنت الولايات المتحدة بان القوة العسكرية يمكن ان تكفل لها كل شيء. ولكنها تدرك اليوم كم انها كانت غبية. |